يسيطر على معظمنا فى المرحلة الأولى من الطفولة تفكير مشوش ومضطرب حول ماهية العالم، حيث يبدو العالم كحلم والمشاهد العادية والأفعال اليومية كأوهام أو خيالات. وقد يتبادر إلى أذهاننا أن عالمنا ما هو إلا واقع افتراضى بل وهناك من المتشائمين من يدفعنا إلى التصديق التام بذلك. بالطبع فإن مثل هذه الأفكار ليست دائمة، فقد تلاحقنا لبعض الوقت ولكن سرعان ما تتلاشى وننتصر عليها. هنا نجد سؤالًا ملحًا علينا.. كيف ندرك أن العالم الذى نحياه هو العالم الذى يجب أن يكون، وكيف ندرك العلاقة بين ما نراه فى الواقع وبين المظهر الذى تبدو عليه الأشياء؟ إنه الإنسان الباحث عن الحقيقة الباحث عن نفسه ولطالما كانت هناك حياة سيظل هذا الإنسان يبحث عن الإنسان وحقيقته. لماذا البحث عن الإنسان؟ هذا المقال ما هو إلا تجربة فكرية تذهب وتحلق بعيدًا فى محاولة للاستنتاج والتفكير للوصول إلى البحث عن الإنسان عبر العصور السحيقة إلى البحث عن الإنسان التائه فى الفضاء الرقمى، هذا الإنسان الذى سحقته أدوات صنعها بنفسه إما فى الحروب أو فى السيطرة على النفس الإنسانية أو فى سحق هذا الإنسان وتتبع خطواته خطوة خطوة، بل قد نذهب بعيدًا إلى مطاردته حتى غرف النوم، ليصبح هذا الإنسان الذى ادعى أنه حر عبد مسيطر عليه، يوجه دون أن يدرى.. من هنا جاء البحث عن الإنسان بين الدين.. التقنية.. الهوية، ثالوث يقع الإنسان تحت تأثيره والسؤال أين نجد هذا الإنسان؟، من هنا جاء هذا المقال كتجربة فكرية حرة يفكر من خلالها كاتب المقال مع قرائه ناصحا إياهم ألا يتأثروا به، بل أن يكون لكل واحد منهم تجربته المستقلة عنه. التجربة الفكرية: Thought Experiment هى تجربة تتم بالكامل فى الذهن، وتتعامل مع مواقف لن تفحص فى المختبر، وتفترض أحياناً مواقف لا يمكن أن تفحص ولا يمكن أن تحدث فى الطبيعة. وتعد (تجارب الفكر) أداة علمية وفلسفية حقيقية. وإذا كنا فى التجربة العادية نحدث بالفعل مسلسلاً من الأحداث، فنحن فى تجربة الفكر مدعوون إلى تخيل مسلسل. وبوسعنا عندئذ أن نتبين أن نتيجة ما سوف تترتب، أو أن وصفاً ما هو الملائم، أو أن عجزنا عن وصف الموقف يحمل فى ذاته نتائج معينة. وقد كانت تجارب الفكر وما تزال تستخدم بنجاح كبير، وقد لعبت دوراً عظيماً فى تقدم الفيزياء. إن تطور المعرفة عبر العصور ارتبط بتطور مشترك متوازٍ لنشاطات الإنسان وما يبدعه من منتجات، انظر إلى الكلمات التى نتحدث بها، والمؤسسات الاجتماعية فى الوقت نفسه، توجد هذه المنتجات فى العالم من حولنا، وتنظم انتباهنا وعملنا فى هذا العالم، وتخلق فى مجملها «عوالم بديلة». وخلال تكون أية ثقافة إنسانية عبر زمن تاريخى، ينتج الوسط الثقافى وجهة للتغير التطورى تتراكم فيه أعمال الأجيال السابقة فى الزمن الحاضر مشكلة المجال الإنسانى فى البيئة التى يعيش فيها الإنسان. ومن ثم فإن الفضاء الاجتماعى لا يؤثر على الفرد فقط بفعل الأشخاص الذين يتحادثون أو يتواصلون أو يقنعون، بل يؤثر عليه من خلال الأشياء والممارسات الاجتماعية التى قام أناس لا نراهم بتأسيسها فى الفضاء الذى نعيش فيه فالإنسان يراعى الأشكال الاجتماعية المرعبة: روتين وإيقاع الحياة، الألعاب، الطقوس، القوالب الثقافية، ويتشرب الإنسان عبر: الكلمات، الخرائط، أجهزة التلفاز، الإنترنت، وسائل النقل، والمواصلات الكثير من معارفه دون أن يدرك ذلك. تؤلف الكثير من السمات المختلفة الإنسان، من الأيدى البارعة إلى الأدمغة الكبيرة إلى الخلطة الاجتماعية، غير أن ما يجعلنا مختلفين بصورة جذرية هو سيطرتنا الجماعية على المعلومات المتعلقة بالبيئة المحيطة بنا، فنحن لا نكتفى بجمع المعلومات، شأن الأنواع الأخرى. بل يبدو أننا نرعاها وندجنها، على النحو ذاته الذى يراعى به المزارعون محاصيلهم، فنحن نولد ونتشارك فى المزيد والمزيد من المعلومات ونستخدمها من أجل استغلال تدفقات أكبر وأكبر من الطاقة والموارد. إن المعلومات الجديدة منحت البشر رماحا وأقواسا وسهاما أفضل، ومكنتهم من اصطياد حيوانات أكبر بصورة أأمن. كما أنها منحت البشر قوارب أفضل نقلتهم إلى مصائد الأسماك وإلى أراضٍ جديدة، وقدمت لهم معارف زراعية جديدة مكنتهم من تحرير النباتات القابلة للأكل من السموم، وفى الأزمنة الحديثة، تكمن المعلومات خلف التكنولوجيات التى تمكننا من استغلال طاقة الوقود الأحفورى وبناء الشبكات الكهربائية التى تربطنا داخل نظام عالمى واحد. إن إدارة المعلومات على هذا النطاق لم تكن إنجازا فرديا، بل إنها اعتمدت على التشارك، وعلى مراكمة ملايين الرؤى الفريدة عبر أجيال عديدة. وفى النهاية: تواجد هذا التشارك فى مجتمع تلو الآخر، هذه الآلية البيولوجية هى النقل الاجتماعى أو الثقافى، الذى يعمل على نطاقات زمنية سريعة (التطور الثقافى التراكمى). كان التغيير الطفيف الذى مكن البشر من مشاركة ومراكمة هذا الكم الكبير من المعلومات تغييرا لغويا، إن العديد من الأنواع تمتلك لغات، فبإمكان الطيور وقردة البابون تحذير أفراد أنواعها من اقتراب المفترسات، غير أن لغة الحيوانات لا يمكنها إلا مشاركة أبسط الأفكار، وكلها تقريبا متصلة بما هو موجود فى نفس اللحظة، وكأنها حركة إيمائية. غير أن مفردات الطيور والحيوانات محدودة ولا تستخدم فى بناء الجملة والنحو، تلك القواعد التى تمكننا من توليد مجموعة هائلة من المعانى من عدد صغير من الرموز اللفظية. هذه التحسينات اللغوية مكنت البشر من التشارك فى المعلومات بدقة ووضوح بحيث بدأت المعارف فى التراكم من جيل إلى آخر، فلغات الحيوانات محدودة قاصرة للغاية بحيث لا تتيح هذا التراكم، فاللغة البشرية قوية بما يكفى كى تعمل عمل المزلاج الثقافى، بحيث تحتفظ بأفكار أحد الأجيال وتحفظها للجيل التالى، الذى قد يضيف إليها بدوره، أطلق على هذا اسم (التعلم الجمعى)، والتعلم الجمعى محرك جديد للتغيير، ويمكن أن يقود التغيير، أطلق التعلم الجمعى كمية هائلة من المعلومات حول النباتات والحيوانات والتربة والنيران والمواد الكيميائية، وحول الأدب والفن والدين، وحول البشر الآخرين، ورغم أن بعض المعلومات ضاعت فى كل جيل، فعلى المدى البعيد تراكمت مستودعات المعلومات البشرية، وهذه الثروة المتعاظمة من المعرفة كانت المحرك الدافع للتاريخ البشرى عن طريق تمكين البشر من الوصول إلى تدفقات متزايدة من المعلومات وبالتالى ابتكارات جديدة وتغيير متتابع لأنماط الحياة.