في كثير من الأحيان تداعبنا الذكريات ويجول بخاطرنا الكثير من الأحداث والتجارب والشخصيات التي مرت في حياتنا، وهنا وجد الكاتب والناقد الفني سمير غريب ضالته في "خلود المحبة"، والذي يتضمن مجموعة من كتاباته السابقة في عدة صحف مختلفة عن بعض البشر والأماكن والأحداث التي أحبها وارتبط بها، والتجارب التي عاشها بنفسه أو شاهدها. وبالإضافة للكتابات والمقالات، يضم كتاب "خلود المحبة" قصتين قصيرتين، وهما "قصة قصيرة جدًا"، و"حرب الفئران"، ونصين شعريين، الأول يحمل عنوان الكتاب "خلود المحبة" وكان لزوجته بعد وفاتها ب3 سنوات، والآخر لصديقه أحمد الجندي والذي توفي بعد زوجته ب10 سنوات. وصنف غريب كتابه في المقدمة كشذرات من سيرة ذاتية ومدخلًا وثائقيًا، لما فيه من صور فوتوجرافية ومعلومات وصور لخطابات شخصية تنشر للمرة الأولى. وقسم غريب الكتاب إلى 4 أقسام، هم" (فناء الجسد خلود الروح - وطن من المحبين - تجوال - قصتان)، فالقسم الأول منه تحدث فيه عن أشخاص رحلوا بأجسادهم ولكن مازالت أرواحهم تتحدث عنهم، فكان أوله النص الشعري "خلود المحبة" والذي حاول فيه أن يرثي زوجته "سامية"، وأعرب خلاله عن شدة حبه لها، والوحشة التي لا تفارقه تجاهها، مشتاقًا بشدة إلى اللحظة التي يلتقي بها. والمقالة الثانية جاءت تحمل عنوان "لماذا أحب أستاذي الكبير جلال الدين الحماصي"، والذي ذكر فيه محبته الشديدة لأستاذه في كلية الإعلام، فهو السبب الرئيسي في تعيينه في أخبار اليوم، فلم يكن بالنسبة له مدرسًا عاديًا بل كان قدوة حسنة، كما أثر تأثيرًا كبيرًا في تكوين شخصيته، ويذكر أنه عندما اختلف معه في وجهات النظر كتب غريب مجلة حائط وذكر الحماصي بأسلوب غير لائق حيث كان عنوانها "اسمع كلامك أصدقك.. أشوف أمورك استعجب"، إلا أن الحماصي تقبل ذلك بصدر رحب وقال خلال اجتماع مع تلامذته: "الخلافات الشخصية شئ والعمل شئ آخر"، وتتوالى بعد ذلك الشخصيات خلال الكتاب. وفي القسم الثاني من الكتاب "وطن للمحبين"، ذكر الكاتب مجموعة من الشخصيات كان لها علامات بارزة ومؤثرة في عدة مجالات مختلفة سواء علمية أو أدبية، فاستحقوا التقدير والإجلال، ونذكر من بينهم الأديب الكبير "إبراهيم أصلان" صاحب رواية "مالك الحزين"، والتي كانت النبتة الأولى لفيلم "الكيت كات"، وألقى الضوء على حياته وموهبته الفذة، فكيف تحول من ساعي بريد إلى روائي وقاص كبير، فكان يكتب بروح الهاو وأسلوب المحترف، واستطاع أن يعبر بصدق شديد عن مجتمعه، فكان واحدا من أفضل من عبروا عن الحياة الشعبية القاهرية ومن أهم أعماله "ورد ليل"، و"عصافير النيل". ومن بين أيضًا الشخصيات الهامة والمؤثرة التي تناولها الكتاب، العراقية "زها حديد" أول معمارية سيدة في التاريخ، وأشهر معمارية عربية في العالم حاليًا، درست حديد العمارة في الجامعة الأمريكية في بيروت ثم عينت معيدة في كلية العمارة بلندن، من أهم المشروعات التي صممتها ميناء مدينة "باليرمو" بإيطاليا، و"المسجد الكبير" في مدينة ستراسبورج الفرنسية، كما أنها صممت "برج النيل" في القاهرة والذي لم ينفذ إلى الآن، وفازت حديد بجائزة "بريتزكر" وهي واحدة من أكبر جائزتين معماريتين في العالم. وفي القسم الثالث من الكتاب "تجوال"، أشار الكاتب إلى أحداث هامة مرَّ بها في حياته من بينها ثورة يوليو وإدراكه لها في طفولته، فكان أول عهده بها هو التحاقه بمدرسة "التحرير" الابتدائية والتي سميت نسبة إلى "هيئة التحرير"، والتي شكلت في الذكرى الثانية لقيام الثورة، وطرح سؤالًا هامًا كان يدور بمخيلته كثيرًا وهو هل المريلة المدرسية بلونها الأصفر والتي كانت زيًا موحدًا في ذلك الوقت تشير إلى المساواة بين الأغنياء والفقراء؟ الذي كان شعارًا لازمًا للثورة، ويقول أيضًا أن من بين علاقة طفولته بالثورة وجود مساحة شاسعة من الأرض الزراعية تقع بين ميدان القلعة ومحطة القطار كانت المياه تغمر الأرض في وقت معين من السنة ثم فجأة توقفت المياه عن غمر الأراضي وذلك بعد إقامة السد العالي. وخلال القسم الرابع من الكتاب "قصتان"، يتناول غريب قصتان قصيرتان الأولى بعنوان قصة قصيرة جدًا والثانية حرب الفئران، وإذا تحدثنا عن حرب الفئران فكما ذكر سمير غريب في المقدمة أنه استوحاها من حادثة غريبة وقعت في إحدى القرى في الثمانينيات عندما غزت الفئران القرية حتى أكلت وجه أحد الأطفال.