ينضج الفيلسوف بعد وقت طويل، يصيغ نظرته للحياة، ثم يقدمها فى منهج دقيق يسمح المنهج بالنقاش حوله طارحا أفكارًا تكون قاطرة للتغيير.. يمتد التغيير إلى جميع العلوم والمعارف ويصل حتى إلى الموضة فالطرح الفلسفى الجديد كما التسونامى يزيح من أمامه ركام الأفكار القديمة.. لا يحدث التسونامى الفلسفى يوميا أو حتى سنويا، إنه عمل يستغرق وقتا طويلا حتى يصل إلى العلن ونستوعبه ثم يؤثر فينا. تمدنا شبكة المعلومات وتطبيقات الموبايل بطرح فلسفى جديد لا يستغرق كل هذا الوقت.. تكفى دقائق قليلة فى التعامل مع الموقع أو التطبيق فنحصل على وجبة فلسفية سريعة تريح المتلقى من بطء الفلاسفة وتحديقهم فى اللانهائى. نضغط بسهولة ويسر على الموبايل فنعثر على وجبتنا باسم.. ابن رشد، ابن عربى، الكندى. إذا أردت البحث عن المستورد ستجد سارتر، نيتشه، راسل وغيرهم. تتجاور حكم الفيلسوف ووصفات الطبخ فى نفس الموقع الإلكترونى أو التطبيق.. يقدم التجاور خدمتين: غذاء العقل والبدن. تتيح مواقع الشبكة والتطبيقات والسوشيال ميديا خدمة الدليفرى لتريحك حتى من عناء الضغط على الأزرار، تتدافع مكونات وجبة الفلسفة المطبوخة كل صباح إلى صفحتك على الفيس بوك أو موبايالك. مكونات الوجبة.. حكمة، مروية دينية، موعظة، مقولة.. متبلة ببهارات السجع وبسيط الكلام لتسرع فى التهامها دون تفكير. سعدت عندما وجدت ابن رشد يتصدر تطبيقًا فى «الجوجل بلاى» تنامت السعادة لأن مقولاته تحتل مساحة ليست قليلة فى موقع إلكترونى ونتجاوز عن تجاور مقولات الفيلسوف العظيم مع طريقة عمل البطاطس على الموقع. شكرت الحداثة وما بعد الحداثة والتكنولوجيا - والشبكة طبعا - على إتاحة الفرصة للجميع فى يسر الاطلاع على ابن رشد. ندقق قليلا نجد ابن رشد أو أى فيلسوف آخر.. ما هو إلا كلمات مطبوخة فى مطبخ يديره شيف غامض وما هو مقدم لا يمت بصلة لابن رشد الفيلسوف أو فلسفته. يبدو الأمر مسليا وجبة من الحكم والمواعظ والمرويات لن تضر أحدًا المرسل أو المستقبل.. حتى لو كانت على حساب الفلسفة. يتناول المواطن الرقمى - مصطلح المقصود منه الأجيال التى ولدت بعد ظهور شبكة المعلومات على نطاق عام فى بداية التسعينيات من القرن الماضى - وجبته من الفلسفة سريعة التجهيز كل يوم عبر تطبيق الموبايل أو وسائل السوشيال ميديا. لا يدقق المواطن الرقمى فيما يتناوله، يلتهمه سريعا ظنا منه أنها وجبة مغذية لعقله وغير مكلفة وتريحه من هم البحث المعرفى. يشعر المواطن الرقمى لطبيعة شريحته العمرية بمتعة أكبر وهو يتذوق الوجبة لقد تحرر من سلطة المعلم وجدران المدرسة والفصل. يتحول المواطن الرقمى إلى معلم لنفسه ولغيره بإرسال هذه الوجبات اللذيذة إلى الأصدقاء فيصبحون جميعا فلاسفة صغارًا دون عناء. يتزايد الطلب من الشعوب الرقمية على هذه الوجبات ويصل معدل استهلاكها لدرجة الإدمان، كما أدمنوا من قبل الوسيلة نفسها، الشبكة المعلوماتية بكل تجلياتها من السوشيال ميديا إلى التطبيقات. تتنوع قائمة الوجبة حتى لا يمل المتلقى فلا تقتصر على الفلاسفة فقط تعطيك مقولات زعماء سياسيين ومصلحين ولا تنس غذاء الروح فتقدم ملايين من المواعظ الدينية لتشبع الوجبة عقل وروح المواطن الرقمى. بالتأكيد كل أسماء الفلاسفة والسياسيين والمصلحين والفقهاء أسماء تاريخية انتهت حياتهم بالموت فى الواقع ولكنها بقدرة الشبكة والشيف الغامض تلقى يوميا الحكم والمواعظ على منبر الواقع الافتراضى. يقفز سؤال بديهى: لماذا يبذل الشيف الغامض كل هذا المجهود فى تقديم ملايين الوجبات إلى الشعوب الرقمية يوميا؟ الإجابة تبدو سهلة للوهلة الأولى أنها قوانين الواقع الافتراضى مجانية المعرفة على الشبكة تتيح مجانية الوجبة. قبل البحث عن إجابات أخرى تروى لنا د. سوزان جرينفيلد المتخصصة فى علم النفس التجريبى حكاية فى كتابها (تغير العقل) ترجمة د. إيهاب عبدالرحيم: «فى أبريل 2010 أجرت معى أليس طومسون من يو كى تايمز مقابلة عن تأثير التكنولوجيا الرقمية فى الكيفية التى نشعر ونفكر بها وقد تدرجنا فى الحديث حتى وصلنا إلى مناقشة كيف أن التكنولوجيا السريعة الوتيرة قد تفرض وجهات نظر وردود فعل سريعة على نحو متناسب. وفى محاولة لتزويدها بملخص واف، طرحت احتمال اختزال البشر إلى ردود فعل غريزية بسيطة سلبية أو إيجابية مثل (يك) أو (واو) - الأول بمعنى سيئ والثانى بمعنى رائع - لما يومض على الشاشة ولأننى أميل للحديث بسرعة أخطأت أليس فى سماعى وكتبت ما قلته على أنه (ايكا - واو) قد يكون هذا مسليا بما يكفى فى حد ذاته. لكن المغزى هو أنه بعد مرور أربع وعشرين ساعة فقط كان بوسع المرء أن يجد خمسًا وسبعين ألف نتيجة للبحث عن هذا المصطلح على موقع جوجل. وعلاوة على ذلك أقدم شخص ما على شراء اسم الموقع وسرعان ما أذهلتنى رؤية أكواب وقمصان عليها مصطلح (ياكا واو) وعلى أحد المواقع كانت الكنيسة الأولى (للياكا واو) ترحب بالشعب المرح فى عالم من دون عواقب، انتشر المصطلح كالنار فى الهشيم ضمن إطار زمنى لم يكن متخيلا قبل عقد واحد من الزمن». انتهت حكاية د. سوزان، تبدو الحكاية طريفة.. خطأ فى مقابلة صحفية يتحول إلى واقع مؤثر فى عقول ووجدان الشعوب الرقمية لدرجة ظهور معتقد جديد. بقليل من التفكير تنتفى الطرافة عن حكاية د. سوزان وتعيدنا لسؤالنا الأول: لماذا يقدم الشيف الغامض الوجبات المجانية؟ إنه التأثير ثم التحكم فى عقل المواطن الرقمى المستسلم لسحر الشاشات الملونة. تتدفق هذه الوجبات المسمومة من المقولات والحكم ذات الصبغة الدينية والمعرفية المزيفة على عقل المواطن الرقمى فتصنع أمامه عالمًا مثاليًا لا يمكن تحقيقه فى الواقع الذى يعيشه. بمرور الوقت تزداد الهوة بين المجتمع المثالى الذى تصنعه المقولة الدينية أو المعرفية المزيفة والواقع الحقيقى الذى يعيشه المواطن الرقمى يوميا فيبدأ فى الغضب لأنه لا يستطيع نقل المثالى إلى واقعه المعاش. نقدم عينة من الوجبات المسمومة للشيف الغامض يطرح على المواطنين الرقميين قيمة إنسانية لا خلاف عليها وهى العدل، لكنه يقدمها على طبق وهم الخلافة المفقودة يضيف إليها الكثير من المشهيات المسمومة كوجبته مقولات مزيفة لفلاسفة ومصلحين ومرويات دينية غير حقيقية تم طبخها على نار هادئة، تلتهم عين المواطن الرقمى وجبة الخلافة المفقودة فى سعادة واستسلام. تحمل الوجبة اللذيذة سابقا المسمومة فى تأثيرها داخلها فيروسًا يصيب شخصية المواطن الرقمى، تحول شخصيته إلى مسخ راديكالى متشدد. تتشكل ملامح المسخ فى عدم اليقين بالواقع الحقيقى، يتصور غياب العدالة، ينتابه شعور بالقطيعة الاجتماعية، يتخيل وجود خطر محدق بمجتمعه الواقعى نتيجة فساده مقارنة بالواقع المثالى الذى بنته المقولة الدينية أو المعرفية المزيفة. يقرر المواطن الرقمى ترك الشاشة الملونة والتحرك لفرض المثالية المزيفة المقتنع بها على مجتمعه الفاسد - كما أظهرته الوجبة المسمومة - مستخدما العنف لتطهيره وإنقاذه من مصيره. هذا التحرك العنيف من المواطن الرقمى يطلق عليه فى علم السياسة الإرهاب قد يكون إرهابا باسم الدين لتطبيق وهم الخلافة وإقامة الدولة الرشيدة أو تخريبًا وتدميرًا باسم الثورة بحثا عن عدالة اجتماعية يلزم تطبيقها خبرات فى علوم الاقتصاد والتنمية لا يعرف المواطن الرقمى عنها شيئا. عند لحظة تحرك المواطن الرقمى نسمع ضحكات الشيف الغامض فى مطبخه وهو يعدّ مزيدًا من الوجبات المسمومة مكونة من مقولات الفلاسفة المساكين التى لا يعرفون عنها شيئا ومرويات دينية لم تروَ فى أى كتاب. هل نترك الشيف القاتل يضحك ويطهو وجباته المسمومة والمواطن الرقمى يتناولها فى سعادة واستسلام ثم يتحرك مدمرا مجتمعه؟ الإجابة «بلا» تحتاج إلى بحث آخر. •