الأمم العظيمة سواء في حضاراتها أو في ثقافاتها أو في اقتصادها أو في قوتها العسكرية أو السياسة الخارجية، تعتمد أساسا علي عقول أبنائها وسواعدها، وكلما قويت سواعد أبناء الوطن، وتطورت عقولهم، وكلما تلاحمت عناصر الأمة في تركيبة نسجية اجتماعية تجعل من قوتها وصلابتها، درعاً لا يقوي أحد علي اختراقها أو الاعتداء عليها. ونحن في مصر علي طول تاريخنا القديم والمعاصر حمل أبناء هذا الوطن من المهندسين والمثقفين والفنانين وكذلك رجال قواتنا المسلحة ورجال الأمن في جهاز الشرطة المصرية،كل هؤلاء حملوا لواء تقدمنا بين الأمم، وزعامتنا لأمتنا العربية (دون أي طرف عين)، فمصر هي الأمة ومصر هي المحور وهي المنبر وهي المحراب وهي في العصر القديم (قدس الأقداس) ليس ذلك شعراً ولا ميلاً للنرجسية والعنصرية الوطنية، ولكنها الحقيقة مجردة، كل ذلك ناتج أبناء هذا الوطن الجميل، فالحب كان هو الرابط الوحيد بين أبناء الطوائف وكان لكل طائفة شيخ أو (شهبندر)، وهو من يعود إليه عند الشكوي أحد أهل الطائفة أو العكس، وظل هذا السياق في المجتمع حتي عصر غير بعيد حينما سيطر علي (الحواري) والأحياء بعض الأقوياء (بدنيا) وممن لهم سلطة السطوة وهم (البلطجية) وكانت بدايات لدفع (الدية) للحماية، وتلك الظواهر كانت مؤشراً لضعف الدولة (كإدارة)، وأيضا حينما يخيب أهل الطوائف ولا يتفرقون ولا يجتمعون علي كلمة رجل واحد، مثل شيخ البلد أو شهبندر التجار أو حكيم الطائفة. ولعله مع تقدم وسائل الحياة وتعدد أساليب ونظم الحكم والإدارة والتوسع في الأنشطة واتساع جغرافية البلاد، وزيادة تعداد السكان وتنوع المهن واختلاف المشارب والمصالح وتعارضها في بعض الأحيان، حل مكان تلك النظم القديمة ما يسمي جمعيات أو اتحادات ونقابات ومكونات مدنية وشعبية ومهنية، إلا أن تعطل بعض هذه الأدوات عن العمل وسيطرة ايديولوجيات سياسية ودينية وعرفية علي بعض تلك التجمعات النافعة القصد من إنشائها، أبعدها عن أهدافها فتعطلت فيها الحياة، وعاني أعضاوها الطيبون من آثار سلبية نتيجة تصلب وتجلط شرايين هذه المؤسسات. كما أننا أمام ظاهرة خطيرة وهي تصدع بعض المهن بسبب سوء سلوكيات بعض من أبنائها فنجد الهندسة مثل الطب مثل الصيدلة، مهن كثيرة أصبحت في مهب الريح، رغم سيادتنا للعالم كله في هذه التخصصات، ولعل الوهن الذي يصيب مهنة أصحاب الرأي والكتابة والإعلام والثقافة في بلادنا وهذه المهنة هي (هيكل عظمي الأمة)، ينخر فيها الفساد، والوهن من أشكال مختلفة، سباب واتهامات وتهكم البعض علي الآخر، فالمجتمع يشبه لي بإصابته بهبوط في الدورة الدموية فهل هناك أمل في أن نعود إلي ما اتصفنا به من حكمة وعقل أم هناك دعوة لعودة الروح من «توفيق الحكيم» و«عباس العقاد»، و«طه حسين»، و«المازني»، و«أحمد بهاء الدين»، و«إحسان عبدالقدوس» و«يوسف إدريس» و«مأمون الشناوي» و«التابعي» و«مصطفي أمين» وأديبنا العظيم «نجيب محفوظ». رحم الله أساتذة الرأي والأدب ورحم الله المصريين من أفعال بعض أبنائها.