ما بين العلم الذي رفعه الملايين من المصريين ابتهاجاً بفوز الفريق القومي بكأس افريقيا ليضيف انجازاً جديداً للمصريين، وعجيبة أخري لانجازاتها وهي انها البلد الوحيد عالمياً الذي فاز بثلاث جوائز متتالية في دنيا كرة القدم - اللعبة الشعبية الأولي عالمياً وليس محلياً فقط. وبين "القلم الذهب" الذي أهداه محمود سعد إلي العالم المصري الكبير د. أحمد زويل باعتباره هو أيضا "عجيبة مصر" الوحيدة الفائز بجائزة نوبل في العلوم. كان ذلك أهم أحداث الأسبوع الماضي لذلك وبدون إرادة مني وجدتني اربط بين الحدثين رغم التباين الكبير بينهما ولكن هذا لا يمنع ان يكون هناك بعض أوجه التشابه رغم ايماني ان كرة القدم - لعبة في النهاية- ونوبل هو أعظم جائزة علمية في العالم وانجازاتها تعود علي البشرية كلها وليس علي شعب واحد فقط، فقد شدني في الحدثين هو الحديث بلغة "الجمع" أي فريق العمل فشحاتة لم ينسب الفضل لنفسه بمفرده في الانجاز الرائع أو إلي لاعب بمفرده وانما إلي الأداء الجماعي، ايضا دائماً ما يتحدث د. زويل عن فريق العمل المساعد له وأهمية العمل الجماعي داخل المعمل وانه لا بحث علمياً حقيقياً بدون عمل جماعي متكامل. النقطة الثانية هي امكانية التحقيق والفوز أي فعل الاستطاعة ولكن لماذا استطاع حسن شحاتة من خلال أدائه وفكره وبواسطة لاعبيه ان يحقق انجازاً تاريخياً ولماذا حقق د. زويل انجازه التاريخي خارج الوطن ولم يكتمل مشروعه العلمي داخل الوطن، خاصة وانه في كلتا الحالتين توفر فعل الرؤية والتخطيط وأحياناً الامكانيات ولكن هل توفرت الارادة الجماعية، اعتقد ان هذا هو السبب الحقيقي في تعثر مشروع د. زويل في مصر وفي تعثر التقدم في النهضة العلمية رغم اننا جميعاً نقر بتوفر الادوات والقاعدة البشرية ولكننا نفتقد الرؤي وآليات العمل وفق أولويات محددة. وهذا هو الفارق بين اللعبة وهنا هي كرة القدم وبين العلم والبحث العلمي فرغم ان كليهما يحتاج إلي مهارات وتحتاج إلي وقت ومجهود حتي تؤتي ثمارها واحياناً كثيرة تحتاج إلي أصرار والأهم هو الانضباط ولذلك حينما توفرت هذه العوامل مع الرؤي تحقق الهدف ولكن عندما افتقدنا الارادة الجماعية وسيطرت الفردية في وضع مشروع د. زويل موضع التنفيذ، فشل الحلم أو الانجاز أو بعبارة اكثر دقة تأجل لوقت آخر وزمان آخر. والغريب في الأمر اننا سمحنا لشحاتة رغم انه لم يكن صاحب جوائز عالمية سابقة بأن يجرب ويطبق مشروعه، ولم نعط نفس الفرصة للدكتور زويل ومشروعه رغم انه قدمه بعد حصوله علي جائزة نوبل، بل اننا هاجمنا المشروع بل وصل الأمر إلي شخصنة القضية نفسها أي رفض المشروع برمته لسبب ان د. زويل هو من تقدم به ووضع العراقيل لانشائه أو حتي الحديث عنه ونسي الجميع ان المشروع سيبقي لأجيال قادمة حتي بعد اختفاء د. زويل نفسه (بعد عمر طويل). وما يزيد من غرابة ما يحدث وشخصنة القضية، ان نفس الشروط ماتحدث عنه د. زويل عن ضرورة تواجدها حتي ينجح المشروع تمت بعد ذلك ولكن بمسميات أخري، مرة تحت اسم جامعة النيل ومرة تحت اسم الجامعة اليابانية، التي لم تصدر إلا من خلال اتفاقية خاصة بين مصر واليابان ولها لوائحها الخاصة بها البعيدة تماماً عن اللوائح الجامعية والوزارية التي تنظم أوضاع البحث العلمي في مصر- أي ان اللوائح تغيرت والقوانين ايضا، الم يقل هذا د. زويل منذ البداية وحتي الآن، وهي ان أي مشروع بحثي لكي يساهم بشكل حقيقي في الإنتاج والتواجد، لابد من ان يكون لها لوائح خاصه بها، لماذا رفضنا هنا ووافقنا هناك اليست شخصنة القضية هي السبب؟ أم ان هناك اسباباً أخري لا نعلمها. إن الوقت يمر وانشاء مراكز للتميز العلمي لم تصبح رفاهية، كما ادعي البعض في وقت مضي فها هي الهند تخطو خطوات عظيمة نحو التقدم العلمي بفضل مراكز التميز بها رغم كل ما يقال عن اوضاع الهند وانتشار الفقر بها والآن نري تركيا أيضاً في الطريق وقبلها ماليزيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة، اذن فنحن لن نعيد اختراع العجلة مرة أخري، فقد تم اختراعها من قبل ولكن هل مازال لدينا الوقت لتحقيق هذا الهدف؟ بشيء من التفاؤل أقول نعم رغم جميع الصعوبات والعراقيل التي مازالت موجودة ورغم شخصنة القضية التي مازالت موجودة، فقط علينا ان نلح عليها باستمرار وان نضعها في الذهن بحيث لاتموت. ولأن حديث د. زويل لم يكن فقط في العلم وتطوره وما وصل إليه وكيف ان عقل الإنسان أهله يفكر في أشياء كثيرة جدا، فإن هناك أيضا جانباً المفكر في حديث د. زويل والذي أطل علينا بوضوح من خلال كلماته الواضحة "رغم معطيات الزملاء الإعلاميين" من أنه لا نهضة علمية بدون تعليم حقيقي ولا إبداع بدون وضع اسس للتفكير، فالعصر القادم بل والحالي أيضا ليس عصر حفظ المعلومات فهذا يمكن ان توفره أدوات التكنولوجيا الحديثة من كمبيوتر وانترنت وانما التعليم والإبداع يكون في كيفية توظيف هذه المعلومات واستثمارها في ابداع علمي حقيقي ولهذا لن تحدث نقلة نوعية ما لم يحدث تغيير جذري في مناهج التعليم وطرق تدريسها فالقضية كما قال عنها د. زويل ليست في اكتب ما تعرفه عن؟ ولكن في كيفية تطبيق ما تعرفه عنه وقياسه في وقت محدد وباسئلة مباشرة وواضحة تصيب الهدف والمرمي. قد نخفق مرة أو مرات ولكن في النهاية سوف نصل إلي الهدف تماماً كما حدث مع د. زويل وكما قال لنفسه فحياته لم تكن نجاحات متواصلة ولكن العبقري هو من يتعلم من الاخفاق ولا يحيد عن الهدف وهنا هو عمل انجاز في الحياة. بقي لي سؤال دائماً يخطر علي ذهني لماذا لا يخصص د. زويل جائزة للطلاب والشباب في العلم ولتكن في كتابة فكرة أو حتي بحث علمي صغير- وان يسند مهمة تحكيمها لأي هيئة علمية في مصر، تماماً مثلما خصص جائزة باسمه في الموسيقي وتقوم الاوبرا علي تنفيذها سنويا، فقط مجرد سؤال وإقتراح فمشوار الألف ميل يبدأ بفكرة؟