من بين نقاط الضوء الكثيرة فى مصر، مستشفى الناس الخيرى. قبل أيام زرت المستشفى برفقة المهندس إبراهيم المعلم وبدعوة كريمة من أيمن ممدوح عباس رئيس مجلس أمناء المستشفى. زرت هذا المستشفى فى أواخر فبراير 2023، وكتبت مقالا فى هذا المكان، بعنوان «طاقة نور فى مستشفى الناس»، وقبلها تجولت فى المستشفى خلال زيارة لأحد المرضى. وفى الزيارتين أدركت أننا أمام صرح طبى كبير جدا. العلاج مجانا بالكامل، ويعتمد فقط على تبرعات أهل الخير. والقاعدة الأولى التى يقول أيمن عباس إنها سبب النجاح هى «إخلاص النية مع ربنا ثم زرع ثقافة العمل والانضباط والاحتراف وأنه لا فرق عمليا بين أكبر وأعظم طبيب، وأصغر عامل نظافة، فالجميع يعمل فى منظومة واحدة. خلال الجول اطلعنا على سير العمل فى كل الأقسام، ولفت نظرى إصرار أيمن عباس على أن نشاهد آلية عمل قسم النظافة من أول زى العمال نهاية بأدوات النظافة، ومدير النظافة يجلس كتفا بكتف مع المدير الطبى فى الاجتماعات. النقطة الثانية أن المستشفى يوفر للعاملين أجورا ومرتبات جيدة جدا حتى يتفرغوا للعمل بالمستشفى بنسبة مائة بالمائة، والطبيب يحصل على أجره كاملا سواء أجرى عملية واحدة أو مائة عملية، وبالتالى لا توجد خناقة على مريض، أو إغراؤه بالذهاب لعيادة الطبيب الخاصة، أو سهر الطبيب حتى الصباح فى العيادة ليحقق الهدف أو «التارجت»، فبعض الجراحين لا ينظر للمريض إلا باعتباره 200 أو 300 أو 400 ألف جنيه حسب الفيزيتا. ويقول عباس إن نظام التفرغ للأطباء كان موجودا فى مصر حتى عقود قليلة مضت، وللأسف لدينا كل شىء من الأجهزة والأطباء والأدوية والتمريض و4500 عام من الخبرة الطبية، لكن نحتاج إلى تكامل هذه العناصر. الطبيب المصرى يعتبر من الأفضل عالميا. فقط يحتاج للمناخ المناسب للإبداع، وهذا هو سر تفوق الأطباء المصريين فى كبرى المستشفيات العالمية، وليس صدفة أنهم رؤساء أقسام فى كبرى المستشفيات الغربية. النقطة الثالثة هى التدريب المستمر، ويخضع له الجميع من دون تفرقة، ويرتبط بذلك عملية البحث العلمى التى يتم تخصيص نسبة معتبرة من الميزانية لها. عباس قال إن هناك نماذج ناجحة كثيرة فى مصر ومنها مستشفى مجدى يعقوب ومركز الكلى بالمنصورة للدكتور محمد غنيم، ومستشفى 57657 لشريف أبو النجا التى حاول البعض كسرها والحمد لله أنهم لم يفلحوا. نقطة مهمة جدا يلفت عباس النظر إليها وهى أن متوسط تكلفة العملية فى مايو كلينيك تبلغ 150 ألف دولار، ونفس العملية تتكلف عندنا 3 آلاف دولار، وبالتالى يمكن تشجيع السياحة العلاجية خصوصا فى زراعة الكبد التى تتكلف فى الصين 200 ألف دولار، ويتم إجراؤها عندنا بتكلفة 12 ألف دولار فقط. نحتاج إلى تعديلات تشريعية فى هذا الصدد، أما ميزانية المستشفى فتبلغ نحو 1٫7 مليار جنيه، وهى تساوى تكلفة علاج ألف مريض مصرى خارج البلاد!!!. السؤال: ما الذى يضمن أن تستمر مستشفى الناس بهذا الانضباط الشامل؟! الإجابة على لسان أيمن عباس هى أنه تم زرع ثقافة الالتزام والمهنية والاحترافية فى كل العاملين. لكن ما هو التحدى؟ الإجابة أن أى منظومة غلط فى أى مكان ستكون ضد هذا النموذج الناجح. المستشفى هو الأكبر فى الشرق الأوسط بطاقة استيعابية 600 سرير، يعمل منها الآن بالفعل 300 سرير، وتم إجراء نحو 12 ألف عملية قلب مفتوح وقسطرة، ونحو 4000 آلاف عملية لجراحات الجهاز الهضمى والمناظير، وبلغ إجمالى الخدمات الطبية المقدمة للمترددين 1.2 مليون خدمة مجانا، وتقدم المستشفى خمسة آلاف وجبة موحدة للجميع لا فرق بين المدير وعامل النظافة. بعد الزيارة قال المهندس إبراهيم المعلم إنه كان يسمع مدحا كثيرا عن المستشفى، لكن بعدما رأى بعينيه، فقد أدرك أن الصورة أفضل بكثير مما سمعه. ولو جاز لى أن أنصح، فإن أفضل زكاة أو صدقة لا بد من توجيهها لمستشفى الناس وكل مستشفى أو مؤسسة تعمل بنفس الروح والانضباط والنجاح، يكفى أنها مجانية ولا تهدف للربح. الدرس المهم الذى خرجت به من الزيارة هو أن المؤسسات العامة والخاصة فى مصر لو تمكنت من تطبيق نظام الإدارة وأسلوب العمل فى هذا المستشفى، فسنتخلص من جزء كبير من ثقافة العمل الخاطئة والمتردية التى تعانى منها معظم مؤسساتها. الإدارة الجيدة المحترفة يمكنها أن تحقق أعلى معدلات النجاح والتفوق على مثيلاتها فى أكثر البلدان تقدما.