بعد أن أن سكتت المدافع نسبيا ومرحليا إثر إعلان إسرائيل وقفا لإطلاق النار من جانب واحد بدأ سريانه في الثانية من صباح يوم 18 من الشهر الماضي مع استمرار انتشار قواتها في غزة وحولها، ثم إعلان حماس وبقية فصائل المقاومة الفلسطينية ، عدا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بعدها بساعات وقفها هي الأخري لإطلاق النار، ممهلة إسرائيل أسبوعا لسحب قواتها من غزة، أطلت برأسها علامات الاستفهام حول المنتصر والمهزوم في العدوان الإسرائيلي علي القطاع وما إذا كان هذا الوقف للنار، والذي وصفه أولمرت بال"هش" سيحقق التهدئة المطلوبة لأطول مدي ممكن. ويمكن الادعاء بأن حرب كسر الإرادة 3 علي غزة، التي استمرت 22 يوما وأسفرت عن استشهاد نحو 1300 فلسطيني، وإصابة حوالي 5400 آخرين، نصفهم من النساء والأطفال فضلا عن 118 مسنا و14 رجل إسعاف، بينما اعترفت إسرائيل بمقتل عشرة من جنودها وإصابة العشرات، بجانب قتل ثلاثة مدنيين بصواريخ حماس، لم تخلف منتصرا أو مهزوما بكل ما تحمله تلك الكلمات من دلائل ومعان ، فثمة مكاسب أو مغانم غنمها كل طرف وثمة خسائر تكبدها كل منهم ، غير أن تقويم الموقف يظل مرتهنا بتقدير حجم مكاسب كل طرف قياسا إلي خسائره وأهدافه المعلنة قبل العدوان. فإسرائيل من جانبها قد حققت نجاحات عسكرية تكتيكية مهمة من عدوانها لكنها لم تدرك نصرا عسكريا كاملا، وإن كانت مكاسبها السياسية تفوق بكثير ما حققته من إنجازات علي الصعيد العسكري. فمن مظاهر الانتصار العسكري لإسرائيل بعد تلافيها تكرار الأخطاء التي وقعت فيها إبان حربها ضد حزب الله اللبناني عام 2006 ، أنها ألحقت بالقدرات العسكرية لحماس خسائر فادحة أضعفت من ادعائها أنها قائد المقاومة والمدافع عن الشعب الفلسطيني، كما أن تدمير الأنفاق التي تربط بين مصر وقطاع غزة سيقلل من سيطرة حماس وقدرتها علي الحفاظ علي تدفق السلع والخدمات الأساسية، بما في ذلك الأسلحة والذخيرة، كذلك ، أجبرت إسرائيل الحركة علي تقليل عدد الصواريخ التي أطلقت علي جنوب إسرائيل، واضطرتها إلي سحب منصات تلك الصواريخ داخل القطاع؛ ما قلل من المساحة المهددة داخل إسرائيل، بعد أن أصابت القوات الجوية الإسرائيلية 16 منصة لإطلاق الصواريخ، بما فيها فرق الإطلاق والقاذفات ومواقع الإطلاق، في الفترة من 10-12 يناير، وكذلك نجاح القوات البرية الإسرائيلية في احتلال بعض الأماكن التي كان يطلق منها الصواريخ عادة. وإذا كانت إسرائيل لم تقض تماما علي حركة حماس ، فإن ذلك كان متعمدا لأن هدف إسرائيل لم يكن القضاء كلية عليها لتقوم بتوظيفها سياسيا كما أن ذلك يعني انضمام غزة إلي سلطة الضفة الغربيةالمحتلة مجددا فيما يشبه نواة لقيام دولة فلسطينية مستقلة، بينما ترغب إسرائيل في البقاء علي انقسام الفلسطينيين بين جبهتين. ولقد نجحت إسرائيل في القضاء علي بعض قادة حماس، الذين شنوا انقلابا في غزة عام 2007 قتل فيه 151 فلسطينيا، خاصة من كتائب عز الدين القسام، مثل نزار ريان القائد الرفيع في حماس، وأبو زكريا الجمال، القائد العسكري الرفيع في حماس، وأمير منسي، قائد عسكري رفيع في قوات حماس الخاصة بإطلاق الصواريخ"، فضلا عن اغتيال وزير داخلية حماس سعيد صيام، فمقتل هؤلاء القادة ذوي الخبرة يؤدي إلي تقليل فاعلية القوات الفلسطينية، ويقلل أيضا من قدرتهم علي التحرك بطريقة منظمة أو متناسقة، ويرسل رسالة إلي القادة الآخرين بأنهم أيضا ليسوا في مأمن، وهو ما قد يؤدي استهداف القيادات إلي ظهور الشقاق داخل الحركة بين القادة المشتركين في القتال، وهؤلاء الذين يتهربون منه. كذلك، نجحت إسرائيل إلي حد كبير في استهداف وتقويض الدعم اللوجستي الآتي لحماس عبر تدمير الهياكل المادية الأساسية التي تدعم قادتها ، فالمكاتب والمنشآت الحكومية تم مهاجمتها بقوة، ومرافق إنتاج وتطوير الصواريخ تم ضربها، وفيها مرافق بحث وتطوير الصواريخ في الجامعة الإسلامية في غزة، كما هاجمت إسرائيل قناة الأقصي التابعة لحماس، مستفيدة من عملاء إسرائيل في غزة الذين قاموا بتسليمها أماكن منازل ومخابئ قادة الحركة، في الوقت الذي لن تتورط إسرائيل في غزة، ولم تنجر حتي النهاية في هذه الحرب التي حققت الأهداف المرجوة منها في التوقيت المناسب علي الصعيد السياسي الداخلي، فلقد تجلت مغانم إسرائيل في أن نتائج الحرب علي غزة صبت في مجري تعزيز الموقف الإنتخابي لترويكا تدبير وقيادة تلك الحرب والمكونة من ليفني وباراك وأولمرت، حيث أجمعت الآراء الإسرائيلية علي أن الحرب حققت نصرا حزبيا وانتخابيا كبيرا للغاية لمن اتخذوا القرار بشنها. فقد رأت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن النصر في المعركة سيستغل كورقة مؤثرة في الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها في العاشر من الشهر المقبل من جانب الأحزاب المتنافسة علي رئاسة الحكومة القادمة، أي أحزاب الليكود وكاديما والعمل. وأوضحت أن "باراك سيؤكد علي الإنجازات العسكرية، وليفني ستبرز حقيقة أنها هي التي اقترحت وقف إطلاق النار، إضافة إلي الوثيقة التي وقعتها مع نظيرتها الأمريكية كوندوليزا رايس لوقف تهريب السلاح إلي غزة.