الديمقراطية هي أفضل نظام للحكم عرفته البشرية طوال تاريخها، فرغم مشكلاتها العديدة، إلا أن مميزات الحكم الديمقراطي تفوق بكثير مشكلاته. هذا هو الرأي الذي وصلت إليه البشرية بعد أن اختبرت أشكالا مختلفة من نظم الحكم ادعت القدرة علي معالجة مشكلات الديمقراطية دون أن تفقد مميزاتها. فبعد تجارب مكلفة تبين أن النظام الديمقراطي أقدر علي معالجة مشكلات توزيع الثروة وتحقيق الاستقرار من نظم وضعت هذه الأهداف علي رأس أولوياتها. مزايا الديمقراطية والتطلع لإعادة صياغة نظامنا السياسي وفقا لقواعدها لا تخفي أن البشرية لم تصل إلي الديمقراطية إلا بعد قرون طويلة من تأسيس السلطة السياسية والدولة. فبينما ظهرت الدولة في التاريخ منذ حوالي خمسة آلاف عام، فإن الديمقراطية لم تظهر كنظام للحكم إلا في القرون الثلاثة الأخيرة، باستثناء خبرة اليونان القديم التي لم تدم طويلا. لم يكن تأخر ظهور الديمقراطية نتيجة لعيب أو نقص في البشر أو في المجتمعات التي وجدت قبل ذلك، ولكنه كان نتيجة لعدم توافر شروط قيام نظم حكم ديمقراطية. فالديمقراطية، كأي نظام سياسي أو اجتماعي، تحتاج لتوافر عدد من الشروط المسبقة التي بدونها لا يصبح قيامها واستمرارها بفعالية ممكنا. وقد بدأ توافر شروط قيام الحكم الديمقراطية في بعض بلاد الركن الشمالي الغربي من العالم، في أوربا وأمريكا الشمالية، وتدريجيا لحقت بها مجتمعات أخري في أوربا وخارجها. وبين أول ظهور للديمقراطية قبل ثلاثة قرون، والموجة الأخيرة من التحولات الديمقراطية التي صاحبت انتهاء الحرب الباردة، كانت المجتمعات تنجح في الأخذ بالديمقراطية كلما امتلكت قدر كاف من شروطها. ومن المفهوم والطبيعي ألا يكون تقدم المجتمعات علي طريق امتلاك شروط الديمقراطية متساويا أو متزامنا، فبعض المجتمعات تكتسب شروط التحول الديمقراطي قبل أو أسرع من بعضها الآخر، وليس في تأخر بعض المجتمعات في امتلاك شروط الديمقراطية عيبا أو نقيصة تتعلق بالأفراد أو الشعوب، وإنما الأمر يتعلق بنضج وتوافر شروط مجتمعية لا غني عنها. الإيمان بأفضلية الديمقراطية علي ما عداها من نظم الحكم يبرر السعي لإعادة تأسيس نظامنا السياسي علي أسس ديمقراطية. والخبرات التاريخية التي تؤكد وجود شروط لقيام الحكم الديمقراطي تقدم مرشدا ودليلا لعملية الإصلاح السياسي. وأظن أن بعضا من شروط إقامة نظام ديمقراطي حقيقي غير متوافرة في المجتمع المصري في هذه المرحلة، فرغم أن مصر اقتربت كثيرا من امتلاك نظام سياسي ديمقراطي في العقود السابقة علي عام 1952، إلا أن بعضا من الشروط والخصائص التي ميزت المجتمع المصري في تلك المرحل تعرضت للتآكل والوهن، الأمر الذي يستلزم إعادة إنتاجها، ناهيك عن ترسيخها. فالشروط والخصائص الاجتماعية ليست من الأشياء التي يمكن ادخارها أو اختزانها، ولكنها من الخصائص والسمات التي تحتاج لعملية مستمرة من الصيانة والتعزيز، وأظن أن نظمنا ونخبنا السياسية قد أخفقت في هذا طوال العقود الخمسة المنصرمة، الأمر الذي وصل بالمجتمع المصري إلي حالة تغيب عنها بعض العناصر الأساسية اللازمة لتأسيس نظام ديمقراطي فعال. إذا كان ما تقدم صحيحا، فإن توفير شروط النظام الديمقراطي، وليس بناء الديمقراطية نفسها، يمكن أن يمثل العنوان العريض والهدف الأكثر عمومية لمرحلة الإصلاح السياسي الراهنة في مصر. فالمطلوب في هذه المرحلة هو تأهيل النظام السياسي المصري لكي يصبح قادرا علي الانتقال إلي مرحلة الديمقراطية الكاملة. وربما يصلح هذا العنوان العريض أساسا للجدل الدائر حول الإصلاح الدستوري الجاري. المفارقة والملاحظة الأهم في هذا المجال هي أن تأهيل مصر لتحول ديمقراطي كامل لن يكون ممكنا دون إدخال إصلاحات ذات طابع ديمقراطي علي دستورنا ونظامنا السياسي. أي أن عملية تأهيل النظام السياسي المصري لانتقال ديمقراطي هي في حد ذاتها جزءا من عملية التحول الديمقراطي، وأن القول بالتأهيل الديمقراطي لا يبرر اتخاذ إجراءات معادية للديمقراطية ومتناقضة معا، وإن كانت الإصلاحات المترتبة عليه أقل من أن تنشئ نظاما ديمقراطيا مكتملا. الملاحظات السابقة تنطلق من ضرورة أخذ الحديث عن الإصلاح السياسي والدستوري بالجدية الكافية. فموضوع هذا الحديث هو النظام السياسي الذي نعيش في ظله، والذي يضطلع بمسئوليات كبري أهمها توفير الأمن، الذي يعد المسئولية والأولوية الأولي لأي نظام سياسي، وقيادة المجتمع والدولة وتعبئتهم من أجل الحفاظ علي البقاء في ظروف عالم يتغير بسرعة كبيرة في كل المجالات، كما يضطلع أيضا بمهام تنمية المجتمع في اتجاه الاستجابة لتطلعات المواطنين في حياة كريمة لائقة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا. غير أن عقودا طويلة سادت فيها رؤية معينة للأمن والاستقرار فجعلت منهما مرادفا للجمود، وجرت خلالها مقايضة الأمن بالحرية والاستقرار بقمع التعدد. وقد كان لهذه الرؤية تكلفة باهظة، ففقد المجتمع المصري خلال هذه العقود بعضا من أهم مستلزمات النظام الديمقراطي، من نوع اهتمام المواطنين بالشأن ومشاركتهم فيه، ووجود نخب مدنية قوية قادرة علي توفير قيادة ذات مصداقية تضمن قبول المواطنين الطوعي بقيادتها، ووجود مؤسسات سياسية مستقرة وفعالة قادرة علي تمثيل المصالح الاجتماعية والسياسية، والقيام بدور مجال وقناة التفاوض الاجتماعي والسياسي، للتوصل لحلول وسط تضمن تحقيق الاستقرار دون حاجة للإفراط في اللجوء للقمع الذي يجب أن يظل ملاذا أخيرا لا يتم اللجوء إليه إلا بعد أن تخفق جميع الأساليب والأدوات الأخري في صيانة الاستقرار وتحقيق الأمن. ما سبق هو بعض فقط من الشروط المسبقة لديمقراطية مكتملة، والتي يفتقد إليها المجتمع السياسي في مصر. وبدون توافر هذه الشروط يكون الإقدام علي تحول ديمقراطي سريع منطويا علي بعض من المغامرة. في نفس الوقت فإن قصور التعديلات الدستورية المقترحة عن تمكين الوطن من امتلاك ما يحتاجه من أجل تحول ديمقراطي مكتمل لن يؤدي سوي إلي ضياع مزيد من الوقت والفرص.