لإزالة أي التباس قد يصدم البعض، فإنني أسارع لإعلام القارئ العزيز بأن المقابلة أو المقاربة بين الذي حدث في شارع رمسيس، والذي تزامن ربما صدفة مع الذي دار بالكونجرس الأمريكي، إنما يرتبط بقضايا العولمة وتأثيرها علي الدول النامية.. كيف ذلك؟ إليكم القصة كاملة. شهد يوم خمسة أبريل الحالي بدء فعاليات المؤتمر العلمي الخامس والعشرين للاقتصاديين المصريين، وذلك تحت عنوان "قضايا العولمة وتأثيرها علي الدول النامية" ولمن لا يعلم، فإن الجمعية المصرية (الملكية سابقاً) للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع والتي تقبع في 16 شارع رمسيس، هي الجهة التي تقوم سنوياً بتنظيم ذلك المؤتمر الاقتصادي المهم، ولعل حضراتكم تلاحظون معي عراقة وقيمة هذه الجمعية العلمية المحترمة، والتي تبدو من اسمها السابق وكذلك اسمها الحالي، فهذه الجمعية كانت داذما هي المنبر والإطار العلمي الذي انطوي تحت لوائه أساطين وقمم الاقتصاد والتشريع في مصر علي مر الزمن، الحاليين منهم أو السابقين، أو ما نعتبرهم نحن الآباء المعلمين لنا، أو حتي المعلمين لأساتذتنا أحياناً، ممن أطال الله أعمارهم وبارك لنا فيهم. نعود إلي المؤتمر، ففي جلسته الافتتاحية قام الدكتور أحمد فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب والرئيس الحالي لمجلس إدارة الجمعية (خلفاً للدكتور عاطف صدقي الرئيس السابق لمجلس إداراتها رحمه الله) بإلقاء كلمته الافتتاحية إلي المؤتمر، والتي لم يستطع أن يمنع نفسه فيها، من شن هجوم حاد علي العولمة والتي أدت إلي قيام الأغنياء بإذلال حكومات الدول الفقيرة، ومذكرا دعاة العولمة والمروجين لها بأن الدول الكبري والمتقدمة اقتصادياً، قد اتخذت من تجليات العولمة السياسية، ستاراً لفرض عقوبات اقتصادية علي الدول الفقيرة، إلي الدرجة التي سوغت لها أن تفرض أشكالاً متنوعة لتأديب حكومات الدول الفقيرة، بل وإذلالها كذلك!!. وبعد ذلك بقليل، انعقدت جلسة المؤتمر الأولي برئاسة الدكتور مصطفي السعيد وزير الاقتصاد الأسبق، والأمين العام للمؤتمر، والرئيس الحالي للجنة الاقتصادية بمجلس الشعب حيث قام الدكتور فتحي محمد إبراهيم، وهو باحث وخبير اقتصادي جاد، بعرض ورقته العلمية أمام الحضور في المؤتمر، وكان عنوانها "العولمة: تقلبات الاقتصاد الكلي والنمو الاقتصادي"، والشيء المثير في هذه الدراسة، أنها قامت بطرح العديد من الأسئلة في موضوعها بأكثر مما طرحت من إجابات، وقد أقر الباحث نفسه بذلك في خاتمة ورقته البحثية، كما قام الدكتور محمود عبدالحي (المدير السابق لمعهد التخطيط القومي) بالتعقيب العلمي عليها، وفقا لبرنامج المؤتمر المعد سلفاً، وقد أكد سيادته في تعقيبه علي ذلك الملمح المثير. ووفقاً للأعراف المستقرة لإدارة جلسات المؤتمرات العلمية، قام الدكتور مصطفي السعيد (رئيس الجلسة) بفتح باب الحوار والمناقشة العلمية بين الباحث الذي أعد الدراسة، وجمهور الحاضرين في (الفلور) أو بصالة القاعة التي تنعقد بها جلسات المؤتمر، حيث قام بعض الحضور -وأنا منهم- بطلب السماح لهم بسؤال الباحث أو مناقشته، أو القيام بمداخلة للتعليق علي الدراسة المعروضة. وعندما حان وقت قيامي بالتعليق الذي ارتأيته مناسباً في ذلك الشأن، بدأت تعليقي بتذكير الجالسين علي المنصة والحضور، بأننا نعيش الآن ربما عصر طغيان السياسة علي الاقتصاد، ومن ثم فإن الاقتصادي عندما يحاول دراسة ظاهرة اقتصادية محلية أو دولية الآن (مثل الكثير من الأوراق العلمية التي ضمها برنامج المؤتمر علي مدار يومين كاملين)، ومستخدما أساليب وأدوات البحث العلمي الاقتصادي، فإنه لن يصل عادة إلي إجابات محددة بشأن الدراسة التي يجريها، الأمر الذي يؤدي به -دون أن يدري- إلي عدم القدرة علي التوصل إلي الإجابات التي تستهدفها دراسته وفقاً للمنهج العلمي البحثي. ولكنه يضطر في الحقيقة إلي طرح العديد من الأسئلة الإضافية، التي تتطلب البحث عن إجابات لها في دراسات أخري قادمة وهكذا.. ويترتب علي ذلك الوضع الغريب، عدم قدرة الباحث الاقتصادي عادة علي الإسهام العلمي في معالجة المشكلات أو القضايا الملتبسة التي تتطلب إيجاد الحلول العلمية لها سواء كانت المشكلات الاقتصادية علي المستوي المحلي، أو ذات صلة ما بالكون أو المجال الخارجي أو الدولي.. ثم استطردت قائلاً وداعياً المستمعين إلي مداخلتي، بأن علينا الآن كاقتصاديين ألا تقتصر وسائل البحث أو مناهجه أو أدواته عندنا علي ما هو اقتصادي وفقط، بل إن الذي أتصوره (بشكل شخصي) أن نفتش كذلك الأبعاد أو التفسيرات السياسية للمشكلات الاقتصادية التي نحن بصددها، وبدون ذلك فإنه سيكون من الصعب بل ومن المستحيل أيضاً أن نصل إلي حلول أو معالجات جادة لبحوثنا الاقتصادية خاصة لذلك النوع من الدراسات ذات البعد الخارجي أو الدولي، فظاهرة العولمة ذاتها، ظاهرة سياسية أصلاً، وإن كانت تتضمن داخل إطارها العام ظواهر اقتصادية أو ثقافية. ذلك ببعض ما حدث في الجلسة العلمية الأولي للمؤتمر الذي أشرت إليه، وبينما كان انعقاد مؤتمرنا في الجمعية التي نشرف جميعاً بالانتساب إليها، كأن يدور هناك حديث متصل وليس ببعيد عن الذي تحدثت فيه أثناء تعقيبي السابق. مكان الحديث الآخر "الكونجرس الأمريكي"، وبالتحديد أثناء اجتماع اللجنة الفرعية للاعتماد بمجلس النواب الأمريكي، والمناسبة هي جلسة حوار ساخنة طرفها الأول السيدة كونداليزا رايس" وزيرة الخارجية الأمريكية، أما الطرف الثاني فهم أعضاء اللجنة التي نوهنا عنها منذ قليل، والموضوع المثار هو طلب اعتماد المساعدات الأمريكية لحلفاء الولاياتالمتحدةالأمريكية (ومصر من بينهم بالطبع) وذلك أثناء مناقشة تلك الميزانية لعام 2007. في بداية هذا الاجتماع الموازي تماماً زمنياً لانقعاد مؤتمرنا العلمي، أكدت السيدة "رايس" أن المساعدات لمصر قائمة! ففي معرض ردها علي السيناتور الديمقراطي "ديفيد أوبي" عن ولاية "ويسكونسن" قالت إن طلب الإدارة الأمريكية باعتماد الاقتصادية لمصر مازال قائماً، كما أنه مازال مناسباً، آخذاً في الاعتبار العلاقة العميقة والمتشعبة يبن مصر وأمريكا، وأضافت -وهذا هو المهم- أن مصر قد أنجزت بعض الإصلاحات!. وقد استمرت السيدة "رايس" في دفاعها عن طلب الإدارة باعتماد المساعدات لمصر قائلة: "إننا مقتنعون بأن المساعدة التي رصدناها لمصر، تبقي مناسبة، انطلاقاً من أن علاقتنا بمصر قد اتسعت لتشمل عناصر مختلفة (وهذا هو الأهم) ولمزيد من الاقتراب لتحليلنا الذي ضمه تعقيبنا علي البحث الذي أُلقي في مؤتمرنا ب 16 ش رمسيس بالقاهرة، أضافت الوزيرة الأمريكية قائلة: "نحن نعتقد أن الانتخابات في مصر كانت خطوة إلي الأمام! كما أنها حققت تطوراً للحوار الدائر في مصر بشكل ديمقراطي وقوي، إلا أن الجولة الأخيرة للانتخابات التشريعية في مصر، قد جاءت أقل من المتوقع بشكل كبير، لذلك فهناك حاجة لمزيد من الإصلاح في مصر!. وقد تضمن الذي نُشر بخصوص ذلك الاجتماع الأمريكي الرسمي وما دار فيه، أن وكالة الأنباء الفرنسية، قد نسبت للسيدة "كوندي" قولها: "أريد أن أؤكد لكم (لأعضاء لجنة الاعتماد بالكونجرس) إننا أبلغنا الحكومة المصرية بوضوح أن مستوي علاقتنا بكم (تقصد مصر) سوف يتوقف بشكل كبير علي التقدم الذي سيتحقق في المجال الديمقراطي بمصر، وهنا تدخل السيناتور "ديفيد أوبي" مرة ثانية للقول: بأنه يتفهم ذلك، ولكنه يخشي أن تفقد مصر من كانوا أعز أصدقائها من قبل" وهنا تدخلت الوزيرة الأمريكية للرد قائلة: أعتقد أن المصريين أصدقاء لأمريكا، كما أن مصر صديقة لنا، ولكن ذلك لا يمنع من الحاجة لإرسال رسائل أمريكية قوية بالنسبة للإصلاح في مصر، هذا ما نوجهه لهم!!" وعلي الرغم من تأكيد النائب بوصف نفسه أنه صديقاً لمصر ولحكومتها وشعبها، إلا أنه ذكر في معرض حديثه مع الوزيرة أنه سبق ودافع عن اعتماد المساعدات كاملة لمصر في ميزانية 2006، إلا أنه غير مستعد للدفاع عن تلك المساعدات عام 2007 لذلك فقد طلب من السيدة "كوندي" بأن توضح الموقف للحكومة المصرية بأسرع وقت وقبل نفاذ صبر الكونجرس!!. تري هل افتراضي بوجود علاقة ما بين الذي حدث في 16 شارع رمسيس هنا في القاهرة، ونظيره الموازي في نفس الوقت، والذي حدث في الكونجرس الأمريكي علي الضفة الأخري من الأطلنطي؟ وإلي أي مدي يمكن الوثوق والاطمئنان للتحليل السريع الذي قمت به لبيان ظاهرة طغيان السياسة علي الاقتصاد في عالمنا اليوم؟ فإذا كنت قد استشعرت بعض الرضا والارتياح والتأييد ربما في عيون السيدات والسادة الأساتذة الأفاضل، والزميلات والزملاء الأعزاء بقاعة المؤتمرات أثناء مداخلتي، وكذلك فيما سمعته من بعض مراسلي الصحف الحاضرين لجلسة المؤتمر بعد انتهائها، فهل يمكن أن يفسر الذي جري ودار بالكونجرس الأمريكي، ما ذهبت إليه في تعليقي السريع، أرجو أن يكون اجتهادي في ذلك صحيحاً.