يواجه النظام السياسي في مصر تحديا جديا ناتجا عن اضطراره لإحداث دفعة كبيرة من الإصلاحات العميقة في عدة مجالات في وقت واحد. فهناك الجدل الدائر حول المدي الذي يمكن أن يذهب له تعديل دستوري منتظر، أو ما إذا كان من الأفضل كتابة دستور جديد تماما. وهناك ضغوط من قسم كبير من القضاة من أجل إصدار قانون جديد يعزز استقلال السلطة القضائية، بالإضافة إلي جدل لم ينته حول انتخابات مجلس الشعب الأخيرة ودور القضاء فيها. وهناك جدل حول حياتنا الحزبية المتوعكة وما يتطلبه علاجها من إجراءات جذرية أقلها إحداث تعديل جوهري في قانون الأحزاب. وهناك زخم تصنعه تحركات جماعات المعارضة السياسية واحتجاجات مطلبية ونقابية متنوعة. وهناك صحافة باتت تتمتع بقدر معتبر من حرية التعبير والنشر وقادرة علي تحدي أشكال التحكم والسيطرة التقليدية. وهناك حركة تمرد قوي ضد الأشكال المختلفة من القمع وأدوات السيطرة السلطوية، وهي الحركة التي وصلت إلي مشارف تحدي كافة أشكال السلطة، الأمر الذي يمكن أن تصادف مظاهره في المجال السياسي كما تصادفه في علاقات العمل. كل هذه الحركات والتحركات تمثل ظواهر صحية تدل علي أن المجتمع المصري قد نفض عن نفسه غبار الكسل والسلبية. غير أن تراكم المشكلات لسنوات طويلة أطال طابورها بشكل غير اعتيادي، بحيث أنه ما إن انفتحت طاقة محدودة في جدار الخوف والسلبية حتي اندفعت منه عشرات المشكلات التي طالما تم تجاهلها، فبدا الأمر كما لو كانت الأشياء تتداعي من حولنا. تواتر المطالب والضغوط وتزامنها فرض علي النظام السياسي في مصر التعامل مع كل المشكلات دفعة واحدة، وبات من غير العملي أو المقبول الحديث عن تقسيم عملية الإصلاح إلي مراحل، حتي لو بدا مثل هذا التقسيم منطقيا ووجيها من الناحية النظرية وطبقا لخبرة شعوب أخري أيضا. المؤكد أن تزامن الضغوط وتواترها جاء نتيجة لتأجيل الإصلاح السياسي والاقتصادي لسنوات طويلة بحجج مختلفة. فقد كان هناك دائما من يطالب بالإصلاح، كما كان هناك أيضا من يجد الذرائع لتأجيله، مرة بسبب الوضع الإقليمي وأخري بسبب ظرف محلي طارئ...وهكذا، فتراكمت الفواتير مؤجلة السداد، حتي نفد صبر الدائنين، وباتوا جميعا يطالبون بمستحقاتهم في الوقت نفسه. المهم أن تأجيل الإصلاح حتي وصل الحال إلي ما هو عليه قد أغلق بعض المسارات الكبري التي كانت مفتوحة قبل ذلك، ومن بين هذه المسارات سيناريو البدء بالإصلاح الاقتصادي ليليه بعد ذلك إصلاح سياسي يتناسب والأوضاع الاقتصادية الاجتماعية الناتجة عن إصلاح اقتصادي ناجح. كان هذا المسار ممكنا حتي قبل سنوات قليلة عندما كانت مطالب الإصلاح السياسي عند حدها الأدني، بحيث كان من الممكن التركيز علي الإصلاح الاقتصادي حتي إذا أتي الدور علي الإصلاح السياسي كان من الممكن للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية أن تكون أقل احتقانا، كما كان من الممكن لنخبة الحكم أن تتمتع بقدر كاف من المصداقية والتأييد يسمح لها بالتقدم علي طريق الإصلاح السياسي دون تردد، وكان من الممكن للتيارات السياسية المتشددة أن تتمتع بقدرة أقل علي توظيف الأصوات الغاضبة لصالحها، وكان من الممكن للإصلاح السياسي أن يتحول إلي أداة للكشف عن وتمكين الاعتدال والوسطية بعد أن تكون قد أخذت فرصة كافية لترسيخ جذورها في المجتمع، لا أن يكون سبيلا للكشف عن نفوذ التيارات المتشددة، أو أن يتحول إلي مغامرة محفوفة بالمخاطر تهدد بوقوع البلاد في براثن التطرف وعدم الاستقرار. لقد أنهي الإلحاح المتزامن علي الإصلاح الاقتصادي والسياسي الذي نشهده في الوقت الراهن أي إمكانية للتتابع الزمني بين نوعي الإصلاح، وبات علي نخبة الحكم أن تواجه تكلفة النوعين من الإصلاح في الوقت نفسه، الأمر الذي يضاعف الضغوط التي تتعرض لها. أكثر من هذا فإن التزامن بين الإصلاح السياسي والاقتصادي يجعل تحقيق الأخير أكثر صعوبة إلي درجة ربما هددت بتأجيله، أو بتأجيل مكونات رئيسية منه، إلي مستقبل غير محدد. فقد كان من الممكن إدخال الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة في لحظة تمتعت فيها هياكل السلطة بقوة وقدرة علي الفعل تتيح لها ضبط المقاومة المحتملة للإصلاح، غير أن تأخر الإصلاح الاقتصادي لسنوات طويلة ساهم في تعميق التأزم في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، في نفس الوقت الذي وفر فيه الإصلاح السياسي الجاري لمقاومي الإصلاح أدوات إضافية للاحتجاج والمقاومة، بينما فقدت هياكل وأدوات الضبط السياسي والاجتماعي الكثير من فعاليتها ومصداقيتها، الأمر الذي أدي في النهاية إلي جعل مهمة الإصلاح الاقتصادي أكثر صعوبة. وينبع مصدر الخطورة في الوضع الراهن من أن تكاثر الضغوط علي نخبة الحكم يمكن له أن يغريها علي تأجيل الإصلاح الاقتصادي مرة أخري في محاولة منها للحد من نقاط الاحتكاك مع جمهور بات نافد الصبر وفاقد الثقة، وأيضا للحد من زخم المطالبة بمواصلة وتسريع الإصلاح السياسي. والمؤكد أن اختيار مثل هذا ليس سوي أسوأ الاختيارات، حتي أنه لا يجوز وضعه علي قائمة الاختيارات الممكنة. فالدرس الأهم الذي تعلمه لنا خيرة السنوات الماضية هو أن تأجيل الإصلاح ليس حلا، بل إنه لا يزيد عن كونه سببا إضافيا للتأزم. أما الحل المؤكد فيكمن في قدرة الحكم علي استعادة المبادرة، وتجاوز موقف رد الفعل تجاه المطالب والضغوط التي يتعرض لها، والمبادرة باتخاذ عدد من الخطوات الإصلاحية الطموحة التي تسبق كثيرا تطلعات ومطالب القوي السياسية والاجتماعية، بما يتيح له استعادة القدرة علي تحديد أجندة الحوار العام، كما يتيح له سد فجوة التصديق والثقة التي تفصل بينه وبين قسم لا يستهان به من المواطنين.