مهنئا عمال مصر بعيدهم، أمين البحوث الإسلامية: بجهودكم يتعزز الاستقرار ومسيرة البناء    بنك القاهرة يشارك في فعاليات اليوم العربي للشمول المالي    وزير «التموين» يُصدر حركة تنقلات وتعيينات موسعة في 13 محافظة    محافظ القليوبية يفتتح أعمال تطوير المركز التكنولوجي بقرية "ميت حلفا" بقليوب    بحث إنشاء مركز مصري روسي للدراسات البحرية    رئيس هيئة الأركان الأمريكى: يجب أن يكون جيشنا مستعداً للردع    مسئول لبنانى: إسرائيل تستهدف الجيش اللبنانى أثناء إنقاذه مواطنين على الحدود    رئيس وزراء فلسطين يبحث مع شبكة المنظمات الأهلية الأوضاع في غزة    توروب يفضل محمد الشناوي على شوبير في مباراة القمة    الحلقة السادسة|فيفا في مرمى السياسة.. من يحدد مصير مشاركة المنتخبات في زمن الأزمات؟    مصرع شخصين وإصابة ثالث فى مشاجرة بجرجا سوهاج    مصرع وإصابة 4 أشخاص في اصطدام ميكروباص بعمود إنارة بالفيوم    تأجيل محاكمة المتهم بقتل مهندس كرموز في الإسكندرية ل24 مايو لفحص تقرير اللجنة الثلاثية    تحرك فوري لدرء خطورة مئذنة مسجد جوهر المعيني بالقاهرة    وزير الأوقاف يهنئ عمال مصر: «العمران ثلث الدين»    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : عم (على) " حكاية "!?    محافظ الدقهلية ومحافظ الشرقية يفتتحان مؤتمر الشرقية لأمراض الكلى بنادي جزيرة الورد بالمنصورة    عبدالرحيم علي: الاقتصاد الإيراني يخضع لحصار بحري مضاعف منذ تصعيد 2025    سعر الذهب اليوم الخميس 30-4-2026.. تحديث لحظة بلحظة    16 صورة ترصد حفل عيد العمال وتكريم السيسي للقيادات النقابية    كامل الوزير: 1.7 مليار يورو تكلفة المرحلة الأولى ل مترو الإسكندرية    الإسكندرية الدولى للفيلم القصير من فعالية فنية إلى ظاهرة ثقافية    طريقة عمل كبدة الفراخ لغداء سريع التحضير واقتصادي آخر الشهر    القبض على عاملين بتهمة التعدى على ربة منزل ووالدتها بكفر الشيخ    مصطفى الشهدي يجري جراحة الرباط الصليبي الاثنين المقبل    فتح باب التقديم لمسابقة التعاقد مع 8000 معلم بالأزهر    مايو المقبل.. انطلاق مهرجان «البريكس السينمائي الدولي لأفلام الطلبة» بالقاهرة    سعر الجنيه السوداني مقابل الدولار في بنك الخرطوم المركزي اليوم الخميس    وزير التعليم العالي: تحقيق إنجاز علمي بنشر نتائج أضخم دراسة بحثية للتسلسل الجيني    فيلم إذما يطرح إعلانه الرسمي    رياضة مطروح تبحث تطوير الأنشطة وتنمية الموارد    الطقس غدا.. ارتفاع جديد فى الحرارة وشبورة صباحا والعظمى بالقاهرة 31 درجة    خالد الجندى: اختيار الأفضل فى الطاعات واجب شرعى    بتهمة التزوير.. تأجيل محاكمة موظفى الشهر العقارى بالبحيرة لجلسة 23 يونيو    «صناع الحاضر وبناة المستقبل».. السيسي يشاهد فيلم تسجيلي في حفل عيد العمال    محافظ الشرقية يشهد فعاليات القافلة الطبية المجانية بمركز شباب بردين    «الأعلى للإعلام»: اعتماد قرارات إدارة «صدى البلد» بشأن إحدى فقرات «أنا وهو وهي»    ليفربول يطلق تصويتًا لاختيار أفضل 10 أهداف في مسيرة محمد صلاح قبل وداعه المرتقب    غذاء وأدوية.. الهلال الأحمر المصري يطلق قافلة مساعدات جديدة إلى غزة    ضبط 8 أطنان دقيق في حملات مكثفة لمكافحة التلاعب بأسعار الخبز    عبدالعاطي يشدد على جهود دعم ثوابت السياسة الخارجية المصرية    موعد وقفة عرفات وعيد الأضحى 2026.. الحسابات الفلكية تكشف التفاصيل الكاملة    رئيس الوزراء يقرر منح الجنسية المصرية ل 48 شخصًا    أوبلاك يشيد بالحكم ولا يتخوف من مواجهة آرسنال في لندن    تحت رعاية وزارة الثقافة.. ليلة رقص معاصر تنطلق ب" كتاب الموتى" | صور    رجال طائرة الأهلي يواجه الفتح الرباطي المغربي في ربع نهائي بطولة إفريقيا    "لا يوجد مكان آمن".. تقرير أممي: أزمة النزوح في لبنان كارثية    الصحة: فحص 2.127 مليون طالب بالصف الأول الإعدادي للكشف المبكر عن فيروس سي    قرارات استراتيجية جديدة لمجلس إدارة هيئة الرعاية الصحية | تفاصيل    تزامنا مع عيد العمال.. الأوقاف: العمل والسعي طريق بناء الحضارات    انطلاق الجولة الثامنة من مجموعة الهبوط بالدوري الأحد.. وصراع مشتعل للهروب من القاع    أميرة النشوقاتي: النساء العاديات مصدر الإلهام الحقيقي في «المقادير»    المركز القومي للمسرح ينعى الموسيقار الراحل علي سعد    وزير «التخطيط» يبحث مع البنك الدولي تطورات إعداد استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر    جيش الاحتلال: توقيف 21 سفينة من أصل 58 في الأسطول المتجه إلى غزة    الأرصاد تحذر: شبورة كثيفة وطقس متقلب اليوم الخميس على أغلب الأنحاء    جدول امتحانات الصف الثالث الإعدادي 2026 محافظة الإسكندرية الترم الثاني    يسرا ودينا الشربيني في العرض الخاص لفيلم The Devil Wears Prada 2.. صور    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. سمير غطاس يكتب: ملفات إصلاح النظام السياسى فى مصر (2) فض أحراز المسكوت عنه فى قضايا الإصلاح السياسى

منذ أن وعت البشرية نفسها كجماعات سياسية بدأت فى طرح العديد من الأسئلة المصيرية الكبرى: ما العمل؟ ومن أين نبدأ؟، ويبدو أن الجماعات السياسية فى مصر ليس لديها متسع من الوقت للتوقف قليلاً أمام مثل هذه الأسئلة، أو ربما توهمت أنها قد تجاوزتها، رغم أنها تدعو إلى إصلاح أزمة النظام السياسى فى مصر لكن من دون أن تسأل نفسها: ما العمل ومن أين نبدأ عملية هذا الإصلاح.
ربما وجب علينا أولا الإشارة إلى وجود تباين وربما حتى تناقض كبير فى تقويم الوضع السياسى الراهن فى مصر، فأحزاب المعارضة والنشطاء السياسيون والأغلبية من المثقفين والمفكرين والكتاب يعتقدون بوجوب إصلاح النظام السياسى فى مصر، فيما بالمقابل يرى حزب الأغلبية الوطنى الحاكم أن مصر تعيش أزهى عصور الديمقراطية حسب تعبير أمين عام الحزب ورئيس مجلس الشورى ورئيس لجنة الأحزاب.
ويبدو أن أحزاب المعارضة فى مصر ليست وحدها من يعتقد فى ضرورة الإصلاح السياسى إذ يوجد اتفاق مع هذا الرأى كانت أظهرته العديد من المؤشرات الدولية، فقد أظهر مؤشر إبراهيم للحكم الرشيد فى أفريقية فى تقريره هذ العام أن العديد من دول أفريقيا الجنوبية باتت تتقدم على مصر التى تراجعت إلى الموقع الحادى عشر من بين 53 دولة أفريقية،
كما أشارت تقارير العديد من المؤشرات الدولية الأخرى إلى تراجع مكانة مصر بالنسبة لدول العالم فى مجالات عدة من بينها مباشرة الحقوق السياسية (كما ورد ذلك فى: مؤشر الديمقراطية فى العالم العربى، ومؤشر الحكم الصالح الذى يصدره البنك الدولى، ومؤشر «الشفافية الدولية» و«مكافحة الفساد»، ومؤشر الرخاء العالمى «ليجاتوم» ومؤشر «بيت الحرية»، وتقرير التنمية الإنسانية العربية.. وغيرها من التقارير والمؤشرات الدولية الأخرى)، وقد رفضت الحكومة فى مصر الاعتراف بصحة أى من النتائج التى أعلنتها هذه التقارير الدولية، ولكن ذلك لا ينفى ملامسة أغلب ما ورد فى هذه التقارير للواقع السياسى الراهن فى مصر.
وقد لا يكون من المفيد الاستطراد أكثر من ذلك فى إعادة وصف الحالة السياسية فى مصر على النحو الذى يذهب إليه العديد من قادة أحزاب المعارضة والناشطين السياسيين ربما فى محاولة للتملص من مسؤولياتهم الذاتية عن قسم غير قليل عن هذه الأوضاع السياسية، لكن هذا لا يعنى إخلاء ساحة حزب الأغلبية الحاكم من تحمل المسؤولية الأساسية عن إنتاج الأزمة السياسية فى مصر واستمرار تردى أوضاعها. وهو ما استدعى إطلاق الحركة التى تدعو إلى إصلاح النظام السياسى فى مصر، ومع كل التقدير للجهود التى تبذلها أحزاب المعارضة فى دفع وتطوير الدعوة إلى الإصلاح السياسى فإنه لابد من تسجيل الملاحظات التالية:
1- إن التوافق العام بين أحزاب وقوى المعارضة فى مصر على العناوين الرئيسة للإصلاح السياسى لا تكاد تخفى وجود تعارضات واسعة بينها على العديد من قضايا هذا الإصلاح السياسى، فلا يوجد مثلا توافق واسع حول الطريقة التى يمكن اعتمادها للإصلاح الدستورى ولا على طبيعة التغيير المطلوب فى النظام السياسى وتتراوح الآراء فى هذا المجال بين الاكتفاء بتقييد الصلاحيات الواسعة الممنوحة لرئيس الدولة فى النظام الرئاسى، وبين المطالبة بتغيير أسس هذا النظام والتحول عنه إلى الجمهورية البرلمانية، فيما تدعو حركة الإخوان المسلمين إلى مرجعية أخرى للدولة أقرب إلى نموذج ولاية الفقيه ومجلس صيانة الدستور فى النظام الإيرانى.
كما لا يوجد اتفاق واسع بين قوى المعارضة على الموقف من النظام الانتخابى، وهل يجب اعتماد نظام القائمة النسبية أو النظام المختلط بالدوائر الفردية والتمثيل النسبى أو اقتراح نظام آخر، وغيرها من القضايا الخلافية، ولا يوجد بالتالى وثيقة مشتركة جامعة تعبر عن توافق قوى المعارضة المصرية على الموقف من قضايا مركزية عديدة فى صلب برنامج الإصلاح السياسى.
2- إن الحركة من أجل الإصلاح السياسى لم تظهر للآن ما يرقى إلى مستوى العمل الجبهوى أو التحالف السياسى لأعلى صعيد البرنامج المشترك ولا على صعيد أساليب وتكتيكات التحرك السياسى ويقتصر الأمر على مستويات دنيا من التنسيق واللقاءات الانتقائية بما لا يرقى أبدا إلى مستوى قضية الإصلاح السياسى المنشود.
3- إن برامج الإصلاح السياسى على تنوعها وتعددها تكاد تخلو من أى إشارة إلى مراجعة الأوضاع الداخلية لهذه الحركة ولمكوناتها من أحزاب وحركات احتجاجية.
4- إنه يجرى تداول برامج الإصلاح السياسى فى أطر حلقية محدودة وفى الدوائر المغلقة على الناشطين السياسيين، ولم تنجح قوى المعارضة بعد فى تحويل برامجها للإصلاح السياسى إلى مطلب شعبى عام وعجزت كل القوى السياسية فى مصر عن ربط الصلة ما بين الحركات المطلبية العفوية التى اجتاحت مصر فى السنوات الثلاث الماضية وبين أى من برامج الإصلاح السياسى الذى تدعو له وتطالب به.
5- إن التحرك من أجل الإصلاح السياسى فى مصر يركز على المدخل الدستورى والقانونى ويدعو إلى إلغاء أو تعديل القوانين التى تقيد مبدأ التعددية الحزبية والسياسية وتعطل تداول السلطة وتحد من الحق فى تكوين الأحزاب والجمعيات والنقابات المستقلة والتى تنتقص من حرية التعبير والإبداع ولا تحقق المسأواة فى المواطنة دون تمييز ولا تكفل العمل بمبدأ تكافؤ الفرص، وعلى أهمية هذا المدخل فإن النمط السائد الذى تعتمده أحزاب وقوى المعارضة لإلغاء أو تعديل هذه القوانين ينطوى على شبهة التعلق الأحادى بالتغيير من أعلى، على الأقل مقارنة بالجهد شديد التواضع الذى يراهن على اعتماد مبدأ التغيير المجتمعى من أسفل،
وتعد هذه المسألة أيضاً من الأمور التى تحتاج إلى إعادة نظر ربما لتصحيح هذا الاختلال والعمل على إقامة نوع من التوازن النسبى بين نمط الضغط من أجل الإصلاح والتغيير من أعلى، وبين النمط الذى يسعى لتوسيع الإطار الشعبى والقاعدى لإحداث الإصلاح والتغيير من أسفل، كما يتطلب الأمر ذاته ضرورة التعرف على النماذج المختلفة للتشريعات الدستورية وقوانين الأحزاب للتداول والتوافق حول النموذج الأكثر مواءمة لتحقيق مطالب الإصلاح السياسى فى مصر، وتجدر الإشارة هنا إلى خلو بعض دساتير الدول الديمقراطية المستقرة من أى نصوص تشريعية تخص الأحزاب السياسية (مثل الدستور الأمريكى مثلا)، فيما تنتمى مصر إلى النموذج الدستورى الذى أناط بالبرلمان إصدار القانون الخاص بالأحزاب السياسية،
بينما يتراوح هذا الأمر بالنسبة للعديد من دساتير العالم بين إطلاق الحرية للمواطنين فى إنشاء الأحزاب السياسية (كما فى دساتير دولة اندروا، واستونيا وألمانيا وإسبانيا وغيرها)، وبين نقيض هذا النموذج الذى يفرض على المجتمع الحزب الواحد الأوحد كما فى الدستور السورى الذى تنص مادته الثامنة على اعتبار «حزب البعث العربى الاشتراكى الحزب القيادى فى المجتمع والدولة»، فضلاً عما بين هذين النموذجين من دساتير أخرى تجيز إنشاء الأحزاب السياسية، لكنها تنص فى الوقت ذاته على القواعد المنظمة لهذه الأحزاب، وفى كل الأحوال فإن المطالبة بالإصلاح السياسى فى مصر يجب أن تدعو إلى إلغاء أو تقليص تدخل الدولة فى تأسيس الأحزاب طالما أنها تستوفى شروط الالتزام بالديمقراطية فى بنيتها الحزبية وكل انشطتها وفعالياتها السياسية.
6- إن الإصلاحات التى طرأت على النظام السياسى فى مصر كانت نتاج إدراك النظام نفسه لضرورات مواءمة أوضاعه الداخلية مع المتغيرات الدولية وتحت إلحاح القوى الرأسمالية الجديدة المرتبطة بالنظام والتى تتوافق مصالحها مع هذا النوع من الإصلاحات التى اعتمدها النظام فى مصر.
ولما كانت المشرحة لا تحتمل المزيد من الجثث فإننا لسنا بوارد إضافة برنامج جديد للإصلاح السياسى، وينحصر الطموح فى إثارة حوار موضوعى حول بعض القضايا المسكوت عنها فى ملفات الإصلاح السياسى والحزبى فى مصر وعلى النحو التالى: أولا – يبدو أن أحزاب المعارضة، قبل السلطة، بحاجة الآن لإعادة تعريف نفسها لإجراء مكاشفة شجاعة لمواقفها ودورها فى الحركة التاريخية من أجل الإصلاح السياسى، وفى هذا المجال تكاد تتفق مدارس الفقه السياسى المتعددة على أن المبرر الوحيد لإنشاء الأحزاب، الذى يميزها عن غيرها من الهيئات والجمعيات وغيرها، هو المشاركة المنظمة فى الحياة السياسية من أجل الوصول إلى السلطة والسيطرة الكاملة عليها أو المشاركة فيها إلى جانب أحزاب أخرى لتحقيق أفكار وبرامج ومشاريع أعضاء هذا الحزب.
وربما باستثناء الإخوان المسلمين، فإنه ليس هناك من حزب معارض آخر فى مصر يسعى بجدية للوصول إلى السلطة والسيطرة عليها، وفى غياب هذا الهدف المشروع فإن الأحزاب تتحول إلى منتديات تمارس مع السلطة ما يشبه برامج التوك شو التى يتابعها الجمهور على الفضائيات، كما لا يوجد بعد فى مصر اتفاق على آليات التغيير والتداول الديمقراطى للسلطة وما إذا كان ذلك سيتم عن طريق إحراز الأغلبية فى البرلمان؟
أو عن طريق النمط الجديد للثورات البرتقالية أو بغيرها من الطرق والوسائل، وتفتقد التجربة الحزبية فى مصر إلى نموذج «حكومة الظل» وغياب البرامج البديلة للحكم وعدم توافر ما يكفى من القادة والكوادر التى يمكنها المنافسة والتفوق فى إدارة شؤون الدولة والحكومة، وغالبا ما يختزل دور مدارس الكادر فى أحزابنا على التلقين وإهدار طاقة الأعضاء، خاصة الشباب فى عقد الندوات الموسمية والمناسباتية، ومرة أخرى، فإنه باستثناء جماعة الإخوان المسلمين التى تعتمد على مصادر ملتبسة من التمويلات السخية، فإن الغالبية من أحزاب المعارضة تفتقد إلى ما يمكن أن نسميه بصناعة أو اقتصاديات الأحزاب التى تضمن لها استقلاليتها، ولهذا يعتمد الكثير من أحزاب المعارضة على مساعدات مالية محدودة من الدولة،
وهذا الأمر بحد ذاته لا يعيبها، لأنه حق مشروع للأحزاب من المال العام الذى لا يجب أن يحتكره حزب الأغلبية الحاكم، وهو من جهة أخرى واجب ملزم للدولة تؤديه لجميع الأحزاب الشرعية المتنافسة، كما يحدث بنص الدستور فى بعض الدول (مثل الأرجنتين وكولومبيا والسلفادور ومالاوى والكونجو برازفيل)، لكن اعتماد الأحزاب على تمويل الدولة فى غياب الشروط الديمقراطية يحول هذه الأحزاب إلى توابع ذيلية ملحقة بمؤخرة الحزب الحاكم. ويدعو كل ذلك أحزاب المعارضة فى مصر لإعادة النظر بجدية أكبر فى تعريف نفسها على قاعدة دورها الأساسى فى الصراع الديمقراطى لتداول السلطة باعتباره الطريق الصحيح لتطبيق رؤيتها وبرامجها للإصلاح السياسى.
ثانيا – إن الإصلاح السياسى الحقيقى فى مصر مرتبط عضويا بالدائرة الكبرى للإصلاح المجتمعى العام، ولا تستقيم الدعوة الجدية للإصلاح السياسى الجذرى مع ارتفاع نسبة الأمية فى المجتمع ومع تعثر العملية التعليمية وضحالة تأثيرها على الوعى المعرفى والثقافى العام أو السياسى لأجيال التلاميذ والطلاب، فضلاً عن ارتباط الإصلاح السياسى بضرورات الإصلاح الصحى والبيئى والالتزام بالحد الأدنى من المعايير الدولية لحقوق الإنسان المصرى، كما يرتبط الإصلاح السياسى بدرجة نمو المجتمع المدنى ومستوى المساواة فى المواطنة وغيرها من القضايا الاقتصادية والاجتماعية الأخرى،
ولهذا لا تكمن إشكالية تعطيل وإعاقة الإصلاح السياسى فى مصر فقط فى طبيعة النظام السياسى وهيمنة الحزب الوطنى على الحكم فهذه وغيرها أعراض ظاهرة للوضعية الراهنة للمجتمع المصرى، خاصة لأزمته الثقافية التى لم يحلها بعد منذ صدمته التاريخية مع الحملة النابليونية عام 1798، وتتفاقم هذه الأزمة الثقافية فى مصر نتيجة تمدد أنماط التفكير السلفى المعادى لكل أشكال الحداثة بما فى ذلك الديمقراطية والإصلاح السياسى، وقد يكون علينا أن نتحلى بقدر أكبر من الشجاعة الأدبية للاعتراف بأن إشكالية تعطيل الإصلاح السياسى فى مصر لا تختزل فقط فى موقف النظام من هذا الإصلاح وإنما تكمن أيضا فى أزمة الوضع الثقافى الراهن فى مصر،
ولهذا لا يمكن أن يقتصر دور النخب المصرية على الدعوة للإصلاح السياسى من دون أن تتحمل هذه النخب مسؤوليتها فى استئناف ما انقطع من دورها التنويرى الفكرى والثقافى وإقدامها على مواجهة تمدد أنماط التفكير السلفى الذى أغلق أبواب الاجتهاد وانتزع لنفسه دون أى سند أو مبرر صلاحيات المصادرة والمراقبة والوصايا على التفكير والإبداع الحر ويتخفى وراء شعارات القيم والأصالة والموروث الثقافى ليفرض على المجتمع نموذجه الطالبانى، ولا نحتاج فى البرهنة على ذلك إلى أكثر من مد البصر قليلا إلى نموذج «الحكومة الربانية» التى أقامها فرع الإخوان المسلمين فى غزة على الحدود الشرقية المتاخمة لمصر.
إن المجتمع الذى يدعو إلى الإصلاح الديمقراطى فى السياسة عليه أن يدعو فى الوقت ذاته لإصلاح ديمقراطى للفكر الدينى السائد فى مصر وفى مواجهة الخلط المتعمد بين الدين والفكر الدينى الذى تبتدعه جماعات بعينها لتمرر ثقافتها المعادية للحرية والمطلقة للتغييب والإصلاح والتقدم.
ثالثا- إن الدعوة إلى الإصلاح السياسى قد لا تنتبه بالقدر الكافى إلى أننا لم نغادر بعد اللحظة التاريخية لأزمة مارس 1954 حتى الآن، وربما باستثناء حسن هيكل، فإن هناك ما يشبه الإجماع على أن أزمة مارس 1954 كانت لحظة فارقة فى تاريخ مصر، وجرى فيها إهدار وإجهاض المبدأ السادس لحركة يوليو: «إقامة حياة ديمقراطية سليمة»، كان تسلسل الأحداث، كما تجمع عليه كل روايات أغلب قادة حركة يوليو نفسهم قد وقعت على النحو التالى: كانت قيادة حركة يوليو 1952 بعد نجاحها دعت الأحزاب السياسية إلى ما أسمته بتطير نفسها بنفسها،
ولكن بعد أقل من ستة أشهر على هذه الدعوة أعلنت قيادة يوليو فى 10/12/1952 عن إلغاء دستور 1923 الذى كان يمثل أساس النظام البرلمانى، وأعقب ذلك الإعلان فى 17/1/1953 عن حل كل الأحزاب السياسية ومصادرة أموالها باستثناء جماعة الإخوان المسلمين التى تحالفت مع قيادة يوليو ضد الحياة الحزبية والديمقراطية وشاركت فى حكومتها الأولى بوزيرين، قبل أن يقع الخلاف بينهما لاحقا،
وفى 23 يناير 1923 دشن نظام يوليو إلغاء التعددية السياسية والحزبية بإعلانه عن إقامة «هيئة التحرير» باعتبارها الحزب الوحيد المصرح به للعمل السياسى، وقد تناسل من صلب هذا الحزب لاحقا ابنه البكر «الاتحاد القومى» الذى ورثه بعد ذلك «الاتحاد الاشتراكى» وتوالت عمليات التوريث مرورا بمرحلة حزب مصر العربى الاشتراكى، إلى أن وصلنا الآن إلى الحزب الوطنى الديمقراطى.
كانت الخلافات الحادة قد اندلعت داخل أركان ضباط حركة يوليو ما أدى إلى استقالة محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر وعودته تحت ضغط الجماهير، وفى إطار المناورة اضطر مجلس قيادة الثورة فى 25 مارس 1954 إلى اتخاذ القرارات التالية: السماح بقيام الأحزاب ولا يؤلف مجلس قيادة الثورة حزبا ولا حرمان من الحقوق السياسية وانتخاب الجمعية التأسيسة انتخابا حرا ومباشرا وحل مجلس قيادة الثورة فى 24يوليو 1954 باعتبار أن الثورة قد انتهت وتسلم البلاد لممثلى الأمة وتنتخب الجمعية التأسيسية رئيس الجمهورية بمجرد انعقادها، وبدلا من الالتزام بهذه القرارات جرى إجهاضها والالتفاف عليها وبعد ثلاثة أيام فقط على صدورها شهدت مصر واحدة من أغرب المظاهرات التى عرفها كل تاريخ العالم عندما دبر الفريق الذى يقوده الرئيس الراحل جمال عبدالناصر إخراج المظاهرات التى هتفت «تسقط الديمقراطية.. تسقط الحرية».
وكان تولى عبد الناصر للسلطة فى نوفمبر 1954 بمثابة إعلان عن إجهاض ومصادرة مشروع الجمهورية البرلمانية. لقد تغيرت أمور كثيرة منذ مارس 54، لكننا مانزال بحاجة، لأن نغادر لحظة أزمة مارس لتلتحق مصر بمكانها الطبيعى بين الأمم التى تتقدم بالديمقراطية والحرية، قد يكون الإصلاح السياسى فى مصر صعبا وقد يتأخر لكنه سيكون فى النهاية ممكنا لأنه ضرورى .. وكل ضرورى ممكن.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.