أثناء عودة الرئيس مبارك من جولته الخليجية الأخيرة، عبٌر للصحفيين المرافقين لسيادته عن رأيه في مفهوم "الفوضي الخلاقة" الذي روج له كثير من أعضاء الإدارة الأمريكية الحالية، وكان رأي الرئيس أن هذا المفهوم خطير حتي علي الولاياتالمتحدة نفسها. وكان مفهوم "الفوضي الخلاقة" قد تردد بعد غزو الولاياتالمتحدة للعراق ضمن حزمة من المفاهيم الأخري لتبرير السياسات المتبعة بعد الغزو وأدت في معظمها إلي سقوط العراق في هوة الفوضي الشاملة والتناحر العرقي والطائفي. ثم اُستخدم المفهوم مرة أخري مع تفجر الثورات البرتقالية في بلاد شرق أوروبا، مثل تلك التي حدثت في أوكرانيا وانتهت بوصول القوي المنادية بالديموقراطية هناك إلي الحكم. والمفهوم يقوم علي أنه من المقبول في أية عملية تحول يمر بها المجتمع حدوث قدر ما من الفوضي، فمن قلب الفوضي يمكن أن يبزغ نظام جديد وليس نظاما معدلا من النظام السابق. وفكرة "الفوضي الخلاقة" ترفض البناء علي القديم وتعتبره بناء آيلا للسقوط وغير قابل للإصلاح أو التجديد، وأن من الأفضل قبول الفوضي لبعض الوقت حتي يتيسر بناء هيكل جديد للمجتمع من خلال مروره بعملية فرز مجتمعية ينتج عنها في النهاية نظام مختلف قوي ليس له علاقة بالماضي. وبعيدا عن الجانب الدعائي في الموضوع، ورغبة المسئولين الأمريكيين من وقت لآخر في صك مصطلحات جديدة رنانة ليدور الجدل حولها بين الناس وفي الصحافة، هناك علاقة بين مفهوم "الفوضي الخلاقة" وعملية هندسة المجتمعات وتغييرها، وهذه العملية قد تتراوح بين "التغير" وهو نوع من بقاء الحال كما هو عليه مع قليل من "التجديد"، وبين "التحول" Transformation وهو يعني الانتقال إلي حالة مختلفة تماما عن الحالة السابقة لها. ومثال ذلك رفع حرارة الماء أو خفضها قليلا فيحدث "التغير"، أو رفع درجة الحرارة إلي الغليان أو خفضها إلي التجمد فنجد الماء قد "تحول" إلي صورة مختلفة تماما عن صورته المعتادة. وكما هو واضح من هذا المثال أن التحول من صورة إلي صورة أخري يتطلب كمية أكبر من الطاقة أعلي من تلك المستخدمة في إحداث تغيير محدود. وبطبيعة الحال فإن التحول بالنسبة للمجتمعات أكثر تعقيدا بكثير نتيجة أن العناصر التي نتعامل معها لا نهائية في عددها، كما أن الجانب البشري والثقافي وأيضا التاريخي يجعل من عملية تحول المجتمعات عملية شاقة وغير مأمونة. لكن المهم في الحالتين _ حالة الماء وحالة المجتمعات _ أن حجم الطاقة المطلوبة يجب أن يؤخذ في الاعتبار. فلو كان المطلوب تحويل الماء إلي بخار "نافع"، أي يمكن استخدامه في عمل مفيد، فلابد أن يتحمل الإناء درجة الحرارة العالية وضغط البخار وإلا انفجر المرجل وتصبح عملية التحول غير ذات معني. وهو نفس ما سوف يقابلنا في حالة المجتمعات إذا تركنا عملية "التحول" بدون سيطرة فتحدث الفوضي "غير الخلاقة" وينتهي الأمر ربما إلي شظايا مجتمع متناحر غير قابل للتشكل مرة أخري في صورة مقبولة. ويرجع الالتباس في الفكر الأمريكي إلي مجموعة من التجارب الناجحة المحدودة قام بها الأمريكيون في تحول مجتمعات مثل اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا إلي الديموقراطية والاقتصاد الحر، وهي أمثلة تم فيها تحويل المجتمع والدولة إلي حالة مختلفة تماما عما كانت عليه من قبل. كما أن دولا مثل تلك التي كانت جزءا من الكتلة الشرقية وحلف وارسو قد تحولت من خلال عملية مستمرة بعد انتهاء الحرب الباردة إلي دول ديموقراطية تسمح بحرية التعبير وتتبني مبادئ الاقتصاد الحر وتحترم حقوق الإنسان. والمشكلة أن الإدارة الأمريكية تعتقد أن ما نجح في اليابان ممكن أن ينجح بنفس الطريقة في العراق وفي بلاد أخري عربية وإسلامية. ولقد نتج من هذا الخطأ في التحليل أن رجال الإدارة الأمريكية الحالية بادروا إلي حل الجيش العراقي والبوليس ومؤسسات الأمن الداخلي ثم أطلقوا عملية التحول في العراق بدون أن يكون هناك إناء يتحمل البخار المتصاعد ويسيطر عليه، فحدثت الفوضي التي نراها الآن ضاربة في كل أنحاء العراق. العراق ليست الحالة الوحيدة في منطقتنا التي تحاول الولاياتالمتحدة إحداث حالة تحول عميق فيها. فهناك حالة مصر وحالة لبنان وسوريا وأيضا باقي دول المنطقة بدرجات مختلفة. لكن حتي هذه اللحظة لم يصل مستوي الفوضي في تلك البلاد إلي مستوي ما هو موجود في العراق. المشكلة أن كثيرا من الحكومات في تلك البلاد تري في كل تغير بسيط "حالة فوضي"، ويطالبون بأن تكون جرعات الإصلاح متدرجة وعلي قدر طاقة المجتمع علي تحمل التغيير. وفي كثير من الأحوال يتم تطويع برامج الإصلاح لصالح العودة إلي الخلف وليس التقدم إلي الأمام. والنتيجة أن تأخير التحول بسبب الخوف من الفوضي قد ينتج عنه إهدار فرص كثيرة يمكن أن تضيع علي المجتمع ولا تأتي مرة أخري، أو قد يعرضه لمخاطر اقتصادية وسياسية كان في غني عنها لو حقق التحول في وقت أقل. ولعل التجربة المصرية في مطلع الخمسينات، والتحول من النظام الملكي للجمهوري، وإلغاء الأحزاب، والقيام بالإصلاح الزراعي، يوضح أن التحول كان مأمونا ولم ينتج عنه إلا لحظات فوضي وتعثر قصيرة. والسبب أن الثورة أخرت التحول الديموقراطي وحافظت علي النظام البيروقراطي للدولة كما هو، لكن مع مرور الوقت أصبحت البيروقراطية والشمولية عائقا أمام التقدم. وفي عصر عبد الناصر نفسه تعجب عبد الناصر من أن الثورة استطاعت بناء السد العالي لكنها لم تنجح في إدارة مستشفي القصر العيني، وأن الأمية لم يتم القضاء عليها تماما كما كان متوقعا، وأن عملية تحديث المجتمع توقفت عند حد معين، حيث سبقتنا دول مثل اليابان كانت قد بدأت معنا مشوار التغيير. وللتعامل مع ميراث عبد الناصر كان علي مصر أن تمر بعمليات تحول شجاعة كان أولها حرب أكتوبر، ثم عملية السلام مع إسرائيل، ثم الانتقال من المعسكر الشرقي المتداعي إلي المعسكر الغربي المنتصر في الحرب الباردة، وكلها كانت تحولات مهمة لم تكن تمر بدون ثمن كبير. لكن ذلك لم يواكبه عملية تحديث كبري في النظام الاقتصادي والسياسي المصري، وفي كل مرة كان الخوف من "الفوضي" أو "ضياع البلد" كما يحب البعض أن يقول، عائقا لعملية الانطلاق إلي آفاق جديدة. كان الظن أن عملية تعديل المادة 76 من الدستور ستكون شرارة للتحول الكبير تنتقل فيها مصر من حالة إلي حالة أخري وهي بالتأكيد تستحق ذلك كما أنها تمتلك العناصر الضرورية لإحداث التحول، لكن الخوف مرة أخري من الفوضي يجرنا إلي سياسات جزئية بالغة الحرص غير كافية لإحداث تحول كبير ولكن مجرد تغيير متواضع لا يؤدي عادة إلي نتائج كبيرة. إن الفوضي شئ سيئ ومدمر، لكن الخوف والرعب منها يمكن أن يتحول إلي حالة مرضية تمنع أي مشروع للتقدم والتحديث الحقيقي من الانطلاق.