في معرض حديثه إلي الزميل عبد الله كمال رئيس تحرير صحيفة ومجلة روز اليوسف، قال السيد جمال مبارك أمين لجنة السياسات بالحزب الوطني الديمقراطي إن المجموعة المنوط بها الإعداد لتعديل المادة 76 نظرت إلي التجربة العالمية في شأن شروط الترشيح لرئاسة الدولة، ووجدت أنه في كل التجارب كانت توجد شروط لضمان الجدية فأخذت منها ما كان ملائما. وما قال به أمين لجنة السياسات بالفعل صحيح، ولكن ربما كان الأهم من النقطة المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية فإن الاسترشاد بالتجربة العالمية وما يعد مقاييس عالمية للديمقراطية من الأمور المحمودة. ولا يصح أن نقيم الطرق ومحطات الطاقة والمزارع المختلفة والمطارات وغيرها وفق المواصفات العالمية ثم بعد ذلك نستنكف الأخذ بالتجربة العالمية وما يجري فيها فيما يتعلق بالديمقراطية وبناء النظام السياسي. ولعل مثل هذا المبدأ الهام يتصل بما سبق أن أكدناه في هذا المكان من ضرورة تطبيع التجربة المصرية القائمة علي عشرات الاستثناءات المحلية التي تجعل التجربة المصرية خارج العلم والتاريخ والعالم. والأمثلة علي ذلك معلومة للجميع من أول نسبة العمال والفلاحين المحددة بخمسين بالمائة في المجالس المنتخبة وحتي قيادة أمين عام حزب الأغلبية لمجلس الشوري ولجنة شئون الأحزاب التي سوف تقوم بإجازة الأحزاب المعارضة للحزب. وما بين هذه الإبداعات المصرية وكذلك توجد قائمة طويلة تضم ما يسمي بالمدعي الاشتراكي، ومحكمة القيم، وقانون الطواريء الذي لا ينتمي لأية حالة طارئة وإنما يتمتع بديمومة غير عادية، وملكية مجلس الشوري للصحافة القومية التي لا يوجد مثيل لها في دول العالم الأخري، بل لا يوجد مثيل لمجلس الشوري ذاته الذي يذكر في الدستور علي أنه من "الأحكام الجديدة" التي لا تعلم بعدها عما إذا كان ذلك يجعل المجلس جزءا من السلطة التشريعية، أم أنه حالة خاصة لم يسمع أحد بها من قبل. فما نحن بصدده منذ الإعلان عن النية لتعديل المادة 76 من الدستور، وحتي الإعلان عن النية لمراجعة دستور عام 1971، هو أن نضع النظام السياسي علي ذات الأسس التي أنتجها الفكر الإنساني وتم تطبيقها في بلدان العالم المختلفة. وبالفعل فإن القاعدة في هذه البلدان قضت بضرورة وجود ضمانات لجدية المرشحين للمنصب الرفيع، ولكن هذه الضمانات لا ينبغي أبدا أن تكون قائمة بحيث تمنع عملية الترشيح كلية لكافة القوي السياسية الموجودة في الدولة. ولهذا المعني فإن التقاليد العالمية تمنع في حالة رفع سقف الشروط الواجب توافرها في المرشح أن يهيمن حزب واحد علي أكثر من ثلثي المقاعد النيابية وهو ما سعي له الحزب الوطني الديمقراطي خلال المعركة الانتخابية، وعندما كانت هناك فرصة لكي تقام قواعد اللعبة علي أسس عالمية بحصول الحزب علي 32% فقط من المقاعد، فإن الحزب قام فورا برفعها من خلال إضافة المنشقين عن الحزب لكي يرتفع نصيبه إلي72% ويمنع عمليا المادة 76 الدستورية من العمل. ولكن قاعدة الاعتماد علي التجربة العالمية والمعايير والمقاييس الدولية هي عين الحقيقة الديمقراطية، فرغم تعدد النظم والتجارب فإن جوهر الديمقراطية وسماتها الأساسية واحد، فهي تقوم علي سلسلة من التوازنات بين المباديء بحيث تتطلب الجدية ولكن هذه الجدية لا يجب أن تصل إلي حد المنع وشلل العملية كلها. وهي تتطلب تمثيل كل القوي السياسية في المجتمع، ولكنها تمنع هيمنة أحدها علي السلطة، وهي تحمي المجتمع من عناصره الشريرة ولكنها لا تجعل الحماية سببا للسيطرة والهيمنة وببساطة الاستبداد. والديمقراطية هي سلسلة من التوازنات بين المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ولكنها لا تجعل هذه التوازنات سببا في شلل الدولة، أو سبيلا لانعدام كفاءتها، وهي تعطي لكل سلطة قدرة علي تحجيم السلطات الأخري. والديمقراطية تقوم علي سلسلة من توازنات المصالح بين الأقاليم، والمركز والأطراف، والريف والحضر، والصناعة والزراعة والخدمات. وببساطة فإن الديمقراطية تم اختراعها مثل العجلة منذ وقت طويل، ولا تحتاج اختراعات جديدة من جماعة ترزية القوانين والدساتير المصرية القادرين علي تلفيق القواعد، وتركيب المواد، ودبلجة المقدمات، ووضع النظم الجمهورية الرئاسية في داخل النظم الجمهورية البرلمانية والحصول في كل مرة علي سلطات إضافية للدولة والحاكم. وما نحتاجه في مصر هو البحث عن نظام متكامل الأركان، له فلسفة واضحة ومتسقة من أوله إلي آخره، فلا يمكن أن يكون النظام اشتراكيا ورأسماليا في نفس الوقت، يقنن للاقتصاد المخطط وهو يهدف إلي الاقتصاد الحر، ويقوم علي المبادرة الفردية، وهو يكتل وسائل التحكم في يد الجماعة. وبصراحة لعل ذلك هو المانع الرئيسي أمام فكرة "تعديل" الدستور الذائعة، لأن التجربة العالمية والقواعد الدولية للديمقراطية، تقيم سقوفا للتعديل والتبديل لوثيقة لم يعد ممكنا إصلاحها لأن زمنها ولي وراح. وخلال العقدين الأخيرين، ومنذ بدأت الثورات الديمقراطية تهز العالم كله فيما عرف بالموجة الثالثة للديموقراطية فإن الدول التي دخلت فيها بدأت ثورتها الديمقراطية بإقرار دستور جديد ديمقراطي يتسق فيه الكل مع الجزء، والأجزاء مع بعضها البعض، والمقدمات مع النهايات. وإذا كان هناك من درس من تعديل المادة 76 فقد كان أن المادة في النهاية كانت صياغة غير عالمية لأوضاع استثنائية أراد المشرع أن يعطيها شرعية دستورية لم تكن متوفرة لها، فجاءت علي حساب شرعية النظام السياسي كله. نعم فإنه علي مصر أن تتبع المعايير والمقاييس العالمية، ولكنه علي مصر أن تبدأ الحكاية من أولها بحيث يتم أولا توفير الأجواء الملائمة لعملية جذرية تخص النظام السياسي في البلاد مثل مراجعة الدستور. وإذا كان معلوما في الاقتصاد أن جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية يستلزم توفير ما يسمي "المناخ الملائم" للاستثمار، فإن السير علي طريق الديمقراطية كما يعرفها العالم لا بد وأن يتوفر لها "المناخ الملائم" للديمقراطية. وكما يوجد في الاستثمار فإن رفع الحواجز البيروقراطية ضرورة لا بد منها لاطمئنان المستثمرين، فإن إبعاد البيروقرطية _ الأمنية وغير الأمنية _ عن الساحة السياسية لا بد منه لتحقيق الاطمئنان للسياسيين والعاملين في عملية النظر في الدستور المصري من أجل تعديله أو تغييره. وبصراحة أكثر فربما نحتاج إلي رفع حالة الطواريء عن كاهل الحياة السياسية المصرية وهو ما سيدفع بأوصال التفاؤل، والإحساس بالتغيير في المناخ السائد، ويحسن الأجواء السياسية في لحظة تحتاج الكثير من التحسين. لقد جاء حديث السيد جمال مبارك عاكسا ما بدا وكأنه بداية مراجعة كبري داخل الحزب الوطني الديمقراطي، وطالما أن هناك مراجعة تجري بالفعل في جميع الأحزاب السياسية المصرية، فإن ذلك يعد أمرا مبشرا. ولكن ربما تكون هذه المراجعات ذات قيمة في تقريب وجهات النظر إذا ما اعتمدت المرجعية العالمية في بناء النظام السياسي، ليس فقط لأنها المرجعية التي اعتمدتها تجارب شعوب مختلفة، وإنما أيضا لأنها تحل إشكاليات يظن بعضنا أنها غير قابلة للحل. فما نمر به ونواجهه ونخاف منه ليس حالة استثنائية لم تعرفها شعوب العالم من قبل، وإنما علي العكس، فإن ما نواجهه كان معروفا ومكررا وتواجدت له حلول باتت جزءا من التراث الإنساني.