مشهد شهير في السينما المصرية طالما أمتعنا واشعرنا بالإثارة,إنه ذلك المشهد الذي يصيح فيه الباشا العجوز في وجه البطل الشاب: أخرج من بيتي.. فيرد عليه: أنا خارج يا باشا.. بس قبل مااخرج لازم أقول لك كلمتين.. وفي هاتين الكلمتين يلقي البطل علي الباشا وعلي المتفرجين بالطبع محاضرة عن حقوق الإنسان و المساواة بين الطبقات وعن تلك العلاقة الشريفة الي تربطه بابنة الباشا وعن الظلام الذي سينقشع عما قريب وربما تطرف في الكلام وقال له.. لك يوم ياظالم.. أو أن دولة الظلم ساعة ودولة العدل إلي قيام الساعة.. أو حتي كلمات من نوع.. هنيالك يا فاعل الخير, أو من قدم شئ بيداه التقاه.. من أصعب الأمور في الدراما وفي السياسة دخول الشخصية إلي المشهد وخروجها منه,لابد من دخول الشخصية في لحظة تحتمها ما وصل إليه المشهد من توتر, ولابد من خروجها عندما لا يكون بالإمكان المزيد من التوتر. وهنا تنشأ الحاجة إلي الجملة التي لا تنسي,لذلك عندما يخرج رجل السياسة من المشهد عليه أن يفكر في المؤرخ، وأن يعطيه الكلمات الجديرة بالإثبات في سجل التاريخ، رجل السياسة الحقيقي لا يضع عينه علي الشارع بل علي المؤرخ. إن مشهد خروج رئيس الحزب من القصر وحديقته بقرار من الهيئة العليا للحزب يمثل ذروة العمل الدرامي ( قصر وحديقة وجماهير حتلاقي فين لوكيشن زي ده) إنها فرصة العمر لكاتب الدراما وللمشتغل بالعمل السياسي لأن يقول كلاما يحتل علي الفور مكانا مرموقا في التاريخ, ولكن الدكتور نعمان جمعة أهدر هذه الفرصة الفريدة التي لايجود الزمان بمثلها مرتين أو في حزبين, لقد أطلق أسوأ صيحة في التاريخ وهي: ولكن الفلوس في حوزتي. هو يقصد أن ميزانية الحزب في البنك باسمه وأنه الوحيد صاحب التوقيع المعتمد عند البنك. جملة غريبة تشبه إلي حد بعيد جملة.. سرقوا الصندوق يا محمد لكن مفتاحه معايا. هذه صيحة ربما تكون مقبولة من زوجة اكتشفت فجأة خيانة زوجها فصاحت: كده.. الحمد لله إن الفلوس اللي في البنك كلها باسمي.. يبقي يقابلني لو طال مليم واحد.. أنا حا خليه يشحت.. الخاين. هناك مئات الكلمات الأخري تقال في هذا المقام مصاحبة للخروج من المشهد حتي لو لم تكن تعبر بصدق عما يشعر به الإنسان, كان من الممكن أن يقول بتركيز وبصوت مرتفع: نعمان جمعة ليس مهما.. محمود أباظة ليس مهما.. المهم هو الوفد.. هذا هو ما أطالبهم وأطالبكم بالحفاظ عليه.. تصبحون علي خير. وكان من الممكن أن يصيح بصوت قوي: بلغوا الأستاذ محمود أباظة أن يقابلني غدا في التاسعة صباحا أمام البنك لكي أطلب منهم اعتماد توقيعه بدلا من توقيعي حتي لا يتعطل العمل في الحزب وتتأخر حقوق الناس.. وبهذه المناسبة وفي هذا الموقف الصعب.. اسمحولي قبل ما أخرج أقول لحضراتكم كلمتين.. أنا أشكر كل هؤلاء الذين وقفوا إلي جواري, وأطلب منهم بكل صدق أن يتعاملوا بإخلاص مع القيادة الجديدة لحزبنا الكبير كما أطلب من الله العلي القدير أن ينجحوا فيما فشلت أنا فيه, كما أطلب من شباب الحزب أن يتذكروا دائما أنني في خدمتهم جميعا.. أعترف بأنني حزين لتركي منصب رئيس الحزب غير أنني فخور بأنني كنت رئيسا لحزب من حق أعضائه أن يعزلوا رئيسه.. تصبحون علي خير. والله لو أنه قال شيئا من ذلك لحمله شباب الحزب إلي بيته علي الأعناق وليس من المستبعد أن يفكروا في انتخابه رئيسا لحزب جديد في هذه الحالة كانوا سيهتفون: يا نعمان يا حديد.. إحنا معاك في حزب جديد. والآن هالله هالله علي الجد والجد هالله عليه.. من المهم للغاية تفهم أبعاد ما حدث في حزب الوفد الجديد وصلة ذلك بحركة اللاوعي الجمعي في مصر. لست أري ما حدث معزولا أو مقطوع الصلة بما حدث لكل الأحزاب التي لم تستوعب متغيرات العصر بل تلك المتغيرات التي حدثت للمصريين أنفسهم. أستطيع القول باطمئنان أن الناس في مصر تجاوزت بالفعل نخبها السياسية, فقد حدث لسنوات طويلة أنه بينما كانت الناس تخوض معاركها مع الواقع بواقعية, كانت النخب في الأحزاب الثورية,سياسية ودينية تحارب طواحين الهواء وتدعوا الناس ليل نهار للاشتراك معها في الحرب ضد هذه الطواحين. الناس في حاجة إلي طعام وليسوا في حاجة لدخول معارك ضد الإمبريالية. الناس في حاجة إلي السلام وليس إلي خوض معركة ضده. النخب الثقافية والسياسية فقط هي التي تخوض أمثال هذه المعارك العبيطة لأنها لا تكلفهم شيئا ولا تتطلب جهدا أو علما أو مهارة,ربما لأن سلطوية الدولة لسنوات طويلة أوصلتهم إلي حالة من الكسل العقلي جعلتهم عاجزين عن خوض أية معركة حقيقية. أليس من المدهش والصادم معا بل وغير المفهوم أيضا أن الحزب الليبرالي المعارض الوحيد الذي له وجود فعلي علي الساحة, يتبني في أدبياته كل الأفكار الثورية التي دفنها التاريخ تحت سور برلين؟! إن فشل رئيس حزب الوفد في قيادته وعجز بقية رؤساء الأحزاب الثورية عن اكتساب قلوب الناس يدلان دلالة واضحة علي أن الناس تجاوزت بمراحل أفكار ومفردات ومعارك هؤلاء الرؤساء. الدكتور نعمان جمعة لم يخرج من الوفد لأن قرارا صدر بذلك من هيئته العليا, بل لأن النخبة في جماعته لا تريده هذه هي القصة باختصار شديد. إرادات البشر والتنسيق بينها والتوافق معها هي المرجعية الشرعية الوحيدة في الحكم والمعارضة. لو أن الدكتور نعمان كان حريصا علي أن تتحقق إرادات وذوات البشر الذين يحيطون به,لو أنه عمل علي استخراج أجمل وأقوي وأفضل ما فيهم لكان من المستحيل أن يفرطوا فيه. الحزب ليس رزقا أرسلته السماء لرئيسه بغير حساب بل هو تنظيم يضم بشرا في حاجة إلي قيادة تحبهم وتحترمهم وتشعرهم بأهميتهم قيادة تخلص لهم فيخلصون لها.