ربما لجذورها الصعيدية المتينة، لم أرها تبكى إلا مرة واحدة فى حياتى، وهى أثناء وداعى للدراسات العليا 2011، فلن أنسى مشهد جلوسها على الأرض ترتب ملابسى وهى تبكى بصمت وقت تحضير شنطى، ولم أرها تبكى أو تضعف قط إلا ذلك اليوم رغم صعوبات الحياة الهائلة التى مررنا بها، فهى امرأة «بميت راجل» ورغم عدم إعلانها ضعفها أمام أحد، لكنى كنت أعلم من العائلة وأصدقائها بكاءها يومياً وأنا بعيدة عنها، ولكنها رغم ذلك غالبت مشاعر الأمومة والضعف الإنسانى كأم وفضلت مصلحتى الشخصية على أن أجلس بجوارها فتستريح «عشان أكون تحت عينيها»، اختارت الطريق الأصعب عن شجاعة وقوة فى مواجهة السؤال المعتاد «إزاى أمك سابتك تسافرى وحدك»؟! فأكسبنى السفر مهارات حياتية لما كنت سأتعلمها لو لم تصر أمى على سفرى، كالقوة والاستقلالية والتحدى فى مواجهة الشدائد والطموح من أجل الوصول لكونى الأفضل كما تعلمنى دائماً، ففى بريطانيا كنت أذهب لدروسى فى السابعة صباحاً وأعود فأنظف الحجرة الطلابية الخاصة بى، وأقوم بكافة الأعباء المنزلية ثم أنام لمدة ساعة وأستيقظ لأذاكر ولم لا؟! وأمى تنام 3 فجراً وتصحو 10 صباحاً للعمل وتعود 6 مساء وهكذا. نشأت فى بيئة أكاديمية من الطرفين «تقدس» العلم والثقافة، فأمى كانت تقرأ لى القصص منذ صغرى قبل النوم وتحللها معى، وكانت حريصة على تعليمى الموسيقى والرسم وحضور الدورات التعليمية المختلفة منذ صغرى، فصرت الأولى فى الكلية 2010 وكذلك فى الدراسات العليا «ماجستير» بريطانيا 2013، لأن «النجاح والعمل هما الأهم فى الحياة لإثبات الذات والكيان»، كما تقول أمى. أمى سيدة طموحة فكنت أشهد عملها صباحاً وقيامها بدورها كأم وزوجة مساء، ومذاكرتها لى ليلاً كسائر الأمهات المصريات العاملات، فكانت خير مثال على الجمع بين النجاح فى الحياة الخاصة والإسهام فى الوعاء المجتمعى، عن طريق تخريج أجيال واعية من الطلاب أرى حبهم لها وودهم لها رغم تخرجهم منذ أكثر من 10 سنوات، وتقول لى «دول إخواتك»، فأنا فخورة بمسيرتها منذ أن كانت معيدة إلى أن تدرجت أكاديمياً حتى حصولها على الدكتوراه بتفوق، ولم يقف أهلى عند هذا الحد فأنا رغم بلوغى 26 عاماً فإننى سافرت إلى 5 دول تقريباً لحضور مؤتمرات دولية من أجل التدرج الوظيفى -وحدى- بتشجيع منهم، ففى كل سفرية لا أنسى حشرجة صوتها وهى تكلمنى، ولكنها لا تود أن تمنعنى من السفر لأنها على وعى وإدراك تام بضرورة اكتساب خبرات حياتية ومقابلة أناس من ثقافات مختلفة، من أجل تطورى الفكرى والإنسانى لمواجهة رحلة الحياة حتى لو على حساب راحتها النفسية فى أن أكون بجوارها وتحت عينيها، فى تحدٍ واضح للكل، أولهم العائلة. أنا فخورة أن أقول إنى ابنة لمن ربونى «أمى وأبى»، وأختم بدرس أمى الأهم فى الحياة، وهو ضرورة وجود رسالة سامية يحيا الإنسان من أجلها، ويجب أن تكون المساهمة فى تنمية المجتمعات فكرياً وثقافياً حتى أكون ساهمت فى الوعاء الكلى الإنسانى بفعالية ونجاح، فأحترم نفسى لنفسى أولاً وأخيرا، كما ربتنى أمى «ست الكل»، فأفخر بأن أقول «الست دى أمى»، القوية والقيادية بامتياز.