يبدأ نيلسون مانديلا سيرته الذاتية بالحديث عن اسمه الذي نودي به أول مرة: (دوليهلالا) أي المشاغب، ورغم أنه شخصيا لا يؤمن أن الأسماء تصنع قدر الإنسان فإن المحيطين به كانوا يعزون الزوابع التي تضربه من كل جانب إلى تلك التسمية. "الشيء الوحيد الذي منحه لي والدي بخلاف الحياة، والبنية القوية، والصلة الوثيقة بعائلة تمبو الملكية هو دوليهلالا".
لا شك أن ثمة إحساسًا صادمًا في السطر الأول من الكتاب، ألا وهوتعبير "الشيء الوحيد" الذي يدل على أن عطايا الأب انقطعت عنه تمامًا بعد ذلك. والده الذي كان رئيسا بالنسب طبقا للتقاليد، وكان صانعا للملوك ص23. ذلك الوالد الذي كان متمردًا عنيدًا حتى تسبب ذلك في حرمانه من الرئاسة حيث قام القاضي بعزله ببساطة منهيًا بذلك رئاسة عائلة منديلا، وعلى هذا فقد فقدَ الرجل المعزول معظم قطعانه وأرضه وريعها فتعسرت الأحوال. وعموما "لم يكن للأفارقة في ذلك الوقت حق ملكية الأرض، ولكنهم كانوا مستأجرين".
والتحق دوليهلالا بالمدرسة التي أعطته اسمًا جديدًا هو نيلسون، وكان ذلك نظامًا متبعًا آنذاك. وفي إحدى الليالي وهو في التاسعة أصابت والده نوبة حادة من السعال، ونصح بعدم تناول التبغ لكنه أصر على التدخين. "استمر يدخن لمدة ساعة تقريبا ثم مات وغليونه ما زال مشتعلا".
واضطروا إلى ترك (قونو) وسافروا على الأقدام في صمت. وفي المستقر الجديد حيث كان الحاكم محور الحياة فقد كان ولدا الحاكم محور حياة نيلسون الذي كان يتواجد يوميا في قصر الحاكم للقيام بأعباء معينة، وكان أحب الواجبات إليه كي حلل الحاكم" . ذلك الحاكم الأسود الذي كان يطبق ديمقراطية فريدة حيث يسمع كل فرد وكان يؤخذ القرار بواسطة الجميع وليس بالأغلبية.
وبصراحة بالغة يتسم بها وجدان الكاتب يسجل في هدوء: "كنت حينذاك أنظر إلى الرجل الأبيض على أنه صاحب فضل".
وأيضا يقول: "كان الرجل المتعلم الإنجليزي هو مثلنا، وكان كل ما نتطلع إليه هو أن نكون إنجليزا سودا" .
وأيضا يسجل في يقين: "كنت أيضا أرى أن الأفريقي يمكن أن يتصدى للرجل الأبيض ولكني كنت أرى مصلحتي مع البيض وكان ذلك يتطلب خضوعا في أحيان كثيرة".
ننتقل بعد ذلك إلى (جوهانسبرج) ، وهناك وجد لنفسه عملا حيث تم تعيينه حارسًا في منجم. لكن العمل لم يستمر، وبدأ دراسة ليلية بالمراسلة في جامعة جنوب أفريقيا. وفي المكتب الذي عمل به كان هنالك شيوعيون أفارقة. يعترف مانديلا: "كانت أفكاري لا تضارع أفكارهم الناضجة المصقولة"
وقال إن من يدعى سيدلسكي أعطاه إحدى حلله القديمة التي ظل يرتديها خمس سنوات حتى أصبح فيها من الرقع أكثر مما بها من القماش الأصلي".
وفي نهايةعام 1942 حصل على درجة الليسانس. وفي العام التالي سجل اسمه في جامعة ويتسواتر سراند للحصول على درجة الليسانس في القانون وهو نوع من الإعداد الأكاديمي للمحامي تحت التمرين. ويعترف مانديلا أن تلك الجامعة فتحت أمامه عالما جديدا، "عالما من الفكر والعقائد السياسية والحوار". ورغم أن نيلسون مانديلا لا يستطيع تحديد اللحظة التي سيس فيها والتي عرف فيها أنه سيمضي حياته في الكفاح من أجل الحرية إلا أنه يؤكد أن وولتر سيسولا قد تولى توعيته وتعليمه بحكمة. كان منزل وولتر ملتقى أعضاء المؤتمر وكان دائما يردد: "إن لون بشرتي جميل كلون تربة إفريقيا الأم"
. وتم تشكيل لجنة إقليمية لتنظيم الشباب بقيادة وليام نوكومو، وفي عام 1964 وقعت سلسلة أحداث حاسمة شكلت تطور الصراع واتجاهه حيث أضرب عمال المناجم لمدة أسبوع وأبقوا على تضامنهم
وفي عام 1947 انتخب نيلسون مانديلا عضوا في اللجنة المركزية للمؤتمر الوطني الأفريقي عن إقليم الترنسفال وعمل تحت إمرة رئيسه راموهانو، لكن الذي حدث عام 1950 أن الحكومة أصدرت قرارين يعتبران حجر الزاوية في الأبرتايد مما نتج عنه أحيانا التفريق بين أعضاء الأسرة الواحدة اعتمادًا على لون البشرة وتجاعيد الشعر وسمك الشفتين وأيضا إذا أراد البيض تملك الأراضي أو المساكن التي يمتلكها الأفارقة والهنود فما عليهم إلا أن يعلنوا المنطقة بيضاء. وحمل شهر يوليو 1952 أحداثا غير سارة، فبينما كان نيلسون مانديلا في عمله بمكتب المحاماة حضرت الشرطة وألقي القبض عليه بتهمة انتهاك قرار حظر الشيوعية. ذلك القرار الذي سمح للحكومة أن تعتقل من تشاء بهذه التهمة ولو كانت باطلة وحكم عليه بالسجن تسعة أشهر مع إيقاف التنفيذ، ورب ضارة نافعة فإن ذلك أزال الوصمة التي ترتبط بالسجن وكان ذلك إنجازًا هاما لأن الخوف من المعتقل يشكل عائقا هائلا لحركات التحرر. . وفي المؤتمر السنوي للمؤتمر في نفس العام تم اختيار ألبرت لوثولي رئيسا وأصبح نلسون مانديلا أحد أربعة نواب للرئيس.
لكن الحكومة فصلت لوثولي لالتزامه الكفاح ضد الأبرتايد، وقيدت حركة مانديلا في حدود جوهانسبرج لمدة ستة أشهر.
بعد اجتياز مانديلا امتحانا يؤهل لمزاولة المحاماة ظهرت لافتة تحمل اسم مانديلا وتامبو، "وقد كان الأفارقة في أمس الحاجة للمساعدة القانونية"
لماذا؟ لأسباب لا حصر لها: "كانت جريمة أن تدخل من باب مخصص للبيض وجريمة أن تركب حافلة للبيض، وجريمة أن تستعمل صنبور مياه للبيض، وجريمة أن تسير على شاطئ مخصص للبيض، وجريمة أن تتواجد في الشارع بعد الحادية عشرة مساء، وجريمة ألا تحمل دفاتر تصاريح، وجريمة أن يكون هناك توقيع خطأ في الدفتر، وجريمة أن تكون عاطلا، وجريمة أن تصل في المكان الخطأ، وجريمة أن تسكن في المكان الخطأ، وجريمة ألا يكون لك سكن".
لكن الذي حدث في أبريل 1954 أن تقدمت الجمعية القانونية للترنسفال بطلب للمحكمة العليا بشطب اسمي من جدول المحامين المعتمدين باعتبار أن أنشطتي السياسية تصرف غير شريف وغير مهني" ص110. ودار الدفاع حول فكرة أن الطلب يعتبر مهانة لفكرة العدالة لأن من حق المرء أن يدافع عن معتقداته السياسية. "وفي مارس عام 1956 صدر قرار الحظر على مانديلا للمرة الثالثة وحددت إقامته في جوهانسبرج لمدة خمس سنوات ومنع من حضور أي اجتماعات.
لكنه قرر ألا ينصب من نفسه سجانا على نفسه. ص123 وفي فجر الخامس من ديسمبر عام 1956 قامت الشرطة بتمشيط المنزل، وكان القادة الكبار قد تم اعتقالهم بتهمة الخيانة العظمى، واقتيد مانديلا إلى السجن، لكن الزنزانة الموحدة تحولت إلى نوع من المؤتمر. وفي المحكمة استمرت قراءة عريضة الاتهام يومين حاول المدعي العام أن يثبت للمحكمة أن المتهمين وبمساعدة دولة أجنبية كانوا يخططون لقلب نظام الحكم باستعمال العنف
وأفرج عنهم بكفالة. وفي هذه الأثناء التقى بويني التي منحته الأمل فشعر أن فرصة للحياة قد أتيحت له.. وهذا ما كان، فبعد محاولات قانونية استمرت شهرين أعلنت الدولة فجأة سحب الاتهام بالكامل فتزوج مانديلا من ويني وأنجب الطفلة زيناتي ومن تحديد إقامة إلى توقيف يمضي مانديلا. وهذه حملة جديدة أسفرت عن اعتقال أكثر من ألفي معارض للأبارتايد البغيض. وحتى في السجون كانت تعاليم الأبارتايد تقضي بالفصل بين المحتجزين طبقا للون البشرة، وحتى وجبات الطعام كانت تحدد طبقا لنفس المعيار. وها هي الدولة مصرة على أن مانديلا شيوعي خطير ورغم عدم كونه كذلك إلا أنه لم يرغب في التباعد عن أصدقائه الشيوعيينص135. وتم رفع القوانين الاستثنائية وأفرج عنهم واستقبلوا من الجماهير بحماس زائد ، وها هو بعد خمسة شهور يقضي الليل مع زوجته في بيتهما. استغرقت المحاكمة شهورا، وعقد اجتماع سري لبحث الاستراتيجية، وأصبح مانديلا بين المطرقة والسندان؛ فإذا ما برئ لن يعود إلى منزله لأنه سيختفي، وإذا ما أدين سيذهب به إلى غياهب السجون. قال لزوجته ألا تنتظره. وحدثت المفاجأة حيث أعلن القاضي رامف أن المتهمين غير مذنبين وبهذا يتم الإفراج عنهم. ولم يعد مانديلا إلى البيت. لقد أمسى "مخلوقا ليليا" لا يذهب إلى عمله سوى في الظلام. نقرأ كيف يصور حالته في ذلك الوقت: "وعندما كنت أعيش مختبئا كنت لا أسير طويلا معتدل القامة، وكنت أتكلم بصوت خفيض بدون وضوح أو تميز، وكنت لا أسأل عن أي شيء بل كنت أترك الآخرين يخبرونني عما أعمل. تركت شعري وذقني ينموان، وكنت غالبا ما أتخفى كسائق أو طباخ أو بستاني، وكنت أرتدي الزي الأزرق أو زي عمال الزراعة" ص161. وأطلقوا عليه البيمبرنيل الأسود إشارة إلى شخصية روائية تدعى البيمبرنيل الأحمر نجحت أن تتحاشى الإمساك بها إبان الثورة الفرنسية. ص162. واستغرق الإعداد لإضراب مايو وقت وجهد مانديلا وهو مختف، وفي أول أيام الإضراب غامر مئات الآلاف من الناس بوظائفهم لكنه بالتشاور مع زملائه قرروا إنهاء الإضراب في يومه الثاني. وفي هذه المرحلة أيضا أوكلوا إليه، هو الذي لم يكن أبدا جنديا ولم يطلق مسدسا، مهمة تشكيل جيش، فلبى الدعوة وعمل على إنجازها بينما كان ينادى بالجرسون حيث يقوم بإعداد الإفطار للغير ويرسلونه في مهمات بالمزرعة ويأمرونه بمسح الأرضيات وحمل القمامة! وكانت أسعد أوقاته بالمزرعة عندما تزوره زوجته ويني في عطلات نهاية الأسبوع. كانت تأتي متخفية. ثم تمكن البيمبرنيل من مغادرة جنوب أفريقيا في جولة لجمع متطلبات الكفاح، وبصراحة منقطعة النظير يحكي ولا يتهيب: " وتوقفنا قليلا في الخرطوم ثم ركبنا طائرة أثيوبية إلى أديس أبابا وهنا انتابتني مشاعر غريبة فقد كان قائد الطائرة أسود ولم أكن قد رأيت من قبل قائد طائرة أسود وفي تلك اللحظة وجدت أن علي أن أتغلب على الخوف الذي تملكني وواجهت نفسي ووجدت أن تفكيري قد تأثر بالأبارتايد فاعتقدت أن الأفارقة أدنى مستوى وأن قيادة الطائرة وظيفة رجل أبيض ووبخت نفسي لهذه الأفكار" ص178. ويؤكد مانديلا على أن مصر عبد الناصر كانت نموذجًا له، وأن الجزائر الثورة كانت مثالا يحتذى، أما في غانا فقد أثار سيكوتوري إعجابه فقد كان يعيش في بيت متواضع ويرتدي حلة قديمة باهتة. وأما في السنغال فقد أصدر له الرئيس سنجور جواز سفر ودفع ثمن تذكرته إلى لندن. وما أدراك ما لندن بالنسبة لمانديلا الذي يعترف أنه يحب كل ما هو إنجليزي. ص183. ومنها إلى أثيوبيا لتلقي تدريب عسكري، أما الرئيس نيريري فمنحه طائرة خاصة إلى ليبيا لكنه أخيرا عاد إلى البلاد في عربة سيسل وليامز مدير مسرح، أبيض، متخفيا كسائقه. ومرت العربة في طريقها إلى جوهانسبرج ص185. وقبض عليه وكان الحكم ثلاث سنوات لتحريض الناس على الإضراب وسنتان لمغادرة البلاد بدون جواز سفر. وفي سجن بريتوريا المحلي أمر بخلع ملابسه وصرف له زي المساجين الأفارقة: بنطلون قصير وقميص وجورب وصندل. وطبقت الحكومة تشريعا يسمح لأي شرطي باحتجاز أي شخص لمدة ثلاثة أشهر على أساس الشك في ارتكابه جريمة سياسية. وتم نقل مانديلا إلى جزيرة روبن، وكان رصيف الميناء في الكيب يعج بأفراد الشرطة المسلحين ونقلوا إلى معدية خشبية، وحيث وقفوا كان هنالك فتحة صغيرة بالسقف يروق للحراس التبول منها على رئوسهم. ص202. ووجهت إليهم تهم التخريب وأخبروا أن الدولة ستطالب بإعدامهم. وفي المحكمة قال القاضي إن أساس الاتهام هو الاقتناع الشخصي بأنهم مذنبون!، وألغى أمر الاتهام وأنهى الجلسة! لقد أصبحوا طلقاء، لكن أعيد القبض عليهم قبل أن يغادر القاضي مقعده، وأعادت الدولة صياغة عريضة الاتهام. وعندما حان الوقت لمحاكمة جديدة كان المتهم الأول فيها نيلسون مانديلا قال إنه إنما خطط لبعض أعمال العنف ليس حبا في العنف ولكن نتيجة لتقييم هادئ للموقف السياسي الذي وجد نتيجة سنوات عديدة من الطغيان والاستغلال والاضطهاد، وقال أيضا في دفاعه عن نفسه إن انعدام الكرامة الإنسانية الذي يعاني منه الأفارقة لهو نتيجة مباشرة لسيادة البيض، وأعلن أنه كرس نفسه لمعركة الشعب الأفريقي وناضل ضد سيادة البيض وناضل ضد سيادة السود معتقدا مبدأ مجتمع حر وديمقراطي وفرص متساوية. وجلس. وكانت كلمته قد استمرت أربع ساعات. وأدين المتهمون وأولهم مانديلا، وكانوا قد قرروا عدم استئناف الحكم مهما كان لأن الاستئناف يقوض الموقف الأخلاقي فيما قاموا به وكبرياءهم فيما فعلوا وعبروا عنه. كان الحكم هو السجن مدى الحياة. وفي كل مساء في سجن بريتوريا المحلي وقبل أن تطفأ الأنوار كانت تسمع أصداء أغاني الحرية التي ينشدها السجناء وكانت حنجرة مانديلا أيضا تنطلق بالغناء. ص221 وكان على السجناء ومنهم مانديلا أن ينقلوا الأحجار إلى منتصف الفناء وكان عليهم بعد ذلك أن يصحنوها بالمطارق ويحولوها إلى حصى. وكان مسموحا للسجين أن يتلقى زيارة واحدة وخطابًا واحدًا كل ستة أشهر، وذات صباح تم اقتيادهم إلى محاجر الجير حيث استمر عملهم فيها ثلاثة عشر عاما، وكان الجير مدفونا تحت طبقات صخرية يتوجب كسرها بالفأس ثم يستخرج الجير بالمجرفة. وزارته أمه مرة قبل موتها، أما ابنه الأكبر فقد لقي مصرعه في حادث سيارة، ولم توافق السلطات على طلب مانديلا حضور جنازة ولده. ص261. أما زوجته ويني فلم تتوقف السلطات عن اضطهادها حتى تم فصلها من عملها. وفي سبتمبر 1976 امتلأ الحبس الانفرادي بشبان تم القبض عليهم بعد أن انفجرت روح الاحتجاج الجماهيري. كان الكثير من هؤلاء الشبان قد تركوا البلاد ليلتحقوا بالحركة العسكرية ثم تسللوا راجعين وقد تم تدريب الآلاف منهم في تنزانيا وأنجولا وموزمبيق.ص284. وكان مانديلا يقوم بالاتصال بحركة "الوعي الأسود" عن طريق رسائل مهربة. ها قد انقضت ثمانية عشر عاما على مانديلا في جزيرة روبن قبل صدور القرار المفاجئ بالترحيل عنها إلى سجن بولسمور. ص295. حتى جاء مايو 1984 فسمح لهم بالالتقاء المباشر مع زائريهم وتمكن مانديلا من معانقة زوجته وابنته لأول مرة منذ واحد وعشرين عاما. وكانت مناقشات له مع النظام وهم يصرون على أن يتخلى المؤتمر عن العنف قبل أن توافق الحكومة على إجراء المفاوضات معه، ويؤكد مانديلا في دفاعه عن المؤتمر أن الدولة هي المسئول عن العنف لأنها هي التي تستخدمه، ومع ذلك أكد لهم أن المؤتمر هو المنظمة الوحيدة في جنوب أفريقيا التي تسعى إلى توحيد كل الأعراق، وأنها تعتبر البيض أفريقيين ولا تريد أن تلقيهم في البحر. ص317. وفي مقابلة مع رئيس الجمهورية تم الإفراج عن بعض رجال المؤتمر، وبدأ ديكلارك يهدم قوالب بناء الأبرتايد ففتح شواطئ جنوب أفريقيا للمواطنين من جميع الألوان ووعد بإلغاء القانون الذي لا يسمح بالاختلاط في الحدائق والمسارح والمطاعم والحافلات والمكتبات والمراحيض وغيرها من المنشآت العامة، وفي نوفمبر أعلن حل إدارة الأمن القومي السرية التي كان قد أنشأها بوثا لمجابهة قوى المعارضة للأبارتايد.ص327. ثم تقرر الإفراج عن نيلسون مانديلا فأين سيقضي أول ليلة له في الحرية؟ نقرأ: "كان بودي قضاؤها في منطقة الملونين والسود في (كيب تاون) لإظهار تضامني معهم ولكن زوجتي وأعضاء اللجنة رأوا أن أقضي الليلة في منزل الأسقف توتو في ضاحية بيضاء غنية لم يكن يسمح لي بالعيش فيها قبل ذهابي إلى السجن" ص334. وأخبر السلطات أنه يود وداع الحراس والسجانين وطلب أن يتواجدوا عند البوابة ليتمكن من توديعهم بنفسه، لكن سادت حالة من الفوضى السعيدة، وشعر وهو لحظتها في الحادية والسبعين أن حياته تبدأ من جديد فقد انتهت الأيام العشرة آلاف لسجنه. ص337. "بدأ الناس يضغطون على السيارة ثم بدأوا في انفعالهم يقفزون عليها ثم أخذ البعض يهزونها حتى انتابني شعور بالقلق وشعرت أن من الممكن لحب الناس أن يقتلنا" وبعد أن هدأت الجموع قرأ خطابه الذي حيا فيه الشعب باسم السلام والديمقراطية والحرية للجميع وذكر أنه لا يقف بينهم كنبي ولكن كخادم متواضع لهم يضع السنوات الباقية من حياته بين أيديهم. ص339. وأراد مانديلا أن يفهم الصحفيون أهمية البيض في أي نظام جديد فلا يجب تدمير البلاد قبل تحريرها. ولاقى الزعيم ترحابا وإجلالا في دول عديدة، ففي القاهرة وفي حماس المستقبلين دفعوا به فاهتز توازنه ولم يعثر على حذائه أو على زوجته، وفي النهاية بعد نصف ساعة أحضروا زوجته ولم يستطع مخاطبة الجمهور الذي ظل يهتف باسمه هتافا مدويا، وفي نيويورك ازدحم قرابة مليون شخص لمشاهدة موكبه والترحيب به. بعد ذلك تم تحديد أكثر المهام أهمية وصعوبة وهي تحويل حركة التحرير السرية غير القانونية إلى حزب سياسي جماهيري، وكان على عاتقهم إعادة هيكلة منظمة بكاملها من أصغر فرع محلي إلى اللجنة القومية المركزية في خلال شهور. ص359. وحانت الانتخابات وكان أن فاز المؤتمر وألقى ديكلارك خطاب تنازل لبق، وأشرق يوم 10مايو ساطعا. فلتسد الحرية وليبارك الله أفريقيا. حلقت الطائرات الحربية لجنوب أفريقيا في تشكيلات رائعة فوق مبنى الاتحاد، ولم يكن ذلك عرضا للدقة العسكرية ولكنه إثبات لولاء الجيش للديمقراطية لحكومة جديدة انتخبت بحرية وعدالة، وقبل ذلك بدقائق كان الجنرالات الكبار من قوة دفاع جنوب أفريقيا وشرطتها قد أدوا التحية لنلسون مانديلا وتعهدوا بولائهم بعد أن كانوا منذ سنوات يلقون القبض عليه. وبعد ذلك رسمت طائرات الجيت اللون الأسود والأحمر والأخضر والأزرق والذهبي لعلم جنوب أفريقيا بدخانها. ص381. ولكي نختم هذا الملخص للسيرة الذاتية لمانديلا يجدر أن نضع أكثر من خط تحت هذه الفقرة: "حينما خرجت من السجن كانت مهمتي هي تحرير الظالم والمظلوم، وقد يقول البعض إنه قد تم إنجاز ذلك ولكني أعلم أن هذا غير صحيح، فقد خطونا الخطوة الأولى على طريق أطول وأصعب، فلأن تكون حرا لا يعني فقط أن تلقي بقيدك لكن أيضا أن تععيش بطريقة تحترم وتعلي من حريات الآخرين" ص384.