ما يثير رعب الأجهزة الأمنية فى تل أبيب بشكل خاص هو «البعد الدفاعي» لهذا التحالف. ضجت عناوين الصحافة العبرية وعلى رأسها «يديعوت أحرونوت» وغيرها من كبريات الصحف الإسرائيلية، بعناوين وتقارير حول ما وصفته ب «كابوس التحالف العظيم».. القلق الإسرائيلى لم يأتِ من إيران أو غزة هذه المرة، بل كانت صرخة ذعر من واقع جديد تشكل. خلال الأيام الماضية تم الإعلان إقليميا عن ولادة المحور الثلاثى «المصري-السعودي- التركي».. الأربعاء الماضى كان المشهد رائعا بالقاهرة.. الرئيس التركى رجب طيب إردوغان حضر إلى قصر الاتحادية، ليس كمجرد زائر، بل كشريك يوقع مع الرئيس عبد الفتاح السيسى اتفاقيات تعاون عسكرية واقتصادية وشراكات جديدة تبحث عن الزيادة لا النقصان.. مصر ربحت الرهان بامتياز؛ فبعد سنوات طويلة عاشت فيها أنقرة أسيرة ل «ضباب وأوهام جماعة الظلام»، عادت أنقرة اليوم إلى أرض الكنانة.. الزعيم التركى عبدالله جول له جملة شهيرة «مصر وتركيا نصفا تفاحة على البحر المتوسط لا يصح أن يفترقا» هكذا قال فى الماضى وهو يتحدث عن أهمية التكامل بين البلدين.. كل ذلك أزعج الكثيرين فى تل أبيب.. «المثلث الذهبى» الجديد، بالإقليم أصبح يجمع بين قوة الجيش المصرى، والوزن المالى والروحى السعودي، والتطور التقنى والصناعى التركى.. إسرائيل وجدت نفسها فجأة أمام «كتلة خرسانية» موحدة تنسق فى كل شيء، من صفقات السلاح والمسيّرات والتصنيع إلى ملفات غزة والقدس والصومال وليبيا والسودان.. الصحافة الإسرائيلية لم تخف بواعث قلقها الشديد من التكتل الصاعد.. هذا التنسيق الثلاثى يرون فيه طوقا يحد من حريتها فى الحركة، خاصة مع بروز لغة مشتركة وحاسمة تجاه القضية الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين. وما يثير رعب الأجهزة الأمنية فى تل أبيب بشكل خاص هو «البعد الدفاعى» لهذا التحالف إذ إن توقيع اتفاقيات لإنتاج الطائرات المسيرة والتكنولوجيا الدفاعية المتقدمة بين هذه الدول يعنى تقليص الفجوة النوعية التى كانت تراهن عليها إسرائيل دائمًا، ويجعل من فكرة «التفوق الجوى المطلق» فى المنطقة وهم كبير. أمام هذا المشهد الجديد، تجدهم فى تل أبيب يطالبون بالبحث عن خيارات لمواجهة هذا «المارد الثلاثى»، اعتبروه خطرًا يستوجب الحذر كل الحذر والعمل على الضغط على واشنطن لفرملة هذا التقارب، فى محاولة للإبقاء على حالة التوازن القديمة التى كانت تميل لصالحها دائمًا. إن «المارد الثلاثى» الذى شاهدنا ميلاده، لم يكن وليد الصدفة أو ضربة حظ، بل هو نتاج «هندسة سياسية» هادئة قادتها مصر بعيدًا عن ضجيج الشعارات فقد أدركت القاهرة مبكرًا أن استقرار المنطقة يبدأ من تجفيف منابع الأوهام وجماعات التطرف وإعادة الدول لمداراتها الوطنية دون تدخلات فى شئونها أو التآمر أو الدخول فى مراهنات خاسرة.. وبالنظر إلى ما هو قادم، فإن هذا التحالف الثلاثى مرشح لأن يتحول إلى «نظام إقليمى» يصبح فيه أمن البحر الأحمر والمتوسط والخليج وحدة واحدة لا تتجزأ هذا التكتل لن يكتفى بكبح جماح الأطماع الإسرائيلية فحسب، بل سيساهم فى إيجاد حلول لأزمات المنطقة فى عواصمها وبأيدى أبنائها، بعيدًا عن صفقات الغرف المغلقة ومبعوثين العم سام. أما بالنظر إلى المستقبل، فإن التوقعات لو سارت فى الاتجاه الصحيح فقد نشهد تحولا جذريا فى بنية المنطقة حيث تتجه هذه القوى الثلاث نحو بناء منظومة ترفض التبعية المطلقة للقوى العظمى أو الرضوخ للإملاءات الإسرائيلية وتطرفها الهمجى. وهكذا تدرك تل أبيب أن أى مواجهة أو صدام لن يكون مع دولة منفردة، بل مع جبهة متكاملة تملك أوراق ضغط اقتصادية وعسكرية لا يمكن الاستهانة بها. إن «كابوس التحالف العظيم» ليس مجرد عنوان صحفي، بل هو اعتراف إسرائيلى ببدء عصر جديد لن تعود فيه الكلمة الأولى والأخيرة لتل أبيب وحدها.