نقضى ساعات نهارنا وليلنا فى إحصاء كم قتل وأصيب فى مظاهرات الغضب العارم المستعر فى محافظاتنا، وتتشح بيوت كثير من المصريين بالسواد، حزنًا على وضعنا البائس المتدهور، بينما لا تكف شوارعنا عن الارتواء بدماء بنى وطنى، الذين يتوقون وتهفو أنفسهم المتعبة الحائرة لبصيص أمل فى نهاية الممر المعتم. هذا وصف مختصر لمأساتنا منذ نهاية الأسبوع الماضى، حينما حلت الذكرى الثانية للثورة، وبدا وكأننا على موعد مع ألغام وقنابل تنتظر شرارة صغيرة للانفجار فى وجوهنا، وما سفك من دم فى القاهرةوبور سعيدوالسويس والإسماعيلية وغيرها من المدن معلقة فى رقابنا جميعا، ولا يحسبن احد أنه معصوم من المسئولية. وما يزيدك ألما أن معالجة الأحداث المفجعة بخلاف أنها كانت بطيئة للغاية، فإنها كانت قاصرة وفاقدة للرؤية الثاقبة واستيعاب الحقائق، وفضل الرئيس محمد مرسى ومن معه اختيار الحل الأمنى كأساس لمواجهة الانفلات والعصابات، التى خرجت من جحورها المظلمة. نعم الطوارئ كانت ضرورة لوقف آلة العنف الطائشة فى بور سعيدوالسويس، لكنها وحدها ستكون عديمة الجدوى والمفعول، وستعمق من الشروخ بين مناطق مصر المضطربة.
وغاب عن مرسى أن نجاح الحل الأمنى ليس مضمونًا بدون وجود غطاء سياسى سيمكنه من التأثير بفاعلية، ستقول: إنه دعا إلى حوار وطنى قبلها بعضهم ورفضها بعضهم الأخر، غير أن الدعوة بذاتها لا توفره، فقد جربنا فى مواقف وأزمات ماضية هذه الطريقة وتأكدنا من خلالها أن الحوار لا يسفر عن شئ ملموس. فالرئيس مرسى كان أمامه فرصة طيبة فى كلمته المتأخرة للأمة مساء الأحد الماضى لتوفير غطاء سياسى يساعد القوات المسلحة ومعها الشرطة على أداء واجبهما بثبات وليس بأيدي مرتعشة مهزوزة، كيف؟ كان عليه البدء باعتراف شجاع بتحمله قدرًا وفيرًا من مسئولية تردى أوضاعنا فى الأسابيع المنصرمة، جراء تخبط وعدم وضوح سياساته وقراراته، وأن لديه الشجاعة الكافية لمحاسبته على أخطائه. يلى ذلك مصارحتنا بأن أداء الحكومة كان ضعيفًا وباهتا، وأنه لابد من تشكيل حكومة وحدة وطنية تنتشلنا من الهاوية التى ننزلق ناحيتها بسرعة فائقة. ثالثا: إن جهاز الشرطة يعانى من فيروس ضعف يتسبب فى انهياره سريعًا، مثلما حدث فى السويس، وأنه يلزمه إعادة تأهيل وتدريب تجعله يصمد ويقوم بواجباته. رابعا: إن سكان مدن القناة، خاصة بور سعيد يشعرون بغصة شديدة تجاه القاهرة، وأن ذلك يظهر فيما يقومون به من أعمال عنف تتسم بالتطرف والحدة، وأن هناك حاجة ماسة لبحث هذا الموضوع من كافة جوانبه لإزالة أسباب الاحتقان والكراهية. خامسا: إن الجميع سواء أمام القانون المفترض أن تخضع له أعناق الكل، حينما يصدر أحكامه، وأنه لامناص من اتصاف الجماعات السياسية والدينية بالشفافية والوضوح، وأنه يتحتم على جماعة الإخوان المسلمين والجماعات السلفية والليبرالية توضيح مصادر تمويلها والبعد عن العمل السرى. سادسا: تجريم تكوين الميليشيات، وهى ظاهرة بدأت تتنامى تحت مسميات وأشكال متنوعة بعضها رياضى والأخر دينى والثالث سياسى، وأنه لا مجال للمحاباة والتغاضى عن طرف أو أطراف تدعمنى كرئيس. سابعا: سن عقوبات رادعة قاسية لا رحمة فيها ضد مَنْ يستخدم السلاح ويبيعه، لأن كميات الأسلحة المتداولة مرعبة ومن الكثرة بحيث تصبح نواة لشن حرب أهلية، خصوصا وأن أكثرية مواطنينا يفضلون مناخ الفوضى على احترام القانون وتطبيقه. تلك بعض جوانب من غطاء سياسى كنا نأمل فى تحقيقها لكى تتمكن الأجهزة الأمنية والجيش من العمل بأقدام ثابتة ستهيئ المجال للقضاء على الانفلات والداعمين والمشجعين عليه.