تعود الكاتب الكبير الأستاذ صلاح منتصر ان يسطر طلاته المتنوعة إلي قارئه تحت عناوين ثابتة تبدأ -في معظمها- بكلمة (مجرد). ولقد قرأنا له (مجرد نصيحة) و(مجرد رأي) وغيرها، وقدرت أن تلك الشاكلة من العناوين هي دليل ثبوت علي ليبرالية الكاتب، الذي لا يَرَي ما يكتب بوصفه الحقيقة المقدسة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولكنه يطرح وجهة نظره باعتبارها (مجرد) رؤية تعيش في تبادلية حوار نشطة مع غيرها من الرؤي، ومع سواها من آراء وأفكار. ولكن الكتابة في الصحف السيارة شيء، وبناء أو صياغة وصناعة نص في كتاب هو شيء آخر. إذ في الكتاب لا يطرح آمر القلم رؤيته بالقطاعي - في تقاطر يومي أو أسبوعي كما في الجريدة والمجلة - ولكنه يلقي وجهة نظره علي الجملة، وينتظر رد الفعل - بعد ذلك- في فضاء الحوار، وعلي الجملة أيضاً. أينعم يجئ الاشتباك الحواري النصي في تفصيلات وأجزاء هنا وهناك، ولكن العملية كلها تكون في إطار كلي يتساوق مع منطق الكتاب (كمطبوع)، واندماج أجزائه، وتفاعلات وقائعه وأحداثه (كموضوع). وهكذا نظرت إلي نصه الجديد: (الصعود والسقوط.. من المنصة إلي المحكمة) -الذي صدر قبل أسابيع- علي أنه -بالقطع- ليس »مجرد حكاية« يروي فيها الأستاذ صلاح قصة مجد وعار حسني مبارك بكل ما فيها من تجليات وعظات وعبر، ولكنه عملية كبيرة لتفسير ما جري، أو هو تقرير طويل في العمق REPORT-IN-DEPTH يعني بالخلفيات، ويتكئ علي خليط من الشهادات الحية والوثائق. وقبلما أعرض لبعض ما ورد في ذلك النص المهم ربما أشير إلي كونه أنموذجاً لتنويع استخدام الكاتب للمصدر الميت (الأرشيف والوثائق)، والمصادر الحية المتمثلة في الشهادات والإفادات والانطباعات الطازجة، وهو ما يهمني أن يتعرف عليه شباب الصحفيين الذين يحتاجون إلي استكمال معارفهم المهنية وأدواتهم، والذين لم يجهد أحد نفسه في تعليمهم بجرائدهم حيث يعملون، إما لجهل القيادات، أو لإنعدام رغباتهم في الارتقاء المهني بالأجيال الجديدة، ونقل الخبرة إليهم. نهايته.. فإن كاتبنا الكبير قدم لنا ما ليس »مجرد حكاية« في عشرة فصول اختتمها بملحق وثائقي ضم نصوص خطابات الرئيس السابق خلال أزمة خلعه، وتقرير لجنة تقصي الحقائق حول أحداث ثورة 52 يناير، أو المطالب المدونة للشباب في ميدان التحرير، أو يوميات ثورة 52 يناير 1102 الصادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات، ووثيقة تخلي حسني مبارك عن الرئاسة، وبيانات القوات المسلحة التاريخية. وتقلبت موضوعات فصول المتن بين رصد لوقائع الثورة والمحاكمة، واسترجاع لمقدمات الحدث، والمراكمات التي أفضت إليه.. وكانت عناوين فصول النص هي: (يوم سقط النظام - شاوشيسكو علي أبواب القصر - شباب الثورة في الميدان - الطريق إلي القمة - بين الحكم والأمن - 8 رؤساء للوزراء في 03 سنة- الطريق إلي ميدان التحرير - تصدير الغاز الباب السري لتبديد ثروة شعب - الطريق إلي طرة - مبارك علي سرير في قفص). وقام الأستاذ صلاح منتصر بتبويب تلك الفصول (موضوعياً) وليس (زمنياً) يعني لم يلتزم التوالي التاريخي للأحداث، ولكنه انتهج عرض الوقائع والشهادات المرتبطة بموضوع كل فصل. وهو في تلك العملية لا يغفل ذكر بعض الانطباعات الصغيرة التي تعكس وجهة نظره، كمثل إشارته إلي مفارقة انجاز رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف للتوسع في صناعة الاتصالات والمعلومات وهي التي كانت أداة الثورة الأولي والأساسية، أو الاشارة إلي واقعة تنصت الرئيس السابق علي التليفون أثناء التحويل قبل ان يرد، أو الاشارة إلي عناد مبارك الذي أفقده السمع باحدي أذنيه، وكذلك وفاة أبيه بعد التسعين وفي حادث، والاشارة إلي يقين مبارك أن حياته ستمتد طويلاً. هي تبدو تفاصيل طريفة، ولكن دلالاتها، والطريقة التي نثر الكاتب سطورها وسط المتن جعلت منها لمسات بالغة الأهمية في رسم بورتريه مبارك، أو الاشارة إلي بعض توافقات الصدف التي حددت ملامح عهده. وعلي الضفة الأخري للنهر فإن كتاب صلاح منتصر يكتسب وزناً وأرجحية إضافيين من عدة نقاط أوجزها في الآتي: أولاً: إن أحدا لم يهتم بتوثيق وتفسير وقائع تاريخنا المعاصر لحظة حدوثها أي وقت تدفق الوقائع وحركتها، وإنما ينتظر كل إلي حين مرور الحدث وانقضائه، ثم يبدأ في التعرض له وتحليله في ضوء تأثيره علي محيط الكاتب، وربما مصالحه، وأهوائه وأغراضه، فتأتي معظم النصوص تعبيراً عن مزاج سياسي لصاحب القلم، وتخاصم الواقع والصدقية، وهو ما خلا منه كتاب (الصعود والسقوط) إلي حد بعيد. ثانياً: ان الكاتب لم يكتف بالوقائع السياسية المباشرة في روايته لقصة الثورة (ما سبقها وما تلاها)، ولكنه - في صوغه موزاييك أو فسيفساء رؤيته التجأ إلي جمع وعرض كل ما يمكن الاعتماد عليه في التعرف علي طقس الحدث، ومن ذلك رصده للنكات -التي سجلها الشباب علي النت وقت الثورة- وقد استهواني تماماً هذا الملمح في نص الأستاذ منتصر، إذ يدخل في صميم دراستي للفكاهة السياسية المصرية ودلالاتها في إطار السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي والنفسي الذي جاءت فيه. ثالثاً: تبدو ثلاثية (الشهادة الحية + تاريخ صاحبها + تدقيق المعلومات عبر عدة مصادر) هي الشكل الأكثر تكراراً في هذا الكتاب وهو ما زاد من تشويق النص وانقرائيته علي نحو كبير، فهو يسرد -أولاً- الشهادة، ثم يحكي لنا عن شخصية من أدلي بها في سلاسل من الوقائع التاريخية ذات الصلة بموضوع الشهادة، وأخيراً يقوم بتحقيق الشهادة وتدقيقها عبر عدد من الوسائط، الأرشيفية، أو الشهادات الحية لأطراف الواقعة الآخرين. ............... إلي ذلك فإن اختيار الكاتب للوقائع التاريخية أو الآنية التي صاغ منها نصه كان أكثر الملامح ذكاء في هذا العمل (البحثي/ الصحفي) وهو ما يبدو في قصة الوزير منصور حسن (رئيس المجلس الاستشاري حالياً) إذ كان ذلك الرجل -تقريباً- هو عقدة حياة مبارك، كما تناول الكاتب حكاية وزراء الثروة والسلطة (احدي بوابات سقوط النظام) علي نحو بديع، وكذا قصة مصنع أجريوم التي ربطها بالمنظومة الاجمالية للفساد فيما يخص بيع الغاز، كما تناول حكاية خالد سعيد و6 أبريل، وتحول سوزان ثابت إلي دولة موازية، والقصة الكاملة لعلاقة مبارك وحسين سالم، ورصع تلك الشقفات المعلوماتية - مرة أخري- بانطباعاته الذكية عن بعض الأحداث، مثل تصفيق نواب الإخوان المسلمين وقوفاً لإعلان مبارك استمراره في الحكم في خطابه بمجلس الشعب في إطار تناول الكتاب قضية التوريث والتمديد. نص الأستاذ صلاح منتصر توصيف سوف تبني عليه عشرات النصوص تناولها لحكم مبارك ولحدث الثورة، وهو أخطر بكثير من أن ينظر إليه البعض بوصفه: (مجرد حكاية)!