الحضارة المصرية يراها العالم بأسره عبر إرث ثقافى ممتد متصل، مما يدل على غور التاريخ، وتوظيف مهارات الإبداع والابتكار؛ ومن ثم تقوم فلسفة معرض الكتاب على وجودية الثقافة، ومعيار التمدن المتجذر من رحم الرقى الفكرى، وهنا نبحث عن بوتقة المعرفة، التى بها تقاس نهضة الأمم، ووعى الشعوب، وازدهار الأوطان، ورفعة المقام، وبعد الرؤى فى مجالاتها المختلفة؛ فمن يمتلك أدواتها يعيش مطمئنًا قار النفس هادئ السريرة؛ كونه لا يخشى من جهالة الفكر، أو تطرف الفكرة، أو الانحراف عن المسار القويم؛ فقد أضحت بنية العلم جدارًا منيعًا ضد كل من ينادى بدعوات الجاهلية، ومن يمتطى ركاب التخلف. الفهم والدراية والإدراك تتأتّى جميعها من دوائر الاطلاع؛ لذا باتت طقوس إحياء المعرفة أمرًا لزامًا لكل وطن يستهدف بناء إنسان صاحب فكر قويم، ورأى سديد، وطرح رشيد، وهنا نبحث سويًا عما يعرف بالتجديد، عبر بوابة المعرض الدولى للكتاب؛ لنطوف بمتلون فنون الثقافة، ونستغل هذا التجمع المبهر فى نشر سجايا أفكار ملهمة، من خلال أصحاب الخبرة والمربين والمتخصصين، ومن يمتلكون الريادة فى مجالاتهم النوعية؛ ومن ثم يجد كل منا ما يبحث عنه، وما يغذى به وجدانه، وما يدخل على فؤاده البهجة والسرور؛ فما أجمل ملتقيات تجمعت حول موائد العلم والمعرفة.
صرح معرض الكتاب المصرى أرقى ما يقوم عليه التعددية؛ فهناك من يتقصى الجديد فى مجاله، وآخر يمحص ما بين الفنون لينهل ما يروق له، ناهيك عمن يرغب فى مناقشة فكرة من خلال فيض أطروحات تناولتها؛ لذا أضحى المحفل الثقافى يتسم بالشمولية، ويوصف بالتكامل فى مجمله؛ فلا يخرج الفرد من باب المهرجان الفكرى إلا ووجد ضالته، وارتشف من فيض عطاء الآخرين؛ ومن ثم يحدث المراد؛ حيث خصوبة الفكر، وتنمية الفكرة؛ لتصبح ثمرة ناضجة، وهنا ندرك دور الموئل فى صناعة القارئ الشغوف لدروب المعرفة وصورها المختلفة.
العرس الثقافى بوطننا الحبيب يرسخ مفاهيم كبرى، يأتى فى مقدمتها الانفتاح على الآخر ثقافيًا، وديمومة العطاء الفكرى، وإثراء العقول بفيض غرس ثمين، ناهيك عن دوائر النقاش والحوار البناء، المؤكد على ديمقراطية الرأى فى إطاره المسؤول، وحرية الكلمة فى سياجها المنيع، وهذا يؤكد الأثر القيمى المتمثل فى صناعة القارئ، وهنا يصبح الكرنفال الورقى بمثابة القوة الناعمة المتضمنة مسارات التعليم المستمر، والثقافة الوسطية، والفنون الراقية، وبناءً عليه يعد المُلتقى الحضارى سلاحاً يسهم فى تفكيك صور الأيديولوجيات المتطرفة لأفكار غير قويمة.
لدى أطروحات قد تسهم فى زيادة فاعلية المنتدى الثقافى، قد يكون منها تخصيص منبر للجمهور فى اختيار المتحدثين عبر آليات التصويت للزوار، أو من خلال تطبيق تفاعلى للمعرض؛ لتصبح الندوات واللقاءات تفاعلية، وتحوز اهتمام شريحة كبرى من المهتمين بأرض المعرض المصري؛ ومن ثم تبدو المحاضرة كمناظرة ثرية تؤكد على قوامة الرأى، وتوضيح وجهات النظر، وإثراء الفكر، وتعظيم المعرفة القويمة، وأعتقد أن تجارب الآخرين فى شتى المجالات تنال رضا المزاج العام بالموسم الثقافي؛ فمرتادى هذا الصرح يتطلعون لرؤية ومشاهدة كل جديد من حيث المحتوى والفاعليات الثقافية.
ما أجمل من تفاعل شمولى، عبر ربط تقنى يبث فعاليات هذا الملتقى الثقافى لمؤسسات بناء الفكر المتمثلة فى الجامعات المصرية، وقصور الثقافة فى أقاليم الوطن الحبيب، وهذا يجعلنا أكثر تفاؤلًا؛ إذ يمكن أن تحدث نقاشات منظمة بين المتابعين ومركز اللقاء؛ فنحصد ثمارًا يانعة، ناهيك عن أفكار بناءة تسهم فى جذب شريحة الشباب المصرى والعربى لدوائر المحادثات، حول قضايا محل اهتماماتهم، ونتوقع سيلاً جارفاً من الإلهام ينهمر من خلال تلك المنصات التفاعلية، تسجل وتدرس وتؤخذ بعين الاعتبار.. ودى ومحبتى لوطنى وللجميع.