انتهاء أعمال الصيانة وعودة ضخ المياه تدريجيًا لمناطق الجيزة وقرية البراجيل    المركزي للإحصاء يعلن اليوم معدل التضخم في مصر لشهر ديسمبر 2025    سنسيطر عليها سواء أعجبهم أم لا، ترامب يكشف سبب إصراره على امتلاك جرينلاند (فيديو)    طقس الأسبوع: انخفاض درجات الحرارة وأمطار متفرقة من الأحد إلى الخميس    الشوط الأول:؛ دون تشويش بث مباشر.. مباراة الجزائر × نيجيريا | Algeria vs Nigeria في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    تعرف علي القنوات الناقلة والمفتوحة لمباراة مصر وكوت ديفوار    مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو لإجراء تحقيق في أحداث الاحتجاجات بإيران    17 مكرمًا و15 عرضًا مسرحيً| اليوم.. انطلاق الدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي بالقاهرة    بداية ساخنة ل2026.. دخول الذكاء الاصطناعي كل أركان صناعة الترفيه    مجمع البحوث: 90% من المتسولين لا يستحقون الصدقة    هل يجوز قتل القطط والكلاب الضالة؟ دار الإفتاء تحسم الجدل    تحذير أزهري: التنجيم والأبراج كهانة معاصرة تهدم الإيمان وتضلل العقول    رحلة شاقة تبدأ قبل العام الجديد ب10 شهور.. البحث عن مدرسة    الصين ترد على افتراءات وزير بإقليم "صومالي لاند": مهما فعلتم لن تستطيعوا تغيير الحقيقة    العريس فر بعروسته.. بعد قتله طفلة أثناء الاحتفال بفرحه    «سيادة جرينلاند».. تدفع أوروبا إلى التكاتف ضد ترامب    يورجن شولتس سفير ألمانيا بالقاهرة: برلين خامس أكبر شريك تجاري لمصر| حوار    تسلل الرعب لصفوف الجماعة.. حملة اعتقالات في تركيا لعناصر إخوانية مصرية    منتخب مصر يختتم استعداداته لمواجهة كوت ديفوار.. وتريزيجيه يشارك في التدريبات الجماعية    تحالف ثلاثي، رئيسة فنزويلا المؤقتة تكشف نهجها لمواجهة "العدوان الأمريكي"    الصحة توفر الأمصال العلاجية مجانًا عبر مستشفياتها ووحداتها الصحية    «المالية»: تحقيق فائض أولى 383 مليار جنيه خلال 6 أشهر    الخطيب: نبنى بيئة أعمال تنافسية تحفز القطاع الخاص.. وتجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة    صرف مساعدات لأسر الضحايا.. وزيرة التضامن تتابع تداعيات حادث صحراوي المنيا    11 جثة و9 مصابين.. ننشر أسماء ضحايا حادث التصادم بصحراوي المنيا    مصرع شخص أصيب بحجر طائش أثناء مشاجرة بين طرفين بقليوب    السكوت عن الدجالين جريمة| محمد موسى يفتح النار على «دكاترة السوشيال ميديا» المزيفين    شرخ فى الجمجمة.. تفاصيل واقعة سقوط قالب طوب على طفل 14 عاما في شبين القناطر    «الأعلى للإعلام» يحذف حلقة برنامج شهير لمخالفته لمعايير حماية الطفل    مصلحة الجمارك تطلق منظومة شكاوي الجمارك المصرية عبر الإنترنت    زياد ظاظا: «يزن» يشبه جيلى.. والتمثيل حلم لم يسرقه «الراب»    بعضًا من الخوف    وزير الزراعة: سعر الكتكوت ارتفع من 8 ل35 جنيهًا وكلا السعرين غير عادل    كأس عاصمة مصر – الثانية للأبيض.. مصطفى شهدي حكما لمباراة الزمالك ضد زد    صلاح يطارد دياز، ترتيب هدافي كأس أمم إفريقيا 2025    أمم إفريقيا - أزمات نيجيريا في البطولات الكبرى لأنهم "على دراية بالتاريخ"    المهلبية بالبسكويت.. حلى سهل بطعم مميز    الأوروبيون بين القلق والانقسام بسبب سياسات ترامب    موعد مباراة الجزائر ونيجيريا في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 والقنوات الناقلة    "أنا مش عارف أشتغل".. محمد موسى يهدد بإنهاء الحلقة بعد خناقة على الهواء    المطرب شهاب الأمير يشعل استوديو "خط أحمر" بأغنية "حد ينسى قلبه"    المطرب شهاب الأمير يفتح النار على أغاني المهرجانات: ليست فنًا حقيقيًا    كونسيساو يشيد بأداء الاتحاد في رباعية الخلود ويرفض الحديث عن الصفقات    مسؤول سابق بالبنتاجون: ترامب يعتبر نفسه رئيسًا فوق القانون    سيدتان تقتلان سيدة مسنة لسرقة مشغولاتها الذهبية بالفيوم    أوضاع مأساوية في جنوب كردفان... 300 ألف شخص يعانون نقص الغذاء بسبب الحصار    شعبة مخابز الدقهلية تؤكد التزامها بمواعيد العمل الرسمية    أول امرأة تتقلد المنصب، المستشارة يمني بدير مساعدًا لرئيس هيئة قضايا الدولة    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    التركيبة الكاملة لمجلس النواب| إنفوجراف    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    حافظوا على وحدتكم    إعلاميون: أمامنا تحدٍ كبير فى مواجهة الذكاء الاصطناعى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حكايات يرويها سكرتيره وحارسه وأشقاؤه جمال.. زعيم بدرجة مواطن بسيط
14 عاما علي رحيل الزعيم يعيش جمال عبدالناصر
نشر في الأخبار يوم 27 - 09 - 2011

لم يكن يحتفظ بنقود في جيبه.. وكنا نحن الذين نصرف علي البيت!
طلبنا له علاوة -دون علمه- لمساعدته في تحمل نفقات المعيشة!
كان يجد المتعة في قيادة سيارته بنفسه.. ورؤية المواطنين في الشارع!
يهتم التاريخ »بالفعل«.. وتهتم الصحافة »بالفاعل«!
وهذه -ولاشك- قسمة ظالمة.. فلا فعل بدون فاعل.. كما انه لا فاعل بدون فعل.
وفي كتاب »مصر« الذي يروي فصولا من تاريخها الحديث. نجد الكلام متواصلا. بل معادا ومكررا. عن »الثورة«.. دون الكلام عن »الثائر«.. وكأنها كانت نبتا شيطانيا انشقت عنه الارض تحت اقدامنا ذات يوم.. فجأة وبدون مقدمات سابقة!
لم يكن عبدالناصر من الذين يقبلون القسمة.. ظل منحازا للفقراء فعاش حياتهم.. كان في بيته مواطنا عاديا. مثل أي مواطن مصري ينتمي الي الطبقة الوسطي أو حتي يتطلع للانتماء عليها.
نأي بنفسه عن ترف الاثرياء. والزعماء والمشاهير. وظل يقيم في بيت سبقه للاقامة فيه ناظر المدرسة الثانوية العسكرية بحي العباسية. كره حياة القصور والمتاهة في دهاليزها.
يقول محمود فهيم سكرتيره وحارسه الخاص.. حين كنت في طريقي من الاسكندرية الي بيت عبدالناصر لاستلم عملي فيه لأول مرة. كنت اتخيله قصرا أو منزلا فخما يليق باسم عبدالناصر الذي كانت اصداؤه تتردد في جنبات الكون كله.. ولكني فوجئت ببيت متواضع »اقرب ما يكون الي دوار »العمدة« أو شيخ الغفر في احدي القري المصرية.. وحين سألت عرفت انه كان مجرد استراحة لمدير المدرسة الثانوية العسكرية. وقد اختاره عبدالناصر ليقيم فيه بعد ان أصبح رئيسا لمصر. دون أن يضيف اليه اية تحسينات تناسب وضعه الجديد. وحين فاتحت الرئيس في هذا الامر وطلبت منه ان ينتقل الي بيت افضل يليق به. رفض ان اتحدث معه مرة أخري في هذا الشأن.
ولكن بعد أن كثرت زيارت زعماء العالم ورؤساء الدول الي بيت عبدالناصر. بدأ يقتنع بان البيت اضيق من ان يتسع لهذا العدد الكبير من الوفود الزائرة مما كان يسبب لنا وله الاحراج في كثير من الاحيان امام زائريه من الاجانب.. فطلب من الاشغال العسكرية ان تجري بعض التوسعات به. دون ان يزودنا باية تعليمات أو طلبات خاصة.
ذهب الرئيس للاقامة مع أولاده في قصر الطاهرة. ريثما ينتهي العمل في بيته بمنشية البكري. وكان طول فترة اقامته بالقصر دائم السؤال عن موعد الانتهاء من ذلك.. وذات يوم -كما يقول محمود فهيم - وجدت الرئيس في غاية الضيق والتبرم.. وحين سألته عن السبب.. قال لي: انا مخنوق هنا يا فهيم مش عارف انام زي الأول. وخايف علي العيال ياخدوا علي حياة القصور لانهم هيطلعوا من عامة الشعب!!
وذات يوم من أيام اقامته بقصر الطاهرة. طلب مني ان اذهب الي الطباخين لأخبرهم ان الرئيس لا يريد لحوما مشوية أو محمرة. وانه لا يريد سوي صنف واحد علي الغداء.. وفي العشاء لا يريد سوي الجبن والزيتون فقط.
يقول سكرتيره الخاص ان عبدالناصر لم يكن من النوع »الاكول«.. وقد تصور الطباخون ان انتقاله الي القصر سوف يغير من عاداته في الطعام لتتناسب مع حياة القصور الضخمة. فاخذوا يعدون له اصنافا كثيرة من انواع الطعام الفخمة التي لم يكن قد اعتاد عليها في بيته. وخشي ان يكلمهم بنفسه فيشعرون انه غير راض عنهم. فطلب مني ان احمل رسالته اليهم حتي لا يجرح مشاعرهم!!
يقول محمود فهيم ان عبدالناصر كثيرا ما كان يتشوق للعودة الي حياته الطبيعية يوم ان كان مجرد ضابط بالقوات المسلحة. فكان يطلب مني ان نخرج في سيارته الخاصة »لنتمشي شوية« وكان يقود السيارة بنفسه وكنت اجلس بجواره. ينظر في وجوه الناس بالشارع ليلتمس مدي شعورهم بالرضا.. وحين كان الناس يتنبهون لوجوده بينهم كانوا يتزاحمون حوله.. فكان يشعر بالضيق ويقرر العودة الي البيت.
كان يريد الاستمتاع بلحظة انه واحد من الناس.. ولكن الناس انفسهم هم الذين كانوا يفسدون عليه هذه اللحظة. وكأنهم لا يريدون ان يصدقوا انه واحد منهم!
ذات يوم -كما يقول محمود فهيم- كنا نتمشي في احد الشوارع بالاسكندرية. وفجأة ظهرت امامنا عربية »كارو« يجرها حمار.. قطعت علينا الطريق. فطلبت من الرئيس ان يوقف السيارة بسرعة فأحدث صوتا مزعجا. تسبب في اضطراب الحمار وصاحبه.. ووجدت الرئيس يطل من نافذة السيارة ويعتذر للرجل بالرغم من انه كان هو المخطيء!
وفي احدي المرات -كما يتذكر فهيم- كنا ذاهبين الي الاسكندرية بالطريق الصحراوي. كان عبدالحكيم عامر يرافقه في سيارته. بينما كنت انا في سيارة الحرس خلفهما.. وعند مدخل الاسكندرية اوقفنا واحد من عساكر المرور. ثم اخذ يدور حول السيارة »الكاديلاك« التي يركبها عبدالناصر واخذ يتفرسها بطريقة تنم عن الشك في اصحابها.. فنزلت من السيارة فورا وتقدمت من العسكري لانهره، ولكن عبدالناصر اوقفني باشارة من يده. ثم قال لي.. »خد اسمه« وهنا انتبه العسكري حين نظر فجأة الي داخل السيارة فوجد عبدالناصر وعبدالحكيم.
تركنا العسكري علي حاله ومضينا في طريقنا. وقبل ان نقطع خمسين مترا وجدت عبدالناصر يوقف سيارته فجأة ليطلب مني ان اعود الي العسكري واطمئنه »لان العسكري الغلبان مش هينام الليلة دي«!!
قال ذلك ثم مضي في طريقه!
كان محمود فهيم يروي لي هذه المواقف في حياة عبدالناصر.. ولو كان يرويها لشخص غيري لما صدق الرجل في كلمة قالها. فقد تعرضت انا نفسي لواحد من تلك المواقف التي رأيت فيها »الريس« وهو يقود سيارته بنفسه بالقرب من منزله بمنشية البكري.. ففي ذات ليلة من ليالي شهر يوليو الحارة عام 07 وقبل وفاته بشهرين فقط كنت مع مجموعة من زملائي من طلاب جامعة القاهرة ابناء مدن القناة في زيارة لعدد من اصدقائنا في المدينة الجامعية لطلاب جامعة عين شمس المجاورة لمنزله.. وبعد انتهاء الزيارة خرج معنا هؤلاء ليطمئنوا علي ركوبنا الاتوبيس المتجه للمدينة الجامعية بالجيزة . كان عددنا يربو علي العشرين طالبا نسير في الشارع وحدنا. فإذا بسيارة قادمة من الخلف تحثنا علي اخلاء الطريق لتمر. فتلكأنا في ذلك قليلا نظرا لكثرة عددنا.. وحين وصلتنا السيارة نظرنا في داخلها لنستطلع امر هذا السائق الذي جاء ليفرقنا في عجلة من امره.. فوجدناه جمال عبدالناصر الذي ماكدنا نراه حتي قفزنا امام السيارة وفوقها في حالة اشبه بالهستيريا لم يجد الريس بدا من الوقوف ونزل من السيارة ليسألنا كأب عن سبب وجودنا هنا في هذه الساعة المتأخرة من الليل.. وحين عرف اننا جميعا من ابناء القناة وطلاب في الجامعة . سألنا عن احوالنا وعن مشكلاتنا في الهجرة. ثم اعتذر لنا عن تأخره في تحرير الارض لنعود الي ديارنا وحين طلبنا منه ان يسمح لنا بالتطوع في الجيش والتخلي عن دراستنا الجامعية. لنحرر ارضنا بأنفسنا رفض ذلك منا قائلا: نحن لانحارب اسرائيل بالمدفع والطائرة فقط.. ولكن بالعلم والمتعلمين وكل خريج ينضم الي قواتنا المسلحة يجعل فرصتنا اقرب الي النصر.
هذا هو عبدالناصر الذي كان يجد متعة في ان يقود سيارته بنفسه مثل اي مواطن. كما كان يحب مخالطة الناس البسطاء والتحدث معهم دون تكلف او تعال. فإذا كان محمود فهيم قد افاض معي في ذكر مثل تلك المواقف التي يصور لنا فيها عبدالناصر مواطنا عاديا. فهو يتحدث عن رجل عرفناه جميعا هكذا.. ورآه الكثيرون منا بينهم لا يختلف عن واحد منهم إلا في الاسم.. اسمه عبدالناصر زعيم بدرجة مواطن!!
يواصل محمود فهيم ذكرياته معي عن هذا المواطن.. فيقول انه لم يكن في بيت عبدالناصر سوي طباخ واحد ومساعد له. كان المطبخ في منزله صغيرا ولا يتسع لأكثر من هذا العدد. كما ان الكميات التي تعد له كانت قليلة تكفي الرئيس وأولاده بالكاد.
كانت السيدة الجليلة »تحية كاظم« زوجة الرئيس تشرف بنفسها علي إعداد الطعام. كما كانت تشرف علي نظافة المطبخ والطباخين. وكانت توصي يوميا بأنواع الطعام المطلوبة، وتقدم بها قائمة كل صباح للموظف المسئول عن المشتريات ببيت الرئيس وكان اسمه »حامد داود« فيحمل القائمة المطلوبة ويذهب إلي السوق لشراء ما تتضمنه من أشياء.
أذكر انه جاء لي ذات يوم يقول فهيم وكنا بالإسكندرية.. وقال لي ان »الست« طلبت منه ان يشتري نصف كيلو سمك »بربون«.. وهو نوع من الأسماك كان الرئيس يفضله.. وسألت حامد داود مندهشا. وماذا في ذلك؟ فقال لي ان بائع السمك يعرفه. ويعرف انه يعمل في بيت الرئيس. وان السمك لابد أن يكون لبيت الرئيس. فكيف أطلب منه شراء نصف كيلو فقط؟! قلت له اذهب ونفذ التعليمات ولا شأن لك بذلك.. فذهب حامد داود وهو متضايق!!
علاوة علي مرتب الرئيس!
هل يتصور أحدكم ان عبدالناصر يمكن أن يشكو من قلة مرتبه الذي لم يعد يكفي القيام بأعبائه العائلية؟!
يقول محمود فهيم ان مرتب عبدالناصر كرئيس للجمهورية لا يزيد علي خمسة آلاف جنيه في العام. بواقع 054 جنيها شهريا.. ولكن مع زيادة أعبائه بسبب كثرة الضيوف والزوار لبيته. طلبنا عمل بند خاص للضيافة والمناسبات دون أن يعلم الرئيس بذلك وقد تمت الموافقة علي ذلك بالفعل حتي لا تصبح الضيافة علي كثرتها عبئا علي مرتب الرئيس المخصص له ولأولاده.
كان محمد أحمد يوقع بالاستلام علي مرتبه شهريا.. ولم يكن من عادة الرئيس ان يحتفظ بنقود خاصة في جيبه وكنا نحن المتصرفين في مرتبه ومصروف البيت. ونعد الفواتير بكل ما يلزمه من مشتريات.
كان عبدالناصر يقدم بعض المساعدات المالية لبعض أقاربه من المحتاجين. كما كان يقوم بمساعدة بعض العاملين عنده بالبيت في المناسبات الخاصة مثل زواج الأبناء إلي غير ذلك. كان أكبر مرتب يتقاضاه الواحد منا نحن العاملين ببيته لا يزيد علي الثلاثين جنيها.
ولد صايع ومتشرد!
لم تكن الثورة أو التمرد حالة طارئة علي شخصية عبدالناصر. فقد كانت الثورة توأمه. منذ ان بدأ وعيه علي الدنيا وقد حكي لي شقيقه مصطفي كيف كان شقيقه الأكبر جمال مهددا بالفصل من الدراسة وانهاء حياته الدراسية مبكرا بسبب الثورة التي قادها وهو لايزال طالبا في المدرسة الثانوية.
يقول مصطفي عبدالناصر.. كنت مع والدي في البيت بالإسكندرية حين دخل علينا أحد الجيران ليخبرنا بأن الجيش قام بحركة تمرد ضد الملك. فقال والدي »الحمد لله ان جمال بعيد عن الجيش«. وكان جمال بالفعل في هذه الفترة بعيدا عن التشكيلات العسكرية. فكان يعمل بسلك التدريس بكلية أركان الحرب، وحينما نشرت الصحف في اليوم التالي صورة أعضاء مجلس الثورة. كان جمال في مقدمتها قائدا للتنظيم. قال والدي معلقا: في نبرة لا تخلو من الأسف »تاني جمال«؟! كان والدي يقصد أن جمال كان قد فصل من المدرسة الثانوية بسبب قيادته للمظاهرات بها، وكان والدي يخشي أن يفصل من الجيش أيضا بسبب قيامه بحركة التمرد ضد الملك!
ويواصل مصطفي عبدالناصر قائلا: من الطريف انني حملت نسخة الجريدة المنشور بها صورة أعضاء مجلس الثورة وتوجهت إلي القاهرة. وفي انتظار القطار علي رصيف المحطة قابلت شخصا عرفته علي الفور. فقد كان ناظر المدرسة الثانوية التي فصل منها جمال بسبب اشتغاله بالسياسة. وحينما هدد زملاؤه بحرق المدرسة اضطر هذا الناظر لإعادته.
حين قابلته علي رصيف المحطة. سألته: هل تذكر طالبا كان عندك بالمدرسة اسمه جمال عبدالناصر؟.. فقال أذكره طبعا.. كيف أنسي هذا الطالب المشاغب العنيد.. فسألته: هل تعرف أين هو الآن؟.. فأجاب علي الفور.. وأين يكون أمثاله.. لابد انه الآن صايع ومتشرد!!
سكت ولم أشأ أن أحرج الرجل بذكر الحقيقة أمامه!
في حديثه معي أخذ مصطفي عبدالناصر وكل اخوته الذين قابلتهم يسردون بعض الحوادث والأسرار الشخصية أو العائلية.. لأنهم كانوا يؤمنون بأن ما يعتبر من الخصوصيات كشخص عادي.. هو من العموميات لشخص عام مثل جمال عبدالناصر.. الذي لم يكتف بتأميم الشركات والمصانع والهيئات.. بل قام بتأميم حياته الخاصة.. فأصبحت ملكا للأمة!
كان جمال عبدالناصر متسقا مع الشعارات العامة التي يرفعها.. فقد كان بيته الذي يسكن فيه. ملكا للدولة. حتي الكرسي الذي كان يجلس عليه كان ملكا للناس. ولم يكن له فيه من الحق أكثر مما هو لأي شخص آخر في طول البلاد وعرضها.. ولذا فإن الحديث عن عبدالناصر في بيته ليس حديثا خاصا.. ولكنه حديث عام.. له من العموم ما كان لعبدالناصر نفسه!
الباشا.. جمال!
يتحدث مصطفي عبدالناصر عن شخصية شقيقه الأكبر قائلا: كان جمال في حياته الخاصة شخصا عاديا.. لم يكن متجهما أو حاد الطباع أو انطوائيا.. بل كان اجتماعيا وله الكثير من الأصدقاء الذين يتبادل معهم الحوار والنقاش في المسائل العامة والخاصة. وكان يقرأ كثيرا. ويحب الذهاب إلي السينما. ويستمع إلي أغاني عبدالوهاب وأم كلثوم. ويردد بعضها في وحدته. كما كان يتبادل النكات والقفشات مع أصدقائه في مرح بغير ابتذال. ولكن الصفة التي تغلب عليه هي الجدية والعمق لهذا كان محترما وسط الجميع. وزعيما منذ الصغر حتي في أسرته الصغيرة. فكنا نناديه جميعا »سي جمال« تعبيرا عن احترامنا واكبارنا له. فقد كان أبا آخر في حياة أبينا. حتي لاخوته الذين يكبرونه. كذلك كان عطوفا علينا متجاوبا مع مشكلاتنا الخاصة. مشاركا في حلها. كان والدي كثيرا من الدعاء له قائلا: ربنا يعيده لنا بالسلامة وأعيش وأشوفه »باشا«.. كان جمال في ذلك الوقت مشاركا في حرب فلسطين. وكان من المعروف في تلك الفترة أن ضباط الجيش حين يصلون إلي رتبة اللواء يحصلون علي لقب »باشا« تلقائيا دون انعام ملكي، فكان أقصي ما يتمناه والدي له هو ان يظل حيا. وأن يظل جمال بالجيش حتي يصل إلي رتبة لواء التي تمنحه لقب باشا.. وحين قامت الثورة سارع جمال بإلغاء الرتب والألقاب وكل الامتيازات الطبقية التي تميز بين المواطنين.. وأولها بطبيعة الحال لقب »الباشا« الذي كان والدي يتمني ان يناديه الناس به!!
وقد روت لي السيدة عايدة عبدالناصر شقيقته الوحيدة ان عمرها كان لا يتجاوز ال61 عاما حين تقدم لخطبتها لأول مرة.. وقد رأه والدها مناسبا لها. فذهب إلي اخيها الأكبر جمال. ليفاتحه في الأمر. فقال له »عايدة لسه صغيرة علي الجواز« ولكن الدها قال ما يقوله كل أب في سنه »أريد أن اطمئن عليها قبل ان أموت«!
وافق جمال علي مضض ولكنه رفض حضور الفرح لأن البلد في تلك الأيام كان يعيش أحزان النكسة. قال لأبيها مبررا عدم الحضور.. لو ان أحدا من أبنائي كان قد مات في الحرب هل كنت تقبل أن تقيم حفلا لزواج اخته. فقال الوالد »لا بطبيعة الحال«.. فقال جمال ان كل الذين ماتوا في الحرب هم أبنائي فلن أحضر الفرح كما أنكم لن تقيموا حفلا من الأساس. أريده لقاء عائليا ليس إلا.. بدون طبل وزمر!
تقول عايدة: لقد حدث ذلك بالفعل. رغم انني كنت اخته الوحيدة. وكان هو بمثابة والدي فعمري من عمر ابنته هدي. وبعد الفرح لم يأت هو لزيارتنا. بل ذهبت إليه أنا وعريسي إلي المنزل بسبب انشغاله في إعداد الجيش للحرب. فاعتذر لزوجي عن عدم حضوره الفرح. ولم ينس أن »ينقطنا« كأي أخ..!!
هل رأيتم في كل تلك القصص والمواقف. زعيما اسمه جمال عبدالناصر. أم رأيتم شخصا عاديا. ومواطنا مثل زي مواطن من حولكم. هكذا كان عبدالناصر دائما.. زعيما بدرجة مواطن عادي. رحم الله عبدالناصر.. بل رحمنا الله من بعده!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.