لم يكن غريبا أن تحدث المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس بقدر ما كانت المفاجأة من حدوثها بهذه السرعة والسلاسة وهي التي ظلت تراوح مكانها طيلة ثلاث سنوات في ظل النظام البائد فما إن سقط رأس النظام حتي تم هذا الحدث السعيد الذي أسعد الشعب الفلسطيني الذي عاني الويلات من الانقسام ومكن العدو الإسرائيلي من العربدة في الأراضي الفلسطينية وقمع الفلسطينيين في الضفة وتضييق الخناق عليهم داخل أراضيهم والإغارة علي غزة بصفة دائمة بلا رادع، وبناء المزيد من "المستعمرات" والمسمي "بالمستوطنات" والفرق بين المصطلحين لا يحتاج إلي توضيح! ماعلينا نعود لهذا الحدث السعيد الذي أسعد كل المناصرين للشعب الفلسطيني والمؤيدين لقضيته العادلة ولكن ما الارتباط بين السقوط المدوي لمبارك والمصالحة المفاجئة بين الفلسطينيين؟! الإجابة معروفة للجميع ولم تعد خافية علي أحد فلقد كان مبارك يناصب حماس العداء اعتبارها حركة إسلامية أو إنها جزء من الإخوان المسلمين الذين يكرههم ويعدهم من الأعداء الذين وجب محاربتهم حفاظا علي نظامه الفاسد وحماية لمشروع التوريث وإرضاءً لأسياده الأمريكان والصهاينة لضمان وصول الوريث إلي سدة الحكم. ولهذا كان حريصا ألا يكون لمصر أي جسور مع حماس بل الأدهي من ذلك أنه أباد الجسور التاريخية الممتدة منذ آلاف السنين بين مصر وغزة فأقام جدار الخزي والعار المسمي "بالجدار الفولازي" وسمح للكيان الصهيوني بضرب الأنفاق من علي أرض مصر الطاهرة والتي استشهد من جرائها جنود مصريون لكن لايهم فمنذ متي اهتم بالمواطن المصري المهم رضاء الباب العالي في أمريكا!، واعتقل الكثير من أعضائها وأذاقهم ويلات العذاب داخل السجون ومات بعضهم من التعذيب حتي أن أحد المفرج عنهم مؤخراً قال إنه لاقي من العذاب ما لم يلاقه في السجون الإسرائيلية!! بل أكثر من ذلك إنه تآمر مع أبومازن للقضاء نهائيا علي حماس بعد فوزها في الانتخابات التشريعية عام 2006 وحدثت تلك الأحداث المؤسفة بينهما والتي أدمت قلوبنا ولم تنجح المؤامرة علي القضاء علي حماس كما رغب الأشرار ولكنها أدت إلي الإنقسام وحصار غزة حتي يركعوها وليئن ويجوع ويصرخ مواطنوها وينقلبوا علي حماس ويلعنوا اليوم الذي انتخبوها فيه وحينما لم تفلح تلك الخطة أيضا أعطيا الضوء الأخضر لإسرائيل لشن الحرب عليها أواخر عام 2008 وأعلنتها وزيرة الخارجية الإسرائيلية "سيبي ليفني" من علي أرض مصر بعد لقائها بالرئيس المخلوع!! وحينما حدث ما لم يكن في حسبانهم وصمدت حماس طيلة الحرب التي امتدت 28 يوما ولم تنهزم ولم تستسلم وترفع الراية البيضاء فأحكموا الحصار عليها أكثر فأكثر وبني الجدار الفولازي علي الأراضي المصرية وضربت الأنفاق أيضا من الأراضي المصرية وأُغلق معبر رفح وأُذل الفلسطينيون علي أبوابه ونحن لا ننسي مشهد "إسماعيل هنية" وهو يجلس علي الدكة بعد أن سلبوا حقيبته التي تحوي أموال التبرعات التي جمعها للشعب الفلسطيني في غزة، هذا المنظر الذليل لرئيس وزراء لا يمكن أن يغيب عن الذاكرة أبداً ولكن الله سبحانه وتعالي رد له الكرة وها هو الآن يجلس مذلولاً محسورا صدقت يارب العالمين حينما قلت في كتابك الكريم وقولك الحق "يكيدون كيداً وأكيدُ كيداً«، و»إن كيدي متين« صدق الله العظيم. فكيف يكون هذا الشخص الذي يكن كل هذا العداء والبغضاء والكراهية لطرف من المتخاصمين وسيطا نزيها بينهما خاصة إذا كان الطرف الآخر يتماهي معه تماما في الفساد والخضوع التام أو الانبطاح المذل لأمريكا وإسرائيل وكلاهما صنيعة الCIA بالطبع لا يمكن أن تستقيم الأمور علي هذا النحو ولا يمكن أن تحدث مصالحة والتي أرادها مبارك مصالحة إذعان لحماس فما لم يستطع أخذه من الحرب أراد أخذه من المصالحة وهذا يدل علي الغباء وضيق الأفق في التفكير إذ إنه أشبه بمن يقدم علي الانتحار ولا يمكن لقوي مقاومة أن ترضخ لهذا الإذلال وهي التي نذرت نفسها للشهادة إرضاءً لله عز وجل فكان طبيعيا ومنطقيا أن تفشل المصالحة ولكن لامانع من أن تظل تترنح ثلاث سنوات بين اجتماعات هنا وهناك لاعطاء دور لمصر وكأنها مازالت تمسك أوراق المصالحة وإن كان البعض يقول إن الرئيس المخلوع قد صرح أكثر من مرة للمحيطين به بإن استمرار الاشتباكات بين حماس وفتح يشغلها عن الساحة المصرية ويساعد في استقرار البلد! نظرة ضيقة في السياسة وعدم فهم للجغرافية السياسية قزمت دور مصر التاريخي الكبير مع الأسف الشديد فكما أضاع مصر في الداخل أضاعها في الخارج أيضا !! ولكن الحمد لله فقد انقشعت الغمة وأزيح هذا الحاكم الفاسد والظالم والمستبد عن حكم مصر بفضل ثورة الشعب في 25 يناير والتي حماها الجيش وأضاءت فجرا جديدا أعادت فيه لمصر كرامتها وهيبتها في العالم كله وها هي تعيد دورها القيادي في المنطقة ولعل أولي ثماره اتمام تلك المصالحة والتي لولا وجود رجل دبلوماسي بارع يفهم أصول السياسة ويملك أدواتها الدبلوماسية مثل "د0نبيل العربي " علي رأس السياسة الخارجية، ما كانت لتتم بهذه السرعة ومازلنا ننتظر منه الكثير ونأمل منه أن يعيد العلاقات الدبلوماسية مع إيران فهو أعلم منا بمدي أهمية المصالح المشتركة بين البلدين والدور الاستراتيجي المصري في المنطقة وهو يعلم أيضا لماذا عادي النظام السابق إيران ولمصلحة مَن؟ بعيدا تماما عن المصلحة العليا لمصر ولكن هذا عهد ولي ونريد أن يولي معه كل سقطاته وجرائمه وأن تعاد البوصلة إلي قبلتها الصحيحة العدو هو إسرائيل وليس إيران. شكراً للدكتور العربي الذي أعاد رسم السياسة الخارجية المصرية إلي أصالتها بعد أن جرفها التيار الصهيوأمريكي ولخبط أوراقها فتناثرت وضاعت وبعدت عن عمقها العربي فغرقت في المستنقع القذر ويبدو أن القول الشائع "اسم علي مسمي" ينطبق عليكم. [email protected]