* لماذا الرفض الشديد من جانبك لإحالة جرائم الإرهاب المروعة إلي القضاء العسكري؟ ** لا خلاف علي الرفض التام لكل الحوادث الإرهابية التي يتعرض لها الوطن وآخرها ما تعرضت له الكنيسة البطرسية ولكن لا يجب أن نعالج الإرهاب بأعمال عنيفة وتصرفات غير قانونية ضد العدالة والمتهمين ولا يجب أن يدفعنا الإرهابيون بأعمالهم المرفوضة إلي ارتكاب أفعال حمقاء ومخالفة الدستور لأنه لو حدث ذلك فسوف يؤدي حتماً إلي انهيار العدالة التي إذا انهارت تبعها انهيار الدولة وحرصاً وحباً في هذا الوطن يجب أن نرفض الإضرار بمباديء وقواعد العدالة بإحالة قضايا الإرهاب إلي القضاء العسكري أو بتقليل الضمانات التي يحصل عليها المتهم لنيل حقوقه كاملة مهما كان فداحة الجُرم الذي ارتكبه لأن هذا يفقد الثقة في الدولة ويهددها بالسقوط حتي لو قيل إن ذلك من أجل مواجهة الإرهاب فمصر دولة عظيمة ذات شأن كبير ولا يجب أن تجعلهاحادثة عابرة تنصاع لبعض الأصوات التي تطلق صياحاً شديداً باللجوء للمحاكمات العسكرية فهذا في النهاية يعطي انطباعاً سيئاً عن أن الدولة استغلت هذا الحادث استغلالاً سيئاً لتقليص الضمانات التي تكفل المحاكمة العادلة للمتهم حتي في قضايا الإرهاب وعلينا أن نعي جميعاً أن مصر لم تتقدم ولن تقضي علي الإرهاب بالمحاكمات العسكرية ولكن تبقي باحترام دستورها وإعلاء شأن الحريات وتطبيق الثوابت القضائية والدستورية خاصة أن أحد أهم مطالب ثورة 25 يناير كانت في العدالة المنصفة مع الوضع في الاعتبار أن مواجهة الإرهاب ليست فقط عن طريق التشريعات والإجراءات الأمنية رغم أهميتها ولكنها تحتاج إلي منظومة متكاملة من جميع الجوانب فما يحدث الآن أننا نواجه الإرهابيين وليس الإرهاب. أسباب واهية * لكن هناك قطاع كبير يري أن القضاء العسكري بسرعة أحكامه الحاسمة سيكون عاملاً مهماً في استئصال الإرهاب.. فما رأيك؟ ** القضاء العسكري لن يقضي علي الإرهاب فليس معقولاً أن نستسهل الأمور ونقوم بالاعتداء علي الحريات والحد منها لأسباب واهية خاصة أن التجربة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا الأسلوب ليس هو الأسلوب الأمثل للمواجهة ومنذ فترة طويلة فسيد قطب الذي يصنفه البعض بأنه أحد الآباء الشرعيين للإرهاب منذ الستينات وإلي يومنا هذا تم محاكمته محاكمة عسكرية أمرت بإعدامه ولكن هذا لم يؤد إلي القضاء علي أفكاره الظلامية.. كذلك مبارك استخدم القضاءالعسكري لمواجهة الإرهاب في الفترة من عام 1990 إلي 1997 ولم يكن لهذا المسلك أي دخل في حصار الظاهرة والقضاء عليها في هذه الفترة.. أيضاً المتهمون في قضية عرب شركس تم عقد محاكمة عسكرية لهم لأن جرائمهم اقترنت بالاعتداء علي منشأة عسكرية ومع ذلك لم ينهي الإرهاب ولذلك علينا ألا نلجأ للمحاكمات الاستثنائية لأنها ليست الحل خاصة أن ذلك ممنوع بحكم الدستور الذي استفتي عليه الشعب والذي جاء بعد ثورتين لإعلاء شأن الحرية وتوفير الضمانات الكاملة للشخص الذي يتم محاكمته ومن ثم لا يجب أن تدفعنا حادثة حتي لو كانت بشعة فقدنا فيها أناساً أبرياء أن نتخلي عن طريقنا نحو إقامة الدولة المدنية التي يجب أن تكون هدفاً للجميع فالأحداث والظروف العابرة والتي ستنتهي عاجلاً أو آجلاً لايجب أن تكون البوصلة التي تحركنا ولكن ما يحركنا هو الرغبة في بناء وطن ديمقراطي يتم فيه احترام الدستور والقانون . قضاء نوعي * ولماذا تصف المحاكم العسكرية بأنها استثنائية رغم وجود قطاع كبير يرفض ذلك؟ ** لأنها هكذا بالفعل وفقاً لكتب الفقه القانوني والدساتير التي تصف القضاء العسكري بأنه قضاء استثنائياً وليس طبيعياً ولا مقبولاً ان دستور 1923 كان ينص علي حق المتهم في المثول أمام قاضيه الطبيعي ثم نأتي نحن في القرن الواحد والعشرين لنطالب باستخدام أساليب استثنائية ونخالف كل المواثيق والمعاهدات الدولية التي تنص علي كفالة كل الضمانات للمتهم وتذكر أيضاً أن القضاء العسكري قضاء نوعياً يختص بالعسكريين وأمور محددة وأن مثول المدنيين أمامه يمثل جريمة متكاملة الأركان وهو ما يناقض أيضاً الإعلان الدولي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحريات الذي تحدث بشكل واضح عن أن من أهم معايير العدالة أن يحاكم المتهم أمام قاضيه الطبيعي وفي المقابل لو تم محاكمة الشخص العسكري في جريمة خاصة بعمله أمام القضاء المدني فإن هذا يشكل جريمة أيضاً لأننا نجعل المتهم يمثل أمام قاض غير متخصص وهو ما يعرض حياته للخطر وهو ما ترفضه القوانين والدساتير خاصة أن ذلك الأمر سيجعل مصر تبدو في شكل الدولة المرتبكة التي تنتهك القانون والدستور وعلينا أن نعي جيداً أن التعامل مع الإرهاب لا يجب أن يقتصر علي الحلول الأمنية والقانونية ونهمل باقي الجوانب لأننا إذا اتبعنا هذا المنهج فبالتأكيد سيكون الفشل حليفنا ولن نحقق سوي اهتزاز صورة مصر وعدم القضاء علي الإرهاب في نفس الوقت. التلاعب بالألفاظ * لكن الكثير من الآراء تؤكد أن تعديل الدستور بما يسمح بمثول الإرهابيين أمام القضاء العسكري لا يمثل مخالفة فما رأيك؟ ** لقد فوجئت بحديث رئيس مجلس النواب وهو يقول إنه لو تطلب الأمر تعديل الدستور بما يسمح للقضاء العسكري بنظر جرائم الإرهاب فسوف نفعل ذلك.. وكانت المفاجأة لأن ذلك يمثل مخالفة صارخة بنص الدستور حيث ذكرت الفقرة الأخيرة من المادة 226 أنه لا يجوز تعديل المواد المتعلقة بالحريات منها بالطبع المودا المتعلقة بالقضاء العسكري ومثول المتهم أمام قاضيه الطبيعي وعلينا هنا ألا نتلاعب بالألفاظ فالدستور واضح وحاسم في هذه الجزئية ولا يحق حتي لرئيس الجمهورية أو مجلس النواب إجراء أي تعديل علي هذه المواد تحت أي ظرف من الظروف وعلينا ألا نجعل الحوادث الإرهابية التي تدمي قلوبنا جميعاً سبباً للعبث بالدستور لأن هذا يسيء لنا كدولة وكشعب ارتضي بهذا الدستور في استفتاء وساعتها ستكون السلبيات تفوق الإيجابيات وفي النهاية لن يكون القضاء العسكري العامل الحاسم في مواجهتنا للإرهاب فالدول القوية لا يجب أن تتحرك بسياسة رد الفعل ولكن بأن تكون البادئة بوضع السياسات العامة بما يتناسب مع ظروفها وبما يعزز من الحريات إذا كنا راغبين بالفعل في النهوض بهذا الوطن والقضاء علي مشاكلنا العديدة التي لا يستطيع أحد أن ينكر أن من أهم أسبابها سياسة الرأي الواحد وعدم الاستماع إلي وجهات النظر الأخري. قواعد مجرَّدة * ولماذا ترفض أيضاً تعديل قانون الإجراءات الجنائية بما يسمح بسرعة إصدار الأحكام علي الإرهابيين؟ ** لا يجب أن يقتصر الأمر في مكافحة الإرهاب علي تعديل القوانين لأن هذا اختصار للقضية بشكل مخل يؤدي لعدم نجاحنا في المواجهة وسبب رفضي يعود إلي أن أي تعديل لقانون الإجراءات الجنائية سيتحول إلي قواعد عامة مجردة لن تفرق بين "س" و"ص" أثناء التطبيق في المحاكمات لأن القواعد القانونية تطبق علي الجميع وبالتالي ستكون حقوق المواطنين المسالمين الذين لا علاقة لهم بقضايا الإرهاب في خطر مما يفقدهم الثقة في عدالة القضاء والتي تمثل أهم أسس الدولة التي يجب أن تحترم ويقاس بها تقدمها من عدمه فالدول التي تحارب الحريات وتضيق علي مواطنيها لا يمكن أن تتقدم وتحقق التنمية مهما حققت من نجاحات اقتصادية ولذلك علينا أن نهتم في هذه الجزئية بالحلول العملية والقانونية بأن تكون هناك مثلاً زيادة في عدد المحاكم والدوائر المخصصة لنظر قضايا الإرهاب بما يضمن سرعة الحسم وعدم التأخر في إصدار الأحكام بشرط أن تتوافر كافة الضمانات للمتهم وليس باللجوء للمحاكم الاستثنائية ويجب أن يكون اهتمامنا إذا تم الاتفاق علي إجراء أي تعديل في القوانين أن تكون تلك التعديلات في إطار أن يمثل المتهم أمام قاضيه الطبيعي لأن هذا هو الذي يتماشي مع مفاهيم حقوق الإنسان والعدالة والتي لم تعد تمثل رفاهية بل مفاهيم أساسية ارتضاها المجتمع الدولي لتنظيم العلاقة بين الدول ومواطنيها وعلينا ألا نعطي الفرصة لأحد كي يهاجمنا لأننا نعبث بدستورنا وقوانيننا. حلول حقيقية * وما هو السبيل لمواجهة الإرهاب إذا كنت رافضاً للاعتماد علي الأساليب الأمنية والتشريعية؟ ** لست رافضاً للأساليب الأمنية والتشريعية بشكل مطلق ولكنني أري أنها جزء من عناصر المواجهة وليست كل العناصر ولا يجب أن نحصر مواحهتنا للإرهاب والعنف في القضاء العادي لأن هذا يعبر عن قصور شديد في التفكير فالظاهرة لها أبعاد جنائية وسياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية ولا يجب اختصار الأمر في القضاء وسرعة الأحكام فنحن يجب أن نعترف أننا نعاني أزمة شديدة في الثقافة والمناهج التعليمية التي يجب أن تنقي من أي شوائب تحض علي العنف وكذلك يجب أن نسعي إلي حلول حقيقية لمشاكلنا كالبطالة والعشوائيات التي تعتبر من أهم العوامل وراء تنامي ظاهرة الإرهاب والأهم زيادة مناخ الحريات إلي أقصي درجة ممكنة لأن هذا هو الطريق لتعبير الآخرين عن آرائهم بشكل سلمي بدلاً من التحول إلي الطريق الآخر بانتهاج العنف سبيلاً لإبداء الرأي كذلك يجب أن يكون هناك أمل لدي الناس بأن المستقبل أفضل وأنهم قريباً سيعوضون عن سنوات المعاناة التي قضوها منذ عهود طويلة من بطالة وعدم تلبية احتياجاتهم الضرورية فالمنظومة يجب أن تكون متكاملة وليس الاعتماد علي الحلول الأمنية التي أثبتت التجربة فشلها في تجارب سابقة عديدة فمحاربة الفكر الذي نختلف معه يجب أن يكون بالفكر وليس بإطلاق الرصاص. المهم البداية * لا خلاف علي أهمية ما تقوله ولكن هذه المنظومة تحتاج وقتاً طويلاً فهل نترك الإرهاب يحصد الأبرياء؟ ** بالتأكيد لا ولكن علي الأقل يجب أن نبدأ من الان بجانب تطوير أساليب المواجهة الأمنية بما لا يخل بحقوق الإنسان بحيث تضبط الجريمة قبل وقوعها وعلي نفس الخط نسير في الاتجاهات من تنقية الثقافة والمناهج التعليمية وزيادة مساحة الحريات فهذا هو الطريق الأفضل لكي يتكتل الوطن بكل طوائفه وفئاته في مواجهة الإرهاب ونحن في نفس الوقت نحترم القوانين والتشريعات حتي لا يفقد الناس ثقتهم في العدالة لأن هذا أخطر علي الوطن حتي من الإرهاب نفسه.