جاءني صوته الشجي الحزين ليحدثني عن رحلته في قهر مراحل اليأس التي مرت بحياته يقول: كنت محظوظاً فقد لفتني أمي بكل الرعاية والحب بعد وفاة أبي وأنا في السادسة من عمري فحرصت علي إلحاقي بالمدرسة بعد ما لمحت فحبي للقراءة دوناً عن أشقائي الثلاثة.. ولأن معاش أبي صغير فقد اضطرت للخروج إلي العمل من أجل تحقيق حلمها في أن أتعلم.. اشتغلت بائعة خضراوات متحملة في ذلك مشقة السعي من باكر والعودة متأخرة .. وما كان لي أن أقابل عطاءها ذلك سوي بمزيد من الحرص علي ألا أشق عليها في طلباتي خاصة ما يتعلق بحصة "الألعاب" التي كنت أظهر فيها مهارة بدنية فائقة لكن ما ينغص علي هذا التميز أنني لا أملك ثمن شراء الملابس الرياضية المطلوبة للحصة.. فلم أجد حيلة لأغطي ذاك النقص أمام زملائي ودون التحميل علي أمي المسكينة سوي القيام بتلوين حذائي "المصنوع من البلاستيك" بنفس ألوان "الكوتش" الرياضي.. وبلصق شريطين مستطيلين علي جانبي بنطلون المدرسة ليضاهي في مظهره بدلة التدريب "التريننج" .. وكنت أضحك من داخلي حينما يتلاشي مفعول المادة اللاصقة تحت تأثير حرارة الشمس أو "الجري في المكان" لينكشف حالي أمام زملائي!! كانت محطتي الثانية مع قهر اليأس وأنا طالب بالثانوي الفني حين ظهرت موهبتي في كتابة القصة والسيناريو فكنت بارعاً في قص كل الأفلام السينمائية التي أشاهدها بكل تفاصيلها حيث كان ينتظرني زملائي حتي نهاية اليوم الدراسي لأكمل عليهم المشاهد المتبقية من الفيلم!! لمست أمي الريفية البسيطة موهبتي الأدبية وبدأت تشجعني وهي التي لاتقرأ أو تكتب- علي تسجيل مشاهداتي فكانت تتطلع أن أكون كاتباً كبيراً.. هذا التشجيع الذي دفعني لمضاعفة جهدي في الاستذكار حتي حصلت علي الدبلوم المتوسط بمجموع يؤهلني لاستكمال دراستي في القاهرة وبالمعهد الذي يتناغم مع ميولي "الفنون المسرحية" قسم التأليف.. هنا شعرت بالحزن يسكن ملامح وجه أمي ولم تلبث أن صارحتني فهي لاطاقة لها بأي أعباء إضافية وأن علي الرضا بما انتهيت إليه في دراستي والبحث عن وظيفة.. .. كعادتي لم أستسلم لليأس - رغم تفهمي الكبير لكلام أمي- وبدأت أتواصل مع قصور الثقافة وأتابع وأشارك في المسابقات الأدبية في الداخل والخارج .. وكانت المفاجأة التي أكدت لي أنني علي الطريق الصحيح فقد حظيت رواياتي ببركة دعائها بجوائز محلية وعربية تجاوزت 23 جائزة كما أجازت لجنة الدراما بإحدي الإذاعات المحلية قصتي "عازف العود" لتكون تمثيلية إذاعية وهو العمل الوحيد الذي مكنني من تقديم أغلي هدية لست الحبايب وهي أداء العمرة. .. لم تشفع لي موهبتي القصصية في أن أحظي بالمكانة الاجتماعية المرجوة.. وأغلب جوائزي عائدها المادي لا يذكر. وصدق من قال: "الأدب ما بيأكلش عيش" .. واقع دفعني للبحث عن وظيفة ثابتة خاصة بعدما صرت زوجاً وأباً لثلاثة ابناء أصغرهم لم يتجاوز عمره "عشرة أيام"!!. ولا أدري أمن حسن الطالع أم سوئه فقد توظفت في وزارة الثقافة لأصبح قريبا من المجال الذي أعشقه لكن راتبي لايزيد علي 250 جنيها وهو حال أحزن أمي كثيراً فجاءتني يوم تقول: "والله يا ابني لا أدري هل كنت أدعو لك أم أدعو عليك"!... أحببتها مهوناً: لاتحزني يا أغلي الناس فأنا علي يقين أن الله يحمل لي من الخير الكثير وسأظل متمسكاً بالسلاح الذي تغلبت به علي كل محطات اليأس في حياتي طوال سنوات عمري الأربعين .. سلاح الصبر فلم يغب عني يوماً قوله تعالي "وبشر الصابرين". ع . ا . م الشرقية المحررة: قدمت لنا نموذج الإنسان الذي لايستغرق كثيرا في أحزانه لكنك لم تستطع إخفاءها في نبرات صوتك ومفردات كلماتك.. نموذج الإنسان القادر علي التعايش مع واقعه المتواضع دون أن يخصم ذلك من ثقته بنفسه وإيمانه بالله.. لتصدقني القول أنني لم أجد أجمل من قصتك أهديها لقرائي مع اقتراب عيد الأم.. فقد كنت بحق الابن البار بأمه فلم تتنكر لها حينما لمع نجمك في سماء الأدب- مثلما نري من غيرك- وكنت حريصاً علي أن تقدم لها بعضاً مما أهداه الله إليك فكان لها نصيب من جوائزك بأدائها العمرة. استشعرت طوال سماعي لقصتك استحضارك الجيد للحديث النبوي الشريف "رضا الرب في رضا الوالدين" "وسخطه من سخطهما".. وأنت الذي لم يشق علي والدته فتجلت فيك معاني الرجولة منذ نعومة أظفارك حينما حاولت التخفيف عنها بالحد من طلباتك.. فلم تخبرها بحاجتك للملابس الرياضية وعالجت المسألة بحيلة ذكية تتناسب ومرحلتك العمرية في ذلك الوقت. أيها القاص الموهوب طمئن والدتك أن دعواتها لن تخطيء طريقها فلكل شيء موعده وما عليك سوي مواصلة دراساتك حتي تحصل علي مؤهل عال فمعه ستتفتح أبواب الصعود أمامك لتصل إلي المكانة التي تستحقها في دنيا المبدعين.. وفقك الله أديب الشرقية. قالوا: لطاحونة النسيان 1⁄4 سارة .م - القاهرة: وضعت نفسي مكان صاحبة رسالة "طاحونة النسيان" ورأيت أنه من الوفاء أن تتحمل هذه السيدة رعاية خالها وأن تلجأ إلي الله بالدعاء ليعينها علي التوفيق بين التزاماتها تجاه أمها وخالها ..ووظيفتها الحساسة.. 1⁄4 ع . ع - الغربية تعاطفت مع ظروف الابنة الحائرة بين مسئولياتها تجاه أمها وعملها .. وبين عدم قدرتها عي رعاية خالها المريض المسن ولا أجد غضاضة في ايداعه بدار المسنين فصاحب بالين كذاب. وصاحب ثلاثة منافق.