لم يعد المشهد الدولى مجرد أزمات متفرقة يمكن احتواؤها بالبيانات الدبلوماسية أو الاتصالات الخلفية، بل بات لوحة واحدة مكتظة بالتوترات المتزامنة، تضع العالم أمام لحظة فارقة عنوانها الأبرز هشاشة النظام الدولى وعجزه عن إدارة الصراع، فى عالم تتآكل فيه القواعد ويتقدم فيه منطق القوة. فى شرق آسيا، تتحرك الصين بثقة متزايدة حول تايوان، ليس بهدف إشعال حرب شاملة بقدر ما هو سعى لفرض معادلة ردع جديدة، تقول إن زمن الانتظار الطويل قد انتهى. هذه التحركات تحمل رسائل سياسية وعسكرية فى آن واحد، لكنها ترفع فى الوقت ذاته منسوب المخاطر، لأن أى خطأ فى التقدير قد يحوّل الاستعراض إلى مواجهة لا يريدها أحد، لكن الجميع يستعد لها. أما شبه الجزيرة الكورية، فهى تواصل لعب دور بؤرة القلق الدائم. فالتجارب الصاروخية المتكررة لم تعد أوراق ضغط عابرة، بل أصبحت جزءًا من واقع أمنى هش، تتراجع فيه فرص الوساطة، ويزداد الاعتماد على الردع الخشن بدل الحلول السياسية، فى بيئة دولية باتت مثقلة بالأزمات. وفى الغرب، تعيش الولاياتالمتحدة حالة ازدواجية واضحة. فهى تسعى للحفاظ على موقعها كقائد للنظام العالمى، لكنها فى الوقت نفسه تعانى من استقطاب داخلى حاد، ينعكس مباشرة على سياستها الخارجية. صعود منطق الضغط والصفقات على حساب العمل متعدد الأطراف يفرز نظامًا دوليًا أقل التزامًا بالقواعد وأكثر قابلية للاهتزاز. ولا يمكن عزل هذا المشهد عما جرى فى فنزويلا، حيث مثّل الدفع نحو اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو أو ملاحقته سياسيًا وقضائيًا، انتقالًا من سياسة العزل والعقوبات إلى كسر الشرعية ذاتها، وتحويل الدولة إلى ساحة صراع إرادات دولية تستخدم القانون والسياسة كأدوات ضغط. إقليميًا، يبدو الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مرآة مكبرة لهذا الارتباك العالمى. ففى السودان تتواصل الاشتباكات بما يعكس تآكل مفهوم الدولة، وفى اليمن تستمر الحرب كأزمة مفتوحة بلا أفق سياسى، بينما تعيش ليبيا على إيقاع الانقسام والصراع على الشرعية. هذه الساحات الثلاث تمس الأمن القومى المصرى بشكل مباشر، سواء عبر تهديد استقرار الحدود، أو تفشى السلاح والجماعات المسلحة، أو الضغط على خطوط الملاحة فى البحر الأحمر وشرق المتوسط. من هنا، تتحرك مصر بمنطق الدولة التى تدرك أن الانفجار الإقليمى لا يبقى محصورًا داخل حدوده، وأن إدارة الأزمات المحيطة ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة أمن قومى. فاستقرار الإقليم يمثل خط الدفاع الأول عن الدولة المصرية، فى عالم يقف أمام انفجار مؤجل، ينتظر شرارة واحدة.