سميحة شتا دخلت ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافى عام 2011 فى مسار طويل من الاضطراب السياسى والهشاشة المؤسسية، لم تفلح خلاله المبادرات المحلية ولا المسارات الدولية المتعاقبة فى إعادة بناء دولة مركزية قادرة على بسط سيادتها أو احتكار أدوات العنف وإدارة الموارد الوطنية بصورة موحدة. ومع مرور أكثر من عقد على انهيار النظام السابق، لم يعد المشهد الليبى يُختزل فى صراع سياسى تقليدى بين سلطتين متنافستين، بل تحوّل إلى بنية معقّدة تتداخل فيها المؤسسات الرسمية مع الجماعات المسلحة، ويتشابك فيها الاقتصاد مع الأمن، وتُدار فيها الدولة بمنطق التوازنات الهشّة بدلًا من منطق القانون والمؤسسات. اقرأ أيضًا | السفارة الليبية بالقاهرة تحتفل بافتتاح المتحف الوطني الليبي بمشاركة واسعة أحد أبرز ملامح هذا المشهد يتمثل فى اتساع الفجوة بين الشرق والغرب، ليس فقط على مستوى الشرعية السياسية، بل فى أنماط إدارة الموارد والإنفاق العام والقرار الأمنى. ففى ظل هذا الانقسام، برزت التشكيلات المسلحة بوصفها فاعلًا مركزيًا لا يمكن تجاوزه، إذ لم تعد مجرد أدوات أمنية ظرفية نشأت فى فراغ ما بعد 2011، بل تحوّلت تدريجيًا إلى سلطات أمر واقع تمتلك القدرة على فرض النفوذ، والتحكم فى مسارات الاقتصاد غير الرسمى، والتأثير المباشر فى القرار السياسى، سواء عبر التحالف مع الحكومات القائمة أو عبر ممارسة الضغط عليها. هذا التحول جعل السلاح جزءًا بنيويًا من معادلة الحكم، لا عنصرًا طارئًا يمكن فصله بسهولة عن الدولة. شهدت ليبيا فى عامى 2024 و2025 تصاعدًا ملحوظًا فى حدة التوترات السياسية والأمنية، خصوصًا فى غرب البلاد والعاصمة طرابلس، حيث كشفت أزمة الوقود التى انفجرت فى صيف 2024 عن عمق الاختلالات البنيوية فى منظومة الدولة. لم تكن الأزمة مجرد نقص فى الإمدادات، بل عكست شبكة معقّدة من التهريب والفساد، ارتبطت بتشكيلات مسلحة تسيطر على منافذ التوزيع وتحمى مصالح اقتصادية موازية، مستفيدة من منظومة دعم مشوّهة وضعف الرقابة. ومع انتقال التوتر من الشارع إلى محيط المؤسسات المالية، بدا واضحًا أن الصراع لم يعد يدور فقط حول السلطة التنفيذية، بل امتد ليشمل قلب الدولة المالى، وفى مقدمته المصرف المركزى وإدارة الاحتياطى النقدى، ما حوّل الاقتصاد نفسه إلى ساحة مواجهة سياسية وأمنية. فى المقابل، سعى الشرق الليبى إلى فرض مقاربة مختلفة لإدارة الموارد، تمثلت فى محاولات ضبط الإنفاق العام ورفع دعم الوقود، بدعوى الحد من التهريب وتخفيف الضغط على الميزانية، خاصة فى ظل التزامات إعادة الإعمار. غير أن هذه الإجراءات، بدل أن تفتح باب التنسيق الوطنى، عمّقت ازدواجية الإدارة الاقتصادية، ورسّخت واقعًا ماليًا منقسمًا، أصبحت فيه الإيرادات تُدار وفق حسابات سياسية وأمنية أكثر منها وطنية. ومع غياب سلطة مركزية موحدة، تحوّلت السياسات الاقتصادية إلى أدوات صراع إضافية بين طرفى الانقسام، بدل أن تكون مدخلًا للحل. تعيين محافظ جديد للمصرف المركزى فى سبتمبر 2024، عبر توافق نادر بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وبرعاية أممية، مثّل لحظة تهدئة مؤقتة خففت من حدة التوتر المالى، لكنها لم تعالج جذور الأزمة. فسرعان ما عادت الخلافات حول آليات الإنفاق وتمويل الحكومتين، ما أعاد التأكيد على أن التوافقات التقنية، فى غياب تسوية سياسية شاملة تعيد توحيد مؤسسات الدولة، تظل هشّة وقابلة للانهيار عند أول اختبار جدى لتوازنات القوة. اقتصاديًا، ظل ملف النفط والوقود محور الاشتباك الأبرز. فمحاولات حكومة الوحدة الوطنية تقليص دعم الوقود اصطدمت برفض شعبى واسع، عكس محدودية قدرة الحكومة على تمرير إصلاحات ذات كلفة اجتماعية مرتفعة فى ظل انعدام الثقة. وتشير بيانات المصرف المركزى إلى أن تكلفة دعم الوقود خلال أحد عشر شهرًا فقط من عام 2024 بلغت نحو 12.8 مليار دينار، مع خسائر سنوية تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات نتيجة التهريب. هذه الأرقام لا تكشف فقط حجم النزيف المالى، بل تعكس أيضًا تداخل شبكات المصالح بين الاقتصاد غير الرسمى وبعض التشكيلات المسلحة، وامتداد هذا التداخل إلى داخل مؤسسات الدولة نفسها. أمنيًا، بقيت طرابلس النموذج الأوضح لما يمكن وصفه ب«الدولة الهجينة»، حيث تتقاسم السيطرة تشكيلات مسلحة متعددة تعمل اسميًا تحت مظلة وزارتى الدفاع والداخلية أو المجلس الرئاسى، لكنها تحتفظ عمليًا بهوامش واسعة من الاستقلالية. الاشتباكات المتكررة فى محيط مطار معيتيقة وأبوسليم وسوق الجمعة، ثم اغتيال عبدالغنى الككلى فى مايو 2025، أعادت التأكيد على أن استقرار العاصمة لا يستند إلى مؤسسات أمنية مهنية وموحّدة، بل إلى تفاهمات ظرفية يعاد إنتاجها بالقوة عند كل اختلال فى ميزان النفوذ. ورغم أن معظم هذه الاشتباكات كانت محدودة زمنًا ونطاقًا، فإن دلالتها السياسية كانت عميقة، إذ كشفت أن الصراع بين الجماعات المسلحة لا يهدف بالضرورة إلى إسقاط النظام القائم، بل إلى إعادة التفاوض على مواقع القوة داخله. وفى تفاصيل المشهد الأمنى، لا يمكن فهم ديناميكات عدم الاستقرار من دون التوقف عند أدوار الميليشيات الكبرى التى باتت تشكّل البنية الفعلية للسلطة على الأرض ففى غرب البلاد، ولا سيما طرابلس، تبرز تشكيلات مثل جهاز دعم الاستقرار الذى كان يقوده عبدالغنى الككلى قبل اغتياله، وقوة الردع الخاصة بقيادة عبدالرؤوف كارة، وكتيبة ثوار طرابلس، واللواء 444 قتال، بوصفها الفاعلين الأمنيين الأكثر نفوذًا. ورغم اختلاف خلفيات هذه التشكيلات وأيديولوجياتها، فإنها تشترك فى نمط عمل يقوم على الجمع بين الدور الأمنى الرسمى والدور غير الرسمى، حيث تعمل تحت مظلة مؤسسات الدولة اسميًا، لكنها تحتفظ بسلسلة قيادة مستقلة وقدرة على فرض وقائع ميدانية بالقوة. لعب جهاز دعم الاستقرار دورًا محوريًا فى السيطرة على مناطق استراتيجية داخل العاصمة، وارتبط اسمه بإدارة مراكز احتجاز وتأمين مصالح اقتصادية حساسة، ما جعله طرفًا أساسيًا فى صراعات النفوذ. أما قوة الردع، فقد رسّخت حضورها من خلال السيطرة على مطار معيتيقة وعدد من المرافق الحيوية، مستندة إلى خطاب أمنى وأيديولوجى منحها شرعية ضمنية فى مواجهة الجريمة والتنظيمات المتطرفة، لكنه فى الوقت ذاته منحها نفوذًا واسعًا خارج إطار المساءلة المؤسسية. وفى المقابل، برز اللواء 444 قتال بوصفه قوة تدخل سريعة مرتبطة بوزارة الدفاع، لعبت أدوارًا متكررة فى احتواء الاشتباكات، لكنها تحوّلت مع الوقت إلى طرف ضمن توازنات السلاح نفسها، لا قوة محايدة قادرة على فرض احتكار الدولة للعنف. هذه التشكيلات، وإن دخلت فى صدامات متكررة فيما بينها، لم يكن هدفها تفكيك المنظومة القائمة، بل إعادة توزيع النفوذ داخلها، فكل جولة اشتباك كانت تنتهى غالبًا بتفاهمات جديدة تعيد ترتيب خطوط السيطرة من دون المساس بجوهر النظام الأمنى الهجين الذى يتيح استمرارها. فى الشرق الليبى، يختلف الشكل لكن النتيجة واحدة، إذ يهيمن الجيش الوطنى الليبى بقيادة خليفة حفتر على المشهد العسكرى، ويضم فى بنيته مزيجًا من الوحدات النظامية والتشكيلات القبلية والكتائب المسلحة. ورغم نجاح هذه البنية فى فرض قدر من السيطرة الأمنية ومنع تعدد المراكز المسلحة كما هو الحال فى الغرب، فإنها كرّست بدورها عسكرة السياسة، وربطت الاستقرار بسلطة القوة العسكرية لا بمؤسسات مدنية منتخبة، وأسهمت فى تعميق الانقسام الوطنى عبر بناء منظومة أمنية واقتصادية موازية، لها شبكاتها الخاصة فى إدارة الموارد والإنفاق. أما الجنوب، فقد ظل المشهد أكثر هشاشة، حيث تنشط تشكيلات مسلحة ذات طابع قبلى أو محلى، مستفيدة من ضعف الدولة واتساع الجغرافيا، وأسهمت فى تغذية اقتصاد التهريب، سواء للوقود أو البشر أو السلاح، ما جعل الجنوب ساحة مفتوحة لتقاطعات أمنية إقليمية، ومصدرًا دائمًا لعدم الاستقرار ينتقل أثره إلى الشمال. بهذا المعنى، لم تعد الميليشيات فى ليبيا مجرد نتيجة لانهيار الدولة، بل أصبحت أحد أسباب استمراره. فهى تستفيد من غياب الحل السياسى الشامل، وتجد فى الانقسام المؤسسى بيئة مثالية لتكريس نفوذها. ومع كل محاولة لإعادة بناء الدولة من دون معالجة جذرية لملف السلاح، يُعاد إنتاج المعادلة نفسها: دولة ضعيفة تتقاسمها قوى مسلحة، واستقرار مؤقت تحكمه موازين القوة لا سيادة القانون. وبينما يوفّر هذا النموذج قدرًا من الاستقرار المؤقت، فإنه يعمّق هشاشة الدولة ويجعلها رهينة لتوازنات قابلة للاهتزاز فى أى لحظة، ما يضع ليبيا فى حالة دائمة من اللايقين السياسى والأمنى.