البابا شنودة الثالث عن الراحل الأنبا مكسيموس: «أنا حزين عليك يا ابني»    رئيس "نقل النواب": حديث الرئيس في إفطار الأسرة المصرية اتسم بالشفافية.. والوعي الشعبي هو حائط الصد الأول لمواجهة التحديات الإقليمية    اليوم.. مطار القاهرة يعيد توزيع رحلات «إيركايرو»    القومي للمرأة يطلق برنامجًا تدريبيًا حول «التمكين الاجتماعي»    غدا.. رئيس الإنجيلية يزور الأزهر والإفتاء والأوقاف للتهنئة بحلول عيد الفطر    في يوم الدبلوماسية المصرية.. الرئيس السيسي يشيد بدور الخارجية في حماية مصالح الدولة    بيان من المركزي بشأن إجازة البنوك بمناسبة عيد الفطر    السيسي يتابع تأثير الحرب الجارية بمنطقة الشرق الأوسط على قناة السويس.. فيديو    تراجع أسعار الفضة وسط تقلبات الأسواق المحلية والعالمية    محافظ الدقهلية يشدد على ضرورة الالتزام بالإعلان عن الأسعار أمام المواطنين    هل تحيا أسبانيا    بنوك مصرية توقف تمويل الاستيراد عبر ممرات بحرية بالشرق الأوسط    ذا تايمز: هل سيخرج بوتين الرابح الأكبر من الحرب الإيرانية؟    هل تخلت أوروبا عن ترامب؟    إسرائيل تخصص 827 مليون دولار لشراء معدات عسكرية "طارئة"    تشكيل مانشستر يونايتد - أماد ديالو يقود الهجوم أمام أستون فيلا.. وكونيا أساسي    توروب يراجع التعليمات الخططية مع لاعبي الأهلي في المحاضرة الختامية قبل مواجهة الترجي    صدام قوي بين برشلونة وإشبيلية في الدوري الإسباني    أنتونيلي يفوز بسباق الصين محققا أول انتصار في فورمولا 1    اليوم.. انطلاق الجولة الثانية من ربع نهائي الدوري الممتاز للسلة    سلامة الغذاء تشن حملات تفتيش على 71 منشأة بأسوان وإدفو (صور)    الطقس غدًا الاثنين 16 مارس 2026.. دفء نهاري وبارد ليلي مع شبورة ورياح نشطة في بعض المناطق    مقتل شاب قبل زفافه بأيام بطلق نارى بسبب خصومة ثأرية    الموت يفجع الفنان ظافر العابدين    «علي كلاي» يتصدر تريند جوجل.. والجمهور يترقب حلقة اليوم    «صوت هند رجب» يترقب التتويج.. ومسيرة حافلة للسينما العربية في الأوسكار    وكيل الصحة ببني سويف يتفقد أول عيادة للإقلاع عن التدخين بمستشفى الصدر    محافظ الدقهلية يوجه بسرعة الانتهاء من أعمال تطوير مستشفى سندوب    مصرع شاب صدمته سيارة أثناء توجهه لعمله في العياط    إكسترا نيوز: الهلال الأحمر المصري يواصل تجهيز قافلة المساعدات رقم 106 تمهيدًا لإدخالها إلى قطاع غزة    الإسباني كليمنت توربان يدير مباراة مان سيتي ضد الريال بدوري أبطال أوروبا    رفع 2050 طن من القمامة وتحرير 124 محضرًا تمونيًا متنوعًا بكفر الشيخ    هل تنجو الطفلة فيروز بعد إصابتها؟.. مفاجأة فى الحلقة 11 من فرصة أخيرة    تحديث فورى فى سعر الذهب اليوم الأحد 15 مارس 2026 فى مصر    قادمين من مصر.. خارجية العراق تعلن وصول أول دفعة من العالقين بالخارج    عروض مسرحية في الإسكندرية وكفر الشيخ وأسيوط والبحيرة ضمن أجندة قصور الثقافة لهذا الأسبوع    وزير الصحة يتابع نشاط المشروعات القومية والمرور الميداني على 29 مستشفى بمختلف المحافظات    خلال العشر الأواخر من رمضان.. توزيع عدد (1100) كرتونة مواد غذائية بقرى مركز ابو قرقاص    كشف لغز العثور على سيارة متفحمة وبداخلها جثة سائق في سمسطا ببني سويف    تجديد حبس المتهم صاحب واقعة سيارة "العلم الإسرائيلي" في كرداسة    النائب العام الإماراتي يأمر بالقبض على 25 متهما وإحالتهم لمحاكمة عاجلة لنشر محتوى مضلل يضر بتدابير الدفاع    نجوم هوليوود في بروفة حفل توزيع جوائز الأوسكار 2026 (صور)    جوارديولا: لم نخسر ضد وست هام.. سباق الدوري لم ينته لكننا نحتاج أهداف هالاند    طريقة عمل البسبوسة، تحلية رمضانية مميزة وبأقل تكاليف    «عبد الباري»: تشغيل 3 أجهزة إيكمو حديثة بالقصر العيني لتعزيز الرعاية الحرجة    سميرة عبدالعزيز: سألت الشعراوي هل التمثيل حرام؟ فجاء الرد حاسمًا    بعثة الزمالك تصل إلى القاهرة بعد التعادل مع أوتوهو بالكونفدارلية    أسرة «روزاليوسف» تجتمع على مائدة واحدة فى حفل إفطارها السنوى    كبار القراء ونجوم «دولة التلاوة» يحيون ليلة 25 من رمضان بتلاوات خاشعة    الزكاة تزكية للنفس!    أسعار الفاكهة في المنيا اليوم الأحد 15 مارس 2026    بالأرقام، معدل تأخيرات القطارات اليوم    عضو بالشيوخ: كلمة الرئيس في إفطار الأسرة المصرية كشفت مصارحة ضرورية في توقيت إقليمي شديد التعقيد    حكومة دبي: الأصوات التي سمعت في منطقتي المارينا والصفوح ناتجة عن عمليات اعتراض ناجحة    دعاء ليلة رمضان الخامسة والعشرين..نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    مسجد الفتح يشهد صلاة التراويح وفعاليات ملتقى الفكر الإسلامي    المفتي: القرآن كله متشابه في الإعجاز والبلاغة.. والإحكام والتشابه ثنائية مذهلة وصف الله بها كتابه العزيز    نونو سانتو: خروج وست هام من منطقة الهبوط لا يغير موقف الفريق    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المصائب لا تأتي فرادى والكوارث تنهال على الشعب المصري .. الحمى القلاعية تلحق بأنفلونزا الطيور .. وتحذيرات من كارثة بيئية بسبب إلقاء الطيور النافقة في الشوارع ومن ظهور إصابات بشرية .. وانتقادات لرسم حلمي التوني عن "الطير الأبابيل وأصحاب الفيل" ..
نشر في المصريون يوم 21 - 02 - 2006

تضاربت الأنباء أمس في الصحف حول ظهور حالات بشرية مصابة بأنفلونزا الطيور .. فالصحف الحكومية أكدت عدم وجود أية إصابات بين المواطنين حسب بيانات الحكومة .. في حين قالت صحيفة الكرامة ان هناك إصابات بشرية في 4 محافظات .. وتوقعت لجنة الصحة بمجلس الشعب حدوث إصابات بشرية بأنفلونزا الطيور .. فيما رفض وزير الصحة عرض البرنامج الوقائي في حالة انتقال المرض من إنسان لآخر وقد استمرت صحف القاهرة الصادرة أمس (الثلاثاء) في متابعة الحدث الجلل الذي تمر به مصر .. فروت الوفد القصة الحقيقية لوصول الوباء إلى مصر .. باكتشاف الإصابة الأولى في الجيزة بداية الأسبوع الماضي وتم الإعلان عنه بقرار سياسي .. وأكدت معامل البحرية الأمريكية النتائج المصرية مما حدا بمنظمة الصحة العالمية الاعتراف بالكارثة .. ولأن المصائب لا تأتي فرادى ، فانهالت المصائب على الشعب المصري بالإعلان عن تفشي الحمى القلاعية في الريف المصري مما يهدد الثروة الحيوانية إلى جانب الثروة الداجنة .. وأكدت الصحف أن الجيزة أكثر هي المحافظات الموبوءة تليها بني سويف والمنوفية والقاهرة .. فيما حاصرت كتائب الإعدام الطيور في المحافظات ، مما حدا بالتجار لإطلاق الفراخ في الشوارع خوفا من المرض .. وحذرت وزارة الصحة من كارثة بيئية بسبب إلقاء الطيور النافقة في الشوارع .. وطالب نواب البرلمان الحكومة بتعويض مربي الطيور .. ودراسة جدولة ديون منتجي الدواجن وإنشاء صندوق طوارئ .. وفي إطار دفاعها الحار عن النظام انتقدت روز اليوسف على لسان رئيس تحريره عبد الله كمال رسما كاريكاتوريا للفنان حلمي التوني نشره الأهرام أمس يصور طيور مصابة بالفيروس تحلق فوق رؤوس مواطنين وأسفلها تعليق يقول :"يا خوفي ليكون ده الطير الأبابيل ونكون إحنا أصحاب الفيل" ووصفت الرسم بأنه يحمل معاني هدمية ويسوق الخوف والرعب بين الناس !! .. نبدأ تقرير اليوم من صحيفة الوفد التي كشف القصة الحقيقية لظهور أول حالة إصابة بفيروس أنفلونزا الطيور في مصر . وقالت ان ظهور الفيروس بدأ في طيور منزلية في محافظة الجيزة ، وان ذلك تم الأحد قبل الماضي . وبمجرد ظهور العينة الايجابية هرعت أجهزة الدولة في وزارتي الصحة والزراعة بجمع عينات أخري في سرية تامة من جميع محافظات مصر ، وأثبتت التحاليل المعملية التي أجريت في المعامل المركزية بوزارة الصحة ، ومعامل الرقابة علي الإنتاج الداجني بمعهد بحوث صحة الحيوان بوزارة الزراعة . وأثبتت وجود عينات إيجابية في محافظتي القليوبية والمنيا . وتم إرسال العينات مرة أخري في سرية تامة أيضا إلى المعامل التابعة للبحرية الامريكية "الناميرو" الموجودة في العباسية والتي جاءت نتائجها ايجابية . وهنا بدأت منظمة الصحة العالمية الاعتراف بوجود الفيروس في مصر وكان ذلك يوم الخميس الماضي . وتم عرض نتائج التحاليل علي القيادة السياسية في نفس اليوم وعقد اجتماع سري اقتصر علي عدد محدود من الوزراء والدكتور نظيف وعدد من قيادات الأجهزة الحساسة في مصر . واستقر الرأي علي التعامل مع الكارثة بشفافية ، وإعلان الحقائق للناس ووضع خطة قومية لمقاومة الفيروس الفتاك تشارك فيها الحكومة ومنظمات المجتمع المدني والمواطنون . وتم اتخاذ قرار بشراء 600 ألف عبوة من عقار "تامي فلو" الذي يحد من نشاط الفيروس من الشركة المنتجة . وتبين ان الشركة الأمريكية المنتجة تبيعه بأسعار مرتفعة وان الشركة الأوروبية رفعت أسعارها بعد انتشار الفيروس في عدد من البلاد . واضطرت مصر لطلب 200 ألف عبوة فقط من العقار ، خاصة ان وصول الكمية يحتاج إلى وقت قد يصل إلي 6 أشهر كاملة. من جهة أخرى أبرزت الصحف اجتماع لجنة الصحة بمجلس الشعب ، التي توقعت حدوث إصابات بشرية بأنفلونزا الطيور ، بسبب ظهور المرض بشكل متلاحق وسريع في 8 محافظات حتى الآن . وتعهد الدكتور حاتم الجبلي وزير الصحة خلال الاجتماع الطارئ للجنة برئاسة الدكتور احمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب بالالتزام بالشفافية في عرض أي حالة إصابة للمواطنين بأنفلونزا الطيور في حالة حدوثها . وكشف وزير الصحة ان الحكومة فتحت اعتمادا يوم الجمعة الماضي لاستيراد 74 ألف عبوة دواء ، وستصل غدا الأربعاء . وقال ان الدواء المتاح يخفف المرض فقط . ورفض الجبلي عرض البرنامج الوقائي حاليا في حالة انتقال المرض من إنسان إلى آخر حتى لا يحدث هلع للمواطنين . وأوضح الجبلي ان علامات الإصابة البشرية بأنفلونزا الطيور هي سوء حالة المريض وإصابته بالتهاب رئوي ، ويتم علاجه بمضادات حيوية . وأكد أن فيروس أنفلونزا الطيور ظهر في 100 موقع في 11 محافظة حتى الآن منها 90% بالمنازل .. ولم تحدث إصابات بين المواطنين .. وقال الوزير أمام مجلس الشورى أمس ان اللجنة الوزارية العليا لمكافحة أنفلونزا الطيور تلقت 17 ألف بلاغ من المواطنين خلال اليومين الماضيين .. وتم فحص 299 مواطناً وجاءت نتائج التحاليل سلبية . ومن جانبه كشف المهندس ماجد جورج وزير البيئة عن تخصيص 53 موقعا لإقامة مدافن صحية آمنة للدواجن والطيور النافقة ، كما تبرعت وزارة الدفاع بعدد 25 سيارة لوري لنقل الطيور ، وتم صرف ألف بدلة واقية للمتعاملين مع الطيور النافقة . وأوضح انس الفقي وزير الإعلام ان الخطة الإعلامية للتعامل مع هذه الكارثة تتم علي فترات متباعدة لمنع إثارة الفزع ، وقال ان الحملة الإعلامية سوف تتغير إذا ظهر المرض في البشر . ورحب الدكتور مفيد شهاب وزير الشئون القانونية والمجالس النيابية بانضمام النقابات والأحزاب السياسية إلى اللجنة القومية التي شكلها مجلس الوزراء للاستفادة من خبراتها . وناقشت اللجنة الوزارية تحصين الثروة الداجنة باللقاح الواقي .. وبحثت نقاط الضعف في تنفيذ الخطة القومية خاصة في التخلص من الطيور النافقة .. وأصدر وزير الزراعة قرارا بحظر نقل الطيور الحية بمختلف أنواعها وطيور الزينة لمدة 15 يوماً من وإلى المحافظات إلا بتصريح من اللجنة الفنية .. وحظر ذبح الطيور خارج المجازر المرخصة . وفي سياق متصل نشرت صحيفة الجمهورية على لسان وزير الزراعة أن الحكومة تدرس جدولة ديون منتجي الدواجن وإنشاء صندوق لمواجهة الطوارئ والأزمات في هذه الصناعة . لكن حسني جاد رئيس مصلحة الضرائب رفض الطلبات التي تقدم بها التجار من أعضاء بورصة الدواجن بتأجيل مطالبتهم بسداد الضرائب المستحقة عليهم . وقال ان مصلحة الضرائب لا علاقة لها بكارثة أنفلونزا الطيور !! ، ولا يجوز ان يتقدم احد من تجار الدواجن بطلب تخفيض نسبة الضرائب علي نشاطه أو ترحيلها!! وقال جاد: الضريبة واجب وطني لا يمكن استثناء احد منها لأي ظرف وأشار إلي ان أسلوب استحقاق الضريبة يرتبط بتحقيق أرباح . وانتشار وباء أنفلونزا الطيور لا يعني استثناء تجار الدواجن من الضريبة ، إلا إذا كشف الفحص الضريبي عدم تحقيق ضرائب . وأوضح رئيس مصلحة الضرائب ان نشاط تجار الدواجن يخضع لنظام الربط الذاتي الذي يعتمد علي تقديم الممول سواء صاحب مزرعة أو تاجر دواجن ، إقرارا بحساباته وبعد فحصها يتم تحديد نسبة الضريبة المستحقة ، والمطالبة بسدادها بلا تهاون . الكاتب الساخر احمد رجب تهكم في زاويته بالأخبار على البيانات الحكومية قائلا : "لأن الحكومة طول عمرها كدابة فالناس لا تصدقها مع إنها صادقة تماما الآن فيما تقوله عن أنفلونزا الطيور ، وكان أول اكتشاف فجر الخميس الماضي فعلا وليس من شهور كما رددت الإشاعات ، كذلك لم يصب أي مواطن بأنفلونزا الطيور حتى كتابة هذه السطور ، والحكومة وهي تقدم كل الحقائق للمواطنين لحظة بلحظة تعدكم بالعودة إلي الكذب بعد زوال الظروف المؤسفة التي اضطرتها إلي الصدق" . والى موضوع الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول الكريم حيث كتب سلامة أحمد سلامة في الأهرام عن هشاشة البنية الفكرية والذهنية للمجتمعات الإسلامية وقال : ربما تكون عاصفة الغضب والثورة التي تسببت فيها رسوم الكاريكاتير المسيئة للرسول الكريم قد هدأت بعض الشيء‏ ،‏ بعد أن أخرج المتظاهرون هنا وهناك في بلاد إسلامية عديدة براكين السخط التي اعتملت في نفوسهم لأسباب متباينة‏ ..‏ فلو تلفت المرء حوله لالتمس العذر لعالم إسلامي محبط‏ .‏ فلا تكاد تقع أزمة هذه الرسوم البذيئة حتى تتكشف تفاصيل فضيحة التعذيب التي مارسها الجنود الأمريكيون في سجن أبو غريب علي نطاق أبشع من سابقتها .‏ وقبلها بأيام تعرض شاشات التليفزيون مشاهد لا تقل إذلالا لجنود بريطانيين يتناوبون علي ضرب أطفال عراقيين لمجرد أنهم قذفوهم بالطوب‏ .‏ كلها أحداث لا تقع إلا في العالم الإسلامي الذي تطؤه الآن أقدام قوي غاشمة‏ ،‏ تتلذذ بحالة الضعف والتهتك والتشرذم التي يمر بها .‏ وهو ما يبرر الغلو في ردود فعل المتظاهرين المسلمين ،‏ ويعبر عن حالة خلل تاريخي عميق في العلاقة بين المسلمين والغرب‏..‏ لن تختفي بمجرد الاعتذار وإبداء الأسف .‏ فهي ما فتئت تعاود الظهور بأشكال مختلفة ولم تكن إساءات الصحيفة الدنماركية غير القشة التي قصمت ظهر البعير .‏ وسوف يمضي وقت طويل قبل أن تعود الأمور إلي وضعها الطبيعي ،‏ الذي يحاول كل طرف فيه أن يتجنب استفزاز الآخر ،‏ حتى وإن بقي ما في القلب في القلب‏ .‏ والدليل علي ذلك أن زيارة خافيير سولانا لتهدئة الخواطر باسم الاتحاد الأوروبي وحديثه عن جهود دولية للتأكيد علي احترام الأديان‏ ،‏ قابلتها في الجانب الآخر قرارات صدرت من المفوضية الأوروبية بتأييد الدنمارك ومساندة حقها في الدفاع عن نشر الرسومات باعتبارها من حقوق حرية التعبير‏..‏ وهو ما تمسكت به صحف أخري باعتباره يمثل قيمة خبرية في حد ذاتها .‏ والحق أن هاتين القاعدتين اللتين يؤخذ بهما في معايير النشر الصحفي‏،‏ من أكثر القواعد التباسا‏،‏ لأنها تخضع لاعتبارات تقديرية تختلف من مجتمع إلي مجتمع ،‏ إلي الحد الذي التبس فيه الأمر علي صحف عربية‏ ،‏ مما أدي إلي طرد رئيس تحرير صحيفة أردنية وتوبيخ صحيفة قومية مصرية‏،‏ بسبب نشر الرسومات لكي تطلع قارئها علي ماهية المشكلة التي أثارت الأزمة .‏ وهو عذر مقبول صحفيا ولكنه في خضم هذا الجحيم من المشاعر الملتهبة‏،‏ يصبح أشبه بإشعال عود كبريت بجانب برميل من المواد الملتهبة .‏ غير أن الدرس الذي يجب أن نخرج به من هذه الأزمة التي أسقطت القناع عن هشاشة البنية الفكرية والسياسية لمجتمعات وشعوب إسلامية من ناحية‏ ،‏ وعن نفاق عنصري يخفي ضيقا حقيقيا بالجاليات الإسلامية المقيمة في أوروبا من ناحية أخري ،‏ هو أن المجتمعات الأوروبية والغربية عموما لن تقبل بوجود هذه الأقليات المسلمة بين ظهرانيها ما لم تتكيف معها وتجد طريقها إلي الاندماج .‏ وكما أن السكوت علي الإساءات العنصرية لم يكن هو الحل السليم فإن مواجهتها لابد أن تتم بأساليب لا تتعارض مع القيم الحضارية السائدة والتمسك بالإجراءات القانونية الدولية التي تضع حرية التعبير في إطار منظومة متكاملة من احترام الآخر بكل أطيافه وثقافاته ومعتقداته‏..‏ وبشرط أن نكون نحن أول من يحترمها‏!!‏ . نبقى مع الأهرام لنطالع مقال د‏.‏ مصطفي الفقي الذي جاء بعنوان : (إنها مصر وليست هونج كونج) ووجه فيه انتقادا مبطنا للسرعة المحمومة في تنفيذ الخصخصة التي تنتهجها أطراف حكومية من فئة رجال الأعمال لا يفهمون غير لغة الربح والخسارة .. وقال في ذلك : تطفو علي السطح من حين لآخر نغمة مقلقة تخلط بين مفهوم قيادة الدول وبين إدارة الشركات ،‏ وهما أمران قد يكون بينهما قاسم مشترك يرتبط بتعريف القرار الرشيد ولكنهما لا يتطابقان أبدا في المبني أو المعني‏ ،‏ إذ أن الوطن أمر يختلف عن سواه‏ ،‏ ففيه مضامين إنسانية عميقة ومشاعر عاطفية قوية وله روح لا يمكن قياسها بمعيار الربح والخسارة‏ . وأكد أن مصر وطن يختلف عن غيره فهي تنتمي إلي دول الحضارات القديمة مثل الصين والهند وغيرهما حيث لعب المكون البشري الدور الأساسي في صياغة الحياة وصنع المستقبل‏،‏ فدول الحضارات القديمة لا تنصاع في قراراتها اليومية لمنطق الربح والخسارة ،‏ ولكنها تحتكم إلي مخزون حضاري ضخم وتراث ثقافي عريق ،‏ لقد رأيت في الهند الأبقار تتهادي في الشوارع لا يمسها أحد بسوء بينما الشعب الهندي يعاني نقص الغذاء أحيانا ،‏ فالقيم الروحية والاجتماعية قد تضرب القرار الاقتصادي بل وتعطل عملية التنمية برمتها .‏ لذلك فإنني ممن يعتقدون أن التحديث مرتبط بالتحول
البشري كما أن الانتقال إلي المستقبل يحتوي أبعادا ثقافية وفكرية وليست فقط حسابات تجارية أو توقعات اقتصادية‏.‏ وإذا أخذنا المثال الهندي مرة ثانية لأنه نموذج مشابه لنا كما أنني عايشته شخصيا لسنوات أربع فسوف نجد أن جواهر لآل نهرو عندما أشرف علي المجلس القومي للتخطيط غداة استقلال بلاده فإنه استوعب مفهوم القومية الهندية لشعب متعدد الأصول والأعراق والديانات واللغات .‏ ولكن الزعيم الهندي الراحل احتوي برؤيته الثاقبة جميع العوامل المحيطة بالكيان الهندي الواحد ولم يقع فريسة التصور المجرد للإدارة بمفهوم حسابي قد يدفع الدولة خطوات ولكنها تكون رخوة قابلة للتراجع أمام حدث كبير أو الإنهيار في مواجهة ضربة مفاجئة‏ ،‏ لذلك فإن الذين يتصورون أن التنمية عملية اقتصادية بحتة أو أن الديمقراطية إجراء دستوري فقط هم واهمون فالتراث يحيط بالقرارات .. والحارة الضيقة هي التي تحدد أحيانا مصائر الشعوب ويجب ألا نغفل أبدا تأثير الشارع مهما بدا هادئا كما يجب ألا نمضي بثقة وراء الأرقام والإحصاءات والإستقصاءات مهما يكن الإغراء شديدا ،‏ فالوطنية تعبير شديد التعقيد فيه معاني الإنتماء والولاء والتضحية والفداء والرغبة في النهوض والقدرة علي العطاء‏،‏ قد يجوز أن تكون هناك دول أو أقاليم يصلح لها المنطق الحسابي عند تحديد مسار المستقبل هكذا فعلت بعض الدول الآسيوية الصغيرة ولعل جزيرة هونج كونج التي عادت إلي أحضان الوطن الأم منذ سنوات مع الاحتفاظ بوضع خاص نظرا لظروفها الخاصة تمثل نموذج الإعتماد المطلق علي القرار الاقتصادي المجرد بينما وطننا في مصر تختلف تماما فالمضمون الاجتماعي متجذر والوظيفة الأخلاقية أساسية في السلطة والثروة معا كما أن الأمم العريقة تستلهم خطاها من رصيد ماضيها وزخم حاضرها ،‏ إن حديث نيتشه إلي الأمة الألمانية مثله مثل نداء أتاتورك للأمة التركية أو شعارات الوحدة الوطنية التي رددها سعد زغلول مخاطبا أمته المصرية ،‏ فالدولة العصرية ليست هي المباني والمنشآت وليست هي المصانع والشركات وليست هي المدارس والجامعات ولكنها تلك الروح ذات الخصوصية التي تهيمن علي كل أولئك لهذا فإنني أقول وبيقين كامل ،‏ مرحبا بكل الاجتهادات الفكرية والقرارات الاقتصادية والأنشطة الاستثمارية‏،‏ مرحبا بالتزاوج بين السلطة والثروة في إطار من الشفافية المطلوبة والصدقية الكاملة مرحبا بهم جميعا شريطة أن يقف الكل علي أرضية وطنية كاملة لا يتطلعون خارج حدود الوطن ولكن ينظرون إلي فقرائه قبل أغنيائه ،‏ يؤمنون بالعدل الإنساني والتكافل البشري والتضامن الاجتماعي ،‏ ويضعون الوطن قبل كل قرار‏ ،‏ وفوق كل موقف ،‏ خصوصا إذا كان درة الأوطان منذ فجر التاريخ وطفولة الإنسان .‏

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.