في البدء أعلن تحيزاتي الفكرية والسياسية بأنني مع خيار المقاطعة لما يرتب له من مسرحية هزيلة يريدون أن يسمونها انتخابات رئاسية. ولأنني أقيم بالخارج فقد قاطعت تلك المسرحية، ولم أذهب للمشاركة فيها احتراما للمرات التي وقفنا فيها في حرّ الشمس لننتخب رئيسا سابقا تم اختطافه وسجنه واتهامه بالتخابر والتجسس، ألا يدين المجلس العسكري أنه سلم جاسوسا منصب الرئاسة؟ لكنني أقدر وأحترم كل من اختار الذهاب، وأوصيت البعض يعطي صوته لحمدين صباحي، فلا يستقيم شرعا ولا عقلا ولا سياسا ولا مروءة أن نكافئ أهل الغدر وأهل النكوص عن أيمانهم وأهل الخلف في الوعود بأن نتوجهم أبطالا شعبيين. كنت في بداية الأمر أتفهم أننا لسنا في نظام سياسي يقدر اختيار المقاطعة وإبطال صوات ويعتبرها إذا زادت نسبتها طعنا في شرعية العملية الانتخابية كلها، كالنظام الفرنسي مثلا. وكنت أتحمس قليلا لأن نعصر الليمون مرة أخرى وندفع بحمدين في مواجهة النظام الاستبدادي الذي تشكل سريعا. إنما للأسف لم تكن ثمة عملية انتخابية أصلا، ولم تتسم بأبسط شروط النزاهة، كانت ترتب على أعين المستبد الجديد، كما يرتب أسئلة مقابلاته التلفزيونية المسجلة والممنتجة. كانت عملية سياسية مرتبة على عينه، فكما يحذف الأسئلة الصعبة والتي تسبب له حرجا ولا يستطيع الإجابة عليها، حذف المرشحين الأقوياء الذين يمكن أن يمثلوا تحديا حقيقيا، فضُرب على أحدهم النار، وهدد الثاني بفتح الملفات القديمة والجديدة وما أكثرها وما أفدحها وما أشدها وطأة، فاشتريا أنفسهما، يعرفون أن إيده طايله. وأوشك حمدين -المنافس الذي يمكن تحمل منافسته ليقينه بأنه ليس أكثر من مرشح محتمل (وكتير والله عليه)- ألا يجمع عدد التوكيلات المطلوبة، حتى أحسوا بالكارثة، سيلاعب الرئيس المرشح نفسه، وسيكون المرشح الوحيد وتكتمل أركان الفضيحة (محليا وإقليميا ودوليا) فكان لابد أن يستكمل حمدين عدد التوكيلات، حتى لو تصدق عليه بها الرئيس المرشح، فلابد أن تحمل المسرحية حدا أدنى من المعقولية، أما مسرح اللامعقول الذي نعيش فيه منذ 3 يوليو فمستحيل استمراره. وكانت صورة التنافس بين مرشحين لا ثالث لهما. كان على حمدين أن يدرك مبكرا بتاريخه السياسي الطويل أنه: لا ثمة منافسة شريفة. ولا متكافئة. ولا تضمن حدًا أدنى من النزاهة. والدولة فيها خصما وحكما، ولا يمكن أن تكون طرفا محايدا أبدا، منذ أن تغيرت قواعد العملية الانتخابية خاصة في الخارج (وأنا شاهد عليها ومدرك لتأثيرها). لكن للأسف استمر حمدين وتغلبت الحسابات السياسية على الحسابات الوطنية: أهلا وناسا، حاضرا ومستقبلا، وكانت مشاركة يعلم الكافة (وهو أولهم) أنها لإضفاء مسحة أو غلالة رقيقة من الشرعية على عملية تفتقد كل مقومات الشرعية. كنت أتفهم أن يذهب المصريون في الخارج، ويصوتوا لمن يشاؤون ويختاروا بين الشر والأشر (على الأقل في تصوري) إنما جرت عملية تزوير نمطية معروفة تاريخيا في النظام المصري عند يكون مرشح النظام هو مرشح الوطن، وهو ضامن استقراره وهو معقد الأمل، ويظل التضخيم والتماهي واللعب بعواطف الناس الوطنية فيكون مرشح النظام أو النظام المرشح هو بشرة خير. وتنقلب العملية من التزوير المحترف إلى التزوير الفج الغبي، ونرجع إلى العصر الشمولي الأول، وصوت العرب وسياسات الحشد الجماهيري أو سوق الناس كالقطيع. وهنا أصبح الذهاب والوقوف في الطوابير المصطنعة والصور المصطنعة كمن يكثّر سواد المزورين، وكمن يبارك تزويرهم، ويبتسم للكاميرا والوطن يذبح، ويقبل أن يكون حبا في طاحونة المستبد الجديد، ولن يتذكر أحد حمدين ولا حتى حمدا واحدا. ورأيت أحد مظاهر عبقرية هذا الشعب ونضجه ووعيه، عندما تعامل مع تلك العملية بنوع من التجاهل مذهل، وأفسدها بالترك، وأبطل شرعيتها بالعزوف وعدم الاعتراف (قارنوا بين عدد أصوات المصريين في الانتخابات السابقة مع كثرة المعوقات والشروط والتسجيل على الانترنت واشتراط بطاقة الرقم القومي، وعدد الأصوات في هذه الانتخابات رغم كل التسهيلات وعدم اشتراط التسجيل على الانترنت والدعاية المكثفة لحث الناس على المشاركة، والباصات التي تنقل الناس). هذا شعب عبقري يستعصي على أي ظالم ولا يسهل خداعه ولا يسهل اللعب بمشاعره، ومن ذهب كمن يبرئ ذمته الوطنية وكمن يحاول أن يدفع في قطار يتجه إلى الاصطدام وخرجت عجلاته عن القضبان، ومن ذهب كمن يقول خلينا مع الكذاب، ولما نشوف آخرتها، لذا أحترم اختيار من شارك ولا ألومه ولا أتهمه، إنما هي تقديرات البشر، وتقديرات البشر تختلف. ما تم في الخارج وأطلقوا عليها انتخابات رئاسية هي محاولة لتبيض سمعة نظام فشل في إقناع مراقبي الاتحاد الأوربي فخفضوا بعثتهم، فالنظام الذي يختار منافسيه ومحاوريه ومراقبيه هو نظام على وشك الانهيار ولا يؤسس لحياة جديدة، تزوير ممنهج وتزييف لإرادة الناخبين واستقطاب حاد وتوظيف مشاركة مرشح يعلم الجميع أنه ليس له فيها نصيب، ورئيس مرشح يمارس كامل صلاحيات الحكم منذ 3 يوليو. والكل يمثل في مسرحية هزلية يعلمون أنها رتبت على عين الرئيس المرشح أو المرشح الرئيس.