بدأ النظام برفع سقف التوقعات، والوعود الكاذبة بأنهار السمن والعسل، وأن الخير القادم عبر عشرات المليارات التي ستأتي عبر مؤتمرات العلاقات العامة، وصفقات شراء الشرعية، ومشروعات وهمية أقرب للفناكيش منها لدراسات جدوى حقيقية، وآتت هذه السياسية أكلها فما زال بعض الناس ينتظرون تحسّن الأحوال حتى يأس أغلبهم وأدرك اللعبة، فلا يمكن أن تخدع كل الناس كل الوقت. ثم كانت مرحلة خلق الأعداء الوهميين وسيل المؤامرات التي تحاك في الخفاء ضد تلك الدولة المركزية التي يجتمع عليها العالم شرقه وغربه حتى يقضي على نهضتها المبهرة والتي ستجعل الدولار بأربعة جنيه، ولن يجد من يأخذه، وصدق الناس لفترة من الزمن هذا الهراء. ثم كانت مرحلة المشاريع القومية أو الوهمية الكبرى حلما داعب خيال المصريين فترة من الزمن، فعشرات الآلاف من المصريين الذين سحبوا 60 مليار جنيه من البنوك ومن تحت البلاطة ليودعوها في مشروع قناة السويس بنسبة فائدة 12% طمعا في الزيادة لم يكونوا يتوقعون أن تكون خسائرهم بهذا الشكل المريع بعد هذا التضخم الرهيب الذي أكل ليس نسبة الفائدة بل حتى أتى على أصل رأس المال. اختفى حلم الثراء السريع، وتلاشى وهم تحسن الأحوال، وانخفاض الأسعار وانهيار سعر الدولار، وأنه حتى لو لم ينخفض سعره أمام الجنيه فلن يؤثر ارتفاع سعره وانهيار الجنيه أمامه في ارتفاع الأسعار خاصة أسعار المواد الغذائية وأسعار المواد الوسيطة التي تدخل في الانتاج مما يصادم أوليات أي منطق، والحقيقة أن وضع مصر السياسي والاقتصادي قد شنق المنطق على قارعة الطريق، وكأننا شعب من فاقدي الأهلية والتفكير، حتى البديهيات تجد سوق ناكريها رائجة. أما المرحلة الحالية التي دخلنا فيها منذ فترة ليست بالقليلة فهي مرحلة الإدارة بقنابل الدخان، وكل قنبلة لمفعولها زمن محدد، وقبل أن ينتهي مفعولها إذا بقنبلة أخرى تشغل الساحة وتكون مثار الحديث، وحفلات الزار اليومية المسماة زورا "البرامج الحوارية" حيث تنشط الأذرع الإعلامية التي تكتب ما يملى عليها من سماعة الهاتف على الجهة الأخرى. الإدارة بالأزمات هي أقرب وصفي علمي أو إداري لما نحن فيه، فالنظام لا يعمل على حل الأزمات بقدر ما يعمل على استمرارها بل وزيادة أوارها وتوسيع رقعة المشاركين فيها حتى لو بحسن نية في دفع أباطيل التافهين والرويبضة الذين يتكلمون في الشأن العام بما يزيد حالة السيولة في المجتمع، فمن جرأة على مقدسات الأمة إلى طعن في ثوابتها وأصولها العقائدية، إلى السفالة وقلة الأدب والتجاوز على الرموز التاريخية والحالية. لا أؤمن بنظرية المؤامرة وأفندها كثيرا في كتاباتي، إنما أؤمن بالتخطيط والتفكير الاستراتيجي والإدارة بالأهداف، وأدرك أن ثمة من يعيد ترتيب المنطقة لمرحلة أشد إيلاما، وأن التقسيم على الأرض لابد أن يسبقه التقسيم على الخرائط، وقبل مرحلة الخرائط لابد من إحكام مرحلة التلاعب بالعقول وإعادة هندسة المفاهيم الأساسية للدين وللحياة وللأوطان. ما يحدث إنما هو: إنما خط ممنهج من الإثارة بتوظيف قضايا ذات حساسية معينة تحدث الجلبة وتلفت الانتباه عن الواقع الأليم، وتعمل على زيادة حالة الاحتقان في المجتمع بين طوائفه، وتخلق المعارك الوهمية على قضايا مفتعلة تصدم الشعور الديني لتحدث فيه فعل الصاعق الكهربائي، حتى يسهل التلاعب بمنظومة أفكاره. فأسهل ما يكون التأثير على الفرد عندما يفقد توازنه وتتداخل عليه القضايا ويتوه بين أصوات القنابل ودخانها. لقد فقدت سياسات الإغواء مفعولها بأثر الفشل، وتلاشت سياسات الإلهاء بأثر مطارق الأزمات الاقتصادية الطاحنة، وتبخرت الوعود بتحسن الأحوال تحت بأثر من سيل الغلاء الرهيب وأصبح تصديق أن الأمور ممكن أن تتحسن أو أن الأسعار أو الدولار يمكن أن ينخفضا ضربا من الجنون والخبال لا يمكن حتى لأبسط الناس أن يسمعوه فضلا عن أن يصدقوه. خلاصة الكلام: "رحمة الله رجالا أحيوا الحق بذكره، وأماتوا الباطل بهجره".