حرب أكتوبر، كما أشار الرئيس مبارك لاحقا، قامت من أجل السلام. فلم يكن هدفها «تدمير إسرائيل»، كما تم الترويج داخل إسرائيل فيما بعد، أو حتى- على الجبهة المصرية على الأقل- تحرير كل الأرض المحتلة عسكريا. لكن الحقيقة المجردة هى أن إسرائيل لم تقبل المبادرات السلمية التى عرضها عليها السادات قبل الحرب، ثم قبلتها بعد ذلك. لذلك يمكن اعتبار نتيجة حرب أكتوبر نصرا مصريا عظيما، رغم أننا لم «ندمر إسرائيل» ولم نقم حتى بتحرير أراضينا بالكامل بطريقة عسكرية. لكن، كما قال السادات، لقد «أفقدنا العدو توازنه فى ست ساعات»، وشكل ذلك درسا عسكريا ومعنويا تم فرضه على الطرف الآخر. من هذا المنطلق كان قرار قبول وقف إطلاق النار عند المرحلة التى حددها السادات صحيحا، خصوصا أن المضى قدما فى القتال كان يتضمن مجازفة كبيرة. مع ذلك لم يكن هناك إجماع على هذا الرأى.. أتذكر مثلا، رغم كونى طفلا صغيرا آنذاك، أننى كنت أسمع المناقشات الطويلة التى كانت تدور بين والدى، الذى كان يعمل مستشارا فى سفارتنا بموسكو فى ذلك الحين، وحافظ إسماعيل، العسكرى العظيم ومستشار الرئيس السادات للأمن القومى الذى كان قد عين سفيرا بموسكو. كنت صغيرا ولم أفهم الكثير، فهمت فقط أن النتيجة التى وصلت إليها الحرب لم تكن مرضية فى نظرهم، ولن يمكن من خلالها فرض السلام الشامل. وكانت وجهة نظر والدى فيما بعد- بعد أن كان قد استقال من «لجنة القدس» التى كانت تدير المفاوضات بين الخارجية المصرية والإسرائيلية فى أعقاب زيارة السادات التاريخية لإسرائيل- أن كل مخاوفه قد تحققت مع اتفاقيات «كامب ديفيد»: لقد أنهت مصر حالة الحرب مع إسرائيل دون إيجاد حل للمشكلة التى دخلت الصراع من أجلها من الأصل، وهى القضية الفلسطينية. وفى السنين التى تلت، كان يرى فى أفعال إسرائيلية استفزازية- مثل ضم الجولان والقدس وحرب لبنان والحملات الاستيطانية غير المسبوقة فى الضفة الغربية، التى تعاقبت بعد إبرام السلام المصرى مع إسرائيل- دلائل على صحة وجهة النظر القائلة بأن المعاهدة مهدت الطريق للتطرف والتمادى والصلف الإسرائيلى. لم يتساءل والدى، رحمه الله (توفى فى مثل هذا اليوم منذ عشر سنوات)، عما كان سيحدث إن لم يذهب السادات لإسرائيل. فمن المرجح أن السادات كان قد أحس بما كان سيحدث فى أعقاب تولى أول حكومة يمينية، برئاسة «بيجين» الذى كان ينادى طوال تاريخه السياسى الطويل ب«كامل أرض إسرائيل»، مقاليد الحكم. فماذا كان سيمنع إسرائيل اليمينية فعل كل ما سبق سرده، حتى فى غياب مبادرة السادات؟ ذلك بالطبع بالإضافة لخطوات أخرى مرجحة مثل سن قانون ل«ضم» سيناء وتكثيف الاستيطان فيها.. إلخ. فلا مجال لإنكار أن إسرائيل قد قبلت بشروط سلمية لم تقبلها قبل الحرب، لكن ذلك لم يكن نتيجة لآثار الحرب وحدها، التى أدت، على العكس، لمزيد من التشدد لدى الرأى العام الإسرائيلى، انعكس فى النهاية فى نتائج انتخابات 1977. ما أدى لقبول إسرائيل للسلام مع مصر، إنها ثنائية «العصا والجزرة»، أى عرض السلام والتلويح بما يمكن أن يحدث فى غيابه. لكن السلام الذى نتج كان سلاما منقوضا فى نظر الكثيرين. من هنا نشأت مسألة ال«تطبيع»، أى الرفض الفعلى للسلام المبرم. أعتقد أن حالة الهوس والتخبط المزمنة المصاحبة لهذا الموضوع نابعة بالدرجة الأولى من غياب مناقشة جادة لأهداف وحيثيات هذا الرفض.. فهل الهدف هو الضغط المباشر على إسرائيل؟ أم أن مواقف المقاطعة نابعة فقط عن إحساس فطرى بالاشمئزاز من أفعال (أو طبيعة) إسرائيل؟ أم أنها تمثل مبادرة لعزل إسرائيل، لكى يمضى العالم فيما بعد بفعل نفس الشىء؟ إذا كان الهدف هو الضغط على إسرائيل، وفى مجتمع ديمقراطى (لليهود على الأقل) يتم ذلك عادة من خلال التأثير فى الرأى العام، فالرفض المطلق وحالة الصراع لا ينتج عنهما فى الجانب الآخر إلا شىء واحد: مزيد من التشدد (كما حدث بعد حرب أكتوبر)، فالرفض يقابله رفض مقابل، ولا يمكن أن ينتج عن المقاطعة فى هذا السياق أى ضغط يذكر- لأنه، بكل بساطة، معظم الإسرائيليين ليسوا «واقعين وهيموتوا» على التطبيع كما نظن، فهم مطبعون مع العالم كله، ولديهم جامعات على مستوى عالمى، وما يكفيهم من علم وهندسة وفن وثقافة.. ولا يمكن أن يهتم الإسرائيليون بآراء من يرفضهم قطعيا، ولا يعرض البديل (كما فعل السادات). أما إذا كانت المواقف المناهضة للتطبيع تعبر عن اشمئزاز مطلق تجاه إسرائيل والإسرائيليين، فلماذا يهتم من يتبنى مثل هذه المواقف برأى الإسرائيليين من الأصل؟ ففى هذه الحالة تصبح ورقة التطبيع ورقة رفض معنوى بدلا من ورقة ضغط. ومن حق من يتبنى هذا النهج أن يمتنع عن التطبيع (بالطبع)، لكنه لا يمكن أن يفرض ذلك على الآخرين بحجة أن التطبيع يشكل ورقة الضغط الأخيرة لدينا.. أما فى الحالة الثالثة، التى تعتبر فيها المواقف المناهضة للتطبيع مثالا للعالم الخارجى، فلا يمكن أن ينجح هذا المنطق فى اجتذاب أى تأييد يذكر طالما بقيت أوضاعنا السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية على ما هى عليه الآن، لأن العالم ينظر لتلك الأوضاع السائدة ولا يرى فيمن يعيشها مثلا أعلى لأحد.