■ كتب: حسن حافظ تواصل السلطات الصهيونية محاولاتها المستميتة لإعادة كتابة التاريخ كى يتوافق مع السردية الصهيونية التى تحذف من سجلات الزمن الوجود الفلسطيني المثبت على مدار آلاف السنين، على أمل ترويج رواية زائفة تقصر الوجود المادى فى فلسطين التاريخية على الإسرائيليين، وفى هذا الإطار جاءت محاولة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر - خلال اجتماع مجلس الأمن الدولي فى فبراير الجارى - والذى استخدم بعض العملات الأثرية ليقول إنهم السكان الأصليون لأرض فلسطين، لكن هذا المسلسل من الأكاذيب الإسرائيلية لا يصمد أمام التفنيد التاريخي. ساعر رفع عملة أثرية تعود إلى القرن الأول الميلادى قال إنها تثبت أحقية الإسرائيليين التاريخية بأرض فلسطين، وهو زعم يناقض حقائق التاريخ الثابتة بحسب محمد عبدالحميد الباحث الأثرى والمتخصص فى المسكوكات الفلسطينية الذى فند الأباطيل الإسرائيلية قائلًا ل«آخرساعة»: «دأب المسئولون الإسرائيليون على توظيف بعض القطع الأثرية فى ترويجهم لسردية تاريخية مغلوطة تهدف للربط بين الجماعات اليهودية القديمة التى عاشت فى بعض مناطق كنعان (فلسطين) وبين إسرائيل (الكيان الصهيونى المعاصر)». ◄ اقرأ أيضًا | ضربات في قلب طهران.. إسرائيل تصعّد المواجهة وتفتح جبهة جديدة وتابع عبدالحميد: «لم يكن جدعون ساعر وزير الخارجية الإسرائيلي أول مسئول إسرائيلى يعرض مسكوكة أثرية على الحضور فى إحدى جلسات مجلس الأمن، فقد سبقه دانى دانون مندوب إسرائيل فى الأممالمتحدة فى هذا الأمر أكثر من مرة. والحق أن المسكوكات (أو بالأحرى نوعية بعينها من المسكوكات) هى الأثر المفضل لديهم فى البروباجندا، وهذا يرجع بالأساس لسهولة تحريف قراءتها والتلاعب بتفسيرها، فضلا عن قلة المتخصصين فى هذا النوع من الآثار والقادرين على فضح أكاذيبهم». ولفت محمد عبد الحميد إلى أن «الصهاينة» يلجأون عادة إلى استخدام نموذج واحد من العملات الأثرية ويعملون على تحريف دلالتها، وهى العملات التى صدرت فى القدس أثناء التمرد على الحكم الرومانى خلال النصف الثانى من القرن الأول الميلادي. ومع عرض العملة يبدأ الحديث عن حق إسرائيل فى كامل التراب الفلسطيني، بدليل وجود عملات «يهودية» عمرها يقارب ألفى عام، لكن الوقائع التاريخية تقلل من الأهمية التاريخية لهذه العملات، التى صدرت بسبب تمرد مجموعات يهودية على الحاكم الرومانى فى القدس العام 66 ميلاديا، وربما شارك فى التمرد عناصر غير يهودية، وتمكن الرومان فى النهاية من القضاء على هذا التمرد ودخلوا القدس سنة 71 ميلاديا، وخلال سنوات التمرد توقف إصدار العملات الرومانية فى القدس، وبدلا منها قامت سلطات التمرد بإصدار عملات تحمل نقوشا ورموزا محلية، كدلالة على استقلال المدينة عن الإمبراطورية الرومانية، ولكن بعد قمع التمرد عادت القدس إلى إصدار وتداول العملات الرومانية. ويخلص محمد عبد الحميد إلى نتيجة مهمة وهى أنه «بناءً على ما سبق نرى أن العملة التى عرضها جدعون ساعر ومن قبله دانى دانون إذا وضعناها فى سياقها ضمن التاريخ النقدى للقدس ستصبح أشبه بقطرة فى بحر، فهى تخالف ما سبقها وما لحقها من إصدارات، لكنها فى نفس الوقت تنتمى للنسيج الثقافى الخاص بتلك البقعة من الأرض، فما تحمله من رموز لا يخص جماعة عرقية أو طائفة دينية بعينها، فعلى سبيل المثال نرى أن رموزًا مثل ثمرة الرمان والكأس وعنقود العنب والنخلة، كلها موتيفات فنية تكرر ظهورها على العديد من العملات بمناطق متعددة داخل وخارج كنعان، كما أن النقوش الكتابية على هذه العملات جاءت بالخطين الفينيقى والآرامي، وهما من أشهر الخطوط التى استخدمتها شعوب إقليم شرق المتوسط على اختلاف أديانهم وأصولهم. لهذا لا يصح علميا أن نبنى على هذه العملات أى فرضيات، ولا يمكن بأى حال من الأحوال التعامل مع هذه الإصدارات المحلية المؤقتة على أنها نوع مستقل من النقود ونطلق عليه ذلك الوصف المتهافت وغير العلمى أى (المسكوكات اليهودية)». وأشار الباحث الأثرى إلى أن «الأدلة الأثرية التى تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد تثبت أن سكان القدس/ أورشليم، لم يتجاوزوا خمسة آلاف نسمة، وهو عدد محدود جدًا بل إن المفاجأة أن التاريخ ينصف المدن الفلسطينية التى سيطرت على الساحل فى مقابلة تجمع اليهود العبرانيين فى مقاطعة يهوذا، إذ إن العملات المكتشفة تكشف عن أن مركز الثقل السياسى والاقتصادى والاجتماعى والسكانى كان فى مدن الساحل الفلسطينى وهى غزة وعسقلان وأشدود، وليس فى أورشليم ومدن الداخل التى سيطر عليها العبرانيون، وهو أمر مثبت بالأدلة الأثرية فتم الكشف عن 22 إصدارا من العملة المضروبة فى أورشليم، بينما تم العثور على أكثر من 350 إصدارا من العملة المضروبة فى مدينة غزة فى نفس الفترة، فلك أن تتخيل حجم الفارق فى النشاط الاقتصادى والكثافة السكانية فى غزةالفلسطينية». وشدد محمد عبد الحميد على أن «الادعاء بأن هذه العملات تعد دليلا على حق هؤلاء اللقطاء فى أرض فلسطين هو ادعاء باطل يزيف التاريخ ويتلاعب بعلم الآثار لخدمة دعاية سياسية تبرر الاحتلال وجرائمه فى حق سكان الأرض الأصليين. إن المحاولات الخبيثة لتوظيف المسكوكات الأثرية تكشف لنا عن رغبة فى تشتيت انتباه الرأى العام العالمى عن جرائم الفصل العنصرى والتطهير العرقى والإبادة الجماعية التى ترتكبها سلطات الاحتلال. لقد مرت على هذه الأرض حضارات وأعراق وأديان شتى، يُراد لنا اليوم أن ننساها ونتجاهلها لصالح جماعات بعينها. وإن كان الأمر يُقاس بما أصدرته القدس من عملات فلدينا مسكوكات فارسية ويونانية ورومانية وبيزنطية وإسلامية كلها من ضروب مدينة القدس على مدار آلاف السنين، فلماذا يُطلب منا أن ننظر فقط لعملات مؤقتة لم يدم إصدارها لأكثر من بضع سنوات قليلة جدا!».