"هى ليست بريئة .. تدرك جيدا أنها مذنبة " من هنا تبدأ سطور "حكاية نرجس", من فلسفة اليقين والاعتراف بالذنب, وواقع اجتماعى يتصف بالقسوة قد يكون شريكا فى الجريمة ربما الدافع الأساسي لها, سطور تضع خطوطا حمراء تحت جرح يتسلل إلى حياة المرأة حين يختزل وجودها في سؤال واحد: هل أنجبت أم لا؟, ومن هذه النقطة تحديدا تنطلق الدراما لتكشف كيف يمكن لضغط اجتماعي قاس أن يحاصر إنسانا حتى يفقد توازنه بين الصواب والخطأ. اختار مسلسل "حكاية نرجس" أن يضع يده على واحدة من أكثر القضايا تعقيدا في المجتمع, وهي الضغط الاجتماعي الواقع على المرأة بسبب قضية الإنجاب, العمل لا يكتفي بطرح القضية في إطار اجتماعي تقليدي, بل يحاول تقديمها عبر معالجة نفسية مع تتابع تحولات الشخصية الرئيسية التي تجسدها ريهام عبد الغفور، من الضحية إلى الفاعل في مأساة تتسع دوائرها تدريجيا, هذا التدرج في الأداء يعكس فهما عميقا لطبيعة الشخصية, حيث لا تقفز ريهام إلى ذروة الانفعال مباشرة, بل تسمح للمشاهد بأن يشهد عملية التحول النفسي خطوة بخطوة. ينطلق المسلسل من فكرة بسيطة ظاهريا لكنها ثقيلة فى عمقها الإنساني, وكيف يمكن أن يتحول الضغط المتواصل إلى حالة من الاختلال العاطفي تدفع الإنسان إلى اتخاذ قرارات صادمة. فنرجس امرأة تقف على الحافة, تحمل في داخلها صراعا صامتا بين رغبة طبيعية في الأمومة وبين واقع يذكرها كل يوم بعجزها عن تحقيق هذا الحلم, ومع تصاعد الأحداث تتحول تلك الرغبة إلى هاجس يسيطر على حياتها, حتى تصل إلى لحظة فاصلة ترتكب فيها فعلا يضعها في مواجهة المجتمع والقانون معا. في قلب هذه الحكاية رسمت شخصية نرجس, شخصية درامية مركبة تتصارع داخلها المشاعر الإنسانية المتناقضة, فهي في نظر المجتمع والقانون مجرمة, لكنها في الوقت نفسه تحمل قلبا مثقلا بالحنين إلى طفل لم تلده, مما يربك المشاهد فهى شخصية لا تنتمي إلى خانة الشر الخالص, الجريمة التي ترتكبها لا تأتي من نزعة قاسية أو رغبة في الأذى, بل من عطش إنساني شديد للأمومة, هنا يتحول الصراع الدرامي إلى صراع أخلاقي لدى المشاهد نفسه, هل يكره تلك المرأة لأنها تجاوزت الخط الأحمر حين امسكت بفرصة غير مشروعة؟, أم يشفق عليها؟. هذه المنطقة الرمادية هي التي تمنح العمل قوته, لأن المشاهد يجد نفسه متورطا في التعاطف مع شخصية ارتكبت خطأ جسيما, وكأن المسلسل يطرح فكرة أن الإنسان قد ينزلق أحيانا إلى الشر حين يدفعه جرح عميق لا يراه الآخرون. الشخصية هنا مركبة مليئة بالتعقيدات التي نسجت تفاصيلها بدقة, ونجحت ريهام عبد الغفور فى أن تتسلل إلى وجدان المشاهد بأداء تمثيلي مميز هادئ الإيقاع اعتمد على الاقتصاد في الانفعال والثراء في التفاصيل من نظرة مترددة, ابتسامة غير مكتملة, أو ارتباك في نبرة الصوت, كلها أدوات صغيرة لكنها كفيلة بنقل حالة نفسية معقدة إلى المشاهد, جعلها الجوكر الحقيقي في اللعبة الدرامية, ورقة لا يمكن الاستهانة بها, ولا يمكن تجاهل تأثيرها في نفس المشاهد, شخصية استثنائية تتحرك خارج التوقعات التقليدية, حالة درامية متقلبة تملك القدرة على مفاجأة المشاهد في كل لحظة ورقة رابحة قادرة على تغيير قواعد اللعبة. هذا النموذج من الشخصيات يذكرنا بتلك الشخصيات المعقدة في الدراما العالمية التي تجمع بين الجاذبية والخطر في الوقت نفسه, حيث يظل الجمهور متورطا في متابعتها حتى وهو يدرك أخطاءها. خرجت ريهام عبد الغفور عن المألوف واستحضرت الشخصية بأدق تفاصيلها لتؤكد أنها بحق "سيدة التفاصيل", فالأداء هنا لا يعتمد على الانفعال الصاخب بقدر ما يقوم على الإيماءات الصغيرة من نظرة خوف حين يقترب ساتر الحقيقة من الانكشاف, لمسة حنان لطفل تحاول أن تقنع نفسها أنه ابنها, وصمت طويل يحمل في داخله ارتباكا, ذنبا وأملا. هذه التفاصيل الدقيقة منحت المصداقية للشخصية وجعلت المشاهد يشعر أنه أمام إنسان حقيقي يعيش صراعا داخليا مريرا, لتؤكد ريهام مرة أخرى أنها واحدة من أهم ممثلات الأدوار المركبة, فهي تميل دائما إلى الشخصيات التي تحمل طبقات نفسية متعددة, تحتاج إلى ممثلة قادرة على كشف تلك الطبقات تدريجيا أمام الجمهور. المسلسل ينتمي إلى نوعية الدراما القصيرة ذات الإيقاع السريع, حيث تعتمد الحبكة على سر كبير يهدد بالانكشاف في أي لحظة, هذه التيمة منحت العمل عنصر التشويق, لكنها في الوقت نفسه تضع تحديا أمام السيناريو بالحفاظ على التوازن بين التحليل النفسي وتصاعد الأحداث. أحيانا يميل العمل إلى إبطاء الإيقاع لصالح المشاهد العاطفية, بينما يحتاج في لحظات أخرى إلى تصعيد أكبر في الصراع. وأحد أهم عناصر قوة المسلسل هو طرحه سؤالا جوهريا, إلى أي مدى يمكن أن يتحول المجتمع نفسه إلى طرف في المأساة؟. فالأزمة في الحكاية ليست فردية فقط, بل هى نتاج منظومة من الضغوط الاجتماعية والعائلية قد تدفع الإنسان إلى قرارات غير عقلانية, بهذا المعنى يصبح المسلسل نقدا غير مباشر لثقافة تحصر قيمة المرأة في قدرتها على الإنجاب, ويطرح أسئلة أخلاقية معقدة, هل يمكن تبرير الخطأ عندما يكون نتيجة لضغط إنساني شديد؟. في النهاية, يظل العمل محاولة درامية للاقتراب من منطقة إنسانية حساسة معقدة, حيث لا توجد إجابات سهلة, بل شخصيات تحاول النجاة في عالم يفرض عليها أحكامه القاسية. ربما تكمن قوة الحكاية في أنها لا تطلب من الجمهور أن يبرئ نرجس أو يدينها ولا أن يضع مبررات للجريمة, بل أن يفهم, وبين الفهم والإدانة تبقى هذه الشخصية واحدة من أكثر الشخصيات الدرامية إثارة للجدل". اقرأ أيضا: خاص| ريهام عبد الغفور تكشف تفاصيل دورها في "برشامة"