أصبحت ريهام عبد الغفور من أكثر الممثلات المصريات قدرة على اختيار أدوار معقدة ومختلفة، فهى لا تبحث عن البطولة التقليدية بقدر ما تبحث عن شخصيات تحمل طبقات نفسية وإنسانية عميقة، فى مسلسل «حكاية نرجس» تقدم نموذجًا واضحًا لهذا المسار عبر شخصية مستوحاة من قصة حقيقية لامرأة تحولت من سيدة بسيطة تحلم بالأمومة إلى خاطفة أطفال هزت قصتها المجتمع السكندرى فى ثمانينيات القرن الماضى. المسلسل، الذى كتب معالجته الدرامية عمار صبرى وأخرجه سامح علاء، يبدأ من نقطة إنسانية واضحة، امرأة تعانى العقم وتعيش تحت ضغط اجتماعى قاسٍ يجعل الإنجاب معيارًا لقيمتها فى المجتمع، لكن العمل لا يتوقف عند هذا البعد الاجتماعى، بل يتعمق تدريجيًا داخل التشققات النفسية للشخصية، حيث يتحول حلم الأمومة إلى هوس، ثم إلى جريمة. ما تقدمه ريهام لا يقتصر على تجسيد شخصية، بل محاولة لقراءة عقلها من الداخل، أبرز ما يميز أداءها هو التحكم الدقيق فى الانفعال؛ فهى لا تعتمد على الصراخ أو التعبير المباشر، بل على ما يمكن تسميته «بلاغة الصمت»، فى كثير من المشاهد تبدو نرجس هادئة ومطمئنة ظاهريًا، لكن نظراتها تكشف قلقًا مكتومًا وخوفًا دائمًا من انكشاف الكذبة التى تعيش داخلها، تظهر هذه القدرة بوضوح فى لحظات التخطيط لخطف الأطفال، حيث يعتمد الأداء على تفاصيل دقيقة، ارتعاشة خفيفة فى الجسد، نظرة مترددة، أو قبضة يد مشدودة، هذه التفاصيل الصغيرة هى ما يمنح الشخصية مصداقيتها ويجعلها تبدو إنسانًا حقيقيًا لا مجرد شخصية درامية. ريهام لا تقدم مجرمة تقليدية، بل امرأة تعيش صراعًا داخليًا بين صورتين، صورة الأم الحنون التى تتمنى أن تكونها، وصورة المجرمة التى تسرق أطفال الآخرين لتحافظ على وهم الأمومة، هنا يجد المشاهد نفسه فى حالة ارتباك أخلاقى؛ فهو يرفض الجريمة لكنه يفهم الجرح النفسى الذى قاد إليها. اللافت فى أداء ريهام عبد الغفور هو التحول التدريجى للشخصية، فى البداية تبدو نرجس امرأة بسيطة خجولة، لكن مع تصاعد الأحداث يتحول هذا الهدوء إلى قناع يخفى شخصية أكثر جرأة وخطورة، هذا التحول يحدث بسلاسة شديدة. فى السنوات الأخيرة تبدو ريهام عبد الغفور وكأنها تعيش مرحلة النضج الفنى الكامل، حيث تختار أدوارًا محفوفة بالمخاطر لكنها تمنحها عمقًا إنسانيًا، فى «حكاية نرجس» تقدم أحد أصعب أدوارها، إذ تنجح فى تحقيق توازن صعب، أن يرفض المشاهد أفعال الشخصية، لكنه يفهم دوافعها وربما يشفق عليها، لذلك يبدو أداؤها هنا أقرب إلى درس فى التمثيل القائم على التفاصيل الدقيقة والصدق النفسى.