على مدار عقود من الزمن، لعبت المرأة المصرية دورًا متناميًا في مسيرة بناء الدولة وتعزيز الأمن، وكان انخراطها في جهاز الشرطة جزءًا مهمًّا من هذا الجهد الوطني. فبالرغم من أن حضور المرأة في شئون الأمن الداخلي لم يكن أمرًا شائعًا في بداية القرن العشرين، فقد تحول تدريجيًا إلى واقع عملي يعكس تقدير المجتمع المصري لدورها في حفظ الأمن والنظام، وحرص الدولة على الاستفادة من كفاءاتها في خدمة الوطن والمواطنين.. وفي شهر المرأة نقدم باقة ورد شكر وعرفان بدور الشرطة النسائية المصرية في حماية الوطن.. تعود أولى مظاهر تدخل المرأة في أعمال الشرطة في مصر إلى أوائل خمسينيات القرن المنصرم، حين ظهرت أول دفعة من «البوليس النسائي» بعد الثورة مباشرة، وتحديدا في عام 1953، حيث تخرجت مجموعة من الكونستبلات في مديرية أمن الإسكندرية، منهن قاسمة أحمد، ونعمة حسن، وعطيات محمد خليل، اللواتي أثبتن وجودهن المهني بالرغم من اعتراضات بعض النظم التقليدية داخل المؤسسة الأمنية آنذاك. كان هذا التواجد في البدايات محدودًا من حيث المهام؛ إذ اقتصرت غالبا على أعمال إدارية وخدمية داخل بعض الإدارات، مثل السجل المدني وإدارة المرور، لكن تلك الخطوة كانت رمزية في فتح الباب أمام المرأة المصرية للدخول إلى مهنة ترتبط بالقانون والنظام، ولعبت دورًا في تغيير التصورات التقليدية عن وظائف المرأة في المجال الأمني. التطور والتوسع مع مرور الوقت، وتوسع دور الدولة في إعادة هيكلة مؤسسات الأمن والمجتمع، بدأت مساهمة المرأة في العمل الشرطي تتسع، وقد شهدت فترة ما بعد ثورة 25 يناير 2011 تطورا ملحوظا في هذا المجال. ففي تلك المرحلة، عززت وزارة الداخلية دور الشرطيات في أداء المهام الميدانية، فباتت عناصر الشرطة النسائية تظهر في مواقع عديدة على الأرض، منها حماية المتظاهرين، تنظيم المرور، دوريات الشرطة في الشوارع، ومتابعة وضبط الخارجين عن القانون جنبًا إلى جنب مع زملائهن من الضباط والجنود. وفي السنوات التالية، عمدت الوزارة إلى توسيع مجالات عمل الشرطيات إلى ما هو أبعد من الوظائف التقليدية، فشمل ذلك العمل في العلاقات العامة، تأمين المطارات، المراكز الإصلاحية، ومراكز الأحداث، مما يعكس تقديرًا متزايدًا لقدرات المرأة وشموليتها في مختلف مناحي الأمن العام. حماية المرأة والمجتمع منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، برزت جهود الشرطة النسائية بشكل لافت خصوصًا في التعامل مع ظواهر اجتماعية تتطلب حضورًا نسائيًا حساسًا، سواء في دعم النساء ضحايا الجرائم أو في التصدي لقضية التحرش والعنف ضد المرأة. ففي عام 2013 أسست وزارة الداخلية وحدات خاصة من الشرطيات للتعامل مع العنف ضد النساء، وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا وتشجيعهن على المطالبة بحقوقهن أمام جهات التحقيق، وهو ما رحبت به منظمات المجتمع المدني. لاحقًا في عام 2014، نشرت وحدات شرطية نسائية في شوارع القاهرة والمدن الكبرى خلال مواسم الأعياد والمناسبات للتصدي لظاهرة التحرش كما جرت العادة، مما كان له تأثير إيجابي في الحد من بعض مظاهر الاعتداءات ضد النساء في الأماكن العامة. بهذا الدور الميداني والحساس، لم تعد الشرطة النسائية مجرد فئة مساندة، بل أصبحت قوة متخصصة في التعامل مع قضايا لطالما شكلت تحديًا للمجتمع، وأبرزت حاجة حقيقية لتواجد المرأة في مجالات الأمن والمحافظة على كرامة المواطنات. ولم تَقتصر مساهمات الشرطة النسائية المصرية على الداخل فقط، بل امتدت لتشمل المجالات الدولية أيضًا. في خطوة نوعية أفادت منظمة الأممالمتحدة، انضمت أول مجموعة من الشرطيات المصريات إلى بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث شاركن في مهام حفظ الأمن وتأمين البعثات، جنبًا إلى جنب مع زملائهن من الضباط، وهو ما يعد تجسيدًا لخبرة المرأة المصرية وكفاءتها على المسرح الدولي. ويُعد هذا التواجد في بعثات السلام مثالًا على الدور القيادي الذي يمكن أن تنهض به المرأة المصرية في المنابر الدولية، وإسهامها في ترسيخ القيم الإنسانية وحفظ الأمن في مناطق النزاع. آفاق المستقبل ورغم الإنجازات الملموسة، لا يزال أمام الشرطة النسائية في مصر تحديات يستوجب مواجهتها والعمل على تجاوزها، من بينها زيادة التمثيل النسائي في المراتب القيادية، وتوفير برامج تدريب مهني متخصصة تعزز من كفاءتها في مختلف المجالات الأمنية الحديثة، فضلاً عن دعم ثقافة احترام العمل الشرطي النسائي داخل المجتمع ومؤسسات الدولة. لكن ما تحقق حتى اليوم يعكس إرادة وطنية صلبة لإعطاء المرأة مكانتها الحقيقية داخل منظومة الأمن. خاتمة : رمز للقدرة والعطاء إن مسيرة الشرطة النسائية في مصر ليست مجرد فصل في تاريخ المؤسسة الأمنية، بل هي قصة نجاح وطنية تسلط الضوء على قدرة المرأة المصرية على مواجهة التحديات والمشاركة الفاعلة في شئون الأمن والدولة. إنها علامة فارقة في رحلة وطن يمتلك رؤية واضحة نحو تمكين المرأة ومواكبة التطور المجتمعي، وتأكيد على أن الأمن لا يقوم إلا بتضافر جهود جميع أبنائه وبناته. اقرأ أيضا: أمل عمار: تأهيل الكوادر الشرطية النسائية يعكس دور المرأة في منظومة الأمن