تأثرت بالقراء الكبار الذين جمعوا بين قوة الأداء وصدق الإحساس فى زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتتنوع المنصات، يبقى للصوت الذى يتغذى من القرآن بريقٌ خاص لا يخفت، ومن بين الأصوات النسائية التى اختارت أن تمزج بين صفاء التلاوة ودفء الإنشاد، يبرز اسم المنشدة والقارئة منار محمد محروس طلبة، التى ترى أن الفن إن لم يكن فى خدمة المعنى فقد قيمته، وأن الحضور الحقيقى يبدأ من محراب الإخلاص قبل خشبة المسرح. فى هذا الحوار، تفتح لنا قلبها لتتحدث عن رحلتها وتحدياتها، وأحلامها القادمة. ■ كيف بدأت رحلتك مع القرآن والإنشاد؟ البداية كانت فى بيت يعظّم القرآن، ويؤمن أن أجمل الأصوات ما كان فى طاعة الله ، التحقت بحلقات التحفيظ منذ طفولتى، وكان حفظ القرآن نقطة التحول الكبرى فى حياتى إذ منحنى الانضباط والسكينة، وربطنى بمعانٍ أعمق من سنى الصغيرة، مع مرور الوقت، اكتشفت أن لديّ ميلاً فطريًا للإنشاد، لكننى كنت حريصة أن يبقى الأصل هو التلاوة، وأن يكون الإنشاد تابعًا لها لا متقدمًا عليها، كنت دائمًا أردد لنفسى: «الصوت أمانة» وإن لم يُستخدم فيما يرضى الله فلن تكون له بركة ولا أثر. ■ ما الفارق بين التلاوة والإنشاد من وجهة نظرك؟ - التلاوة عبادة خالصة، لها قدسيتها وضوابطها الدقيقة، ولا مجال فيها للاجتهاد خارج إطار أحكام التجويد والروايات المعتمدة، القارئ حين يتلو ينقل كلام الله كما أُنزل بأقصى درجات الانضباط والخشوع، أما الإنشاد، فهو مساحة أوسع للتعبير الشعورى، لكنه يظل مرتبطًا بالكلمة الطيبة والرسالة الهادفة، أحرص دائمًا أن يكون إنشادى خادمًا للقيم، وألا يطغى على حضورى كقارئة للقرآن. بالنسبة لي، التلاوة هى الجذور، والإنشاد هو الغصن الذى يستمد جماله منها. ■ كيف تصفين أول وقوف لك أمام جمهور كبير؟ - كانت لحظة مهيبة لا تُنسى، شعرت أننى لا أمثل نفسى فقط بل أمثل رسالة القرآن، وكل من علّمنى حرفًا من كتاب الله، فى اللحظات الأولى تسلل إليّ شيء من الرهبة، لكن ما إن بدأت التلاوة حتى تبدد الخوف، وحلّ مكانه سكون عجيب وشعور بالطمأنينة، بعد الحفل، اقتربت منى سيدة مسنّة وقالت إن صوتى أعاد إليها الإحساس بالسكينة بعد فترة من الألم النفسى، تلك الكلمات كانت وسامًا حقيقيًا على قلبي، وأكدت لى أن الرسالة أعمق من مجرد أداء جميل. ■ ما أبرز التحديات التى واجهتكِ كامرأة فى مجال التلاوة والإنشاد؟ - التحدى الأكبر كان الحفاظ على التوازن بين الالتزام والظهور الإعلامى، كنت حريصة على أن يكون حضورى منضبطًا ومحترمًا، وأن أختار المنصات التى تضيف إلى رسالتى ولا تنتقص منها. كما واجهت نظرة البعض التى تختزل النجاح فى الشهرة وعدد المشاهدات، بينما كنت أرى أن النجاح الحقيقى هو رضا الله أولاً، ثم رضا الوالدين، ثم الأثر الطيب فى الناس. بالدعم الأسرى والإصرار، استطعت تجاوز الكثير من العقبات، وتعلمت أن الثبات على المبدأ أهم من أى مكسب سريع. ■ من هم أكثر من أثروا فى مسيرتك الفنية والقرآنية؟ - تأثرت بعدد من قراء المدرسة المصرية الذين جمعوا بين قوة الأداء وصدق الإحساس، وكنت أستمع إليهم لأتعلم كيف تُقرأ الآية بروحها لا بصوتها فقط، كما أن أسرتى كانت الداعم الأول لى، خاصة فى الفترات التى شعرت فيها بالتردد أو الخوف من التجربة. كل كلمة تشجيع صادقة كانت تدفعنى خطوة إلى الأمام، وكل نصيحة مخلصة كانت تصحح مسارى. أؤمن أن النجاح لا يُبنى فرديًا، بل هو ثمرة دعم ومساندة من محيط محب ومؤمن بالرسالة. ■ ما طموحاتكِ فى المرحلة القادمة؟ - أتطلع إلى التعمق أكثر فى دراسة علوم القرآن وأن أحصل على إجازات معتمدة فى القراءات، لأن العلم هو الأساس الذى يحفظ الصوت من الانحراف، كما أطمح إلى تقديم أعمال إنشادية راقية تعالج قضايا مجتمعية بروح إيمانية، وتخاطب الشباب بلغة قريبة منهم دون تفريط فى القيم. ومن أحلامى إطلاق مبادرة لتعليم الفتيات التلاوة الصحيحة والإنشاد الهادف، حتى نُخرج جيلاً يحمل الرسالة بعلم ووعى وثبات، رسالتى الدائمة أن الصوت وسيلة، أما الغاية فهى إصلاح القلوب، وأن يصل القرآن إلى القلوب قبل الآذان.