فى مصر للإنشاد الديني مكانة لا يمكن اختزالها فى كلمات؛ فهو صوت يلامس القلب قبل الآذان، ويمتد ليكون جزءًا من حياة الناس وروحانياتهم اليومية. من ابتهالات الفجر فى الإذاعات، إلى التواشيح التي تُرفع فى المساجد والمناسبات الدينية، يظل الصوت الدينى جسرًا بين الإنسان وخالقه، يحمل رسالة الصفاء والسلام والخشوع. ومع النجاح الذى حققه برنامج «دولة التلاوة»، والذى تمكنت بعض تلاواته من الوصول إلى مليار مشاهدة على المنصات الرقمية، يتجلى للعالم كله أن الصوت القرآنى والابتهالات ليسا مجرد فن، بل طاقة روحية حية تصل إلى النفوس بلا وسيط. وفى قلب هذا المشهد يبرز الإنشاد الدينى كامتداد طبيعى لدولة التلاوة، جامعًا بين التراث الصوتى العريق والتجديد المعاصر، ليظل صوت مصر مصدرًا للخشوع والإلهام، يروى الروح، ويُذكّر الناس دائمًا بعظمة الكلمة الإلهية وقوة التأمل الدينى فى حياتهم. ◄ «دولة التلاوة» لم يكن ظهور «دولة التلاوة» حدثًا إعلاميًا عابرًا، ولا مجرد برنامج مسابقات يُضاف إلى خريطة الشاشات، بل بدا منذ لحظاته الأولى علامة على شوق عميق يسكن وجدان الناس. شوق إلى الصوت الهادئ وسط الضجيج، وإلى المعنى وسط التفاهة، وإلى الخشوع فى زمنٍ اعتاد الصراخ أكثر مما اعتاد الإصغاء. فى فضاء رقمى باتت تحكمه المقاطع السريعة واللهاث وراء «التريند»، جاء الصوت القرآنى ليفرض حضوره على طريقته الخاصة، بلا استعراض، وبلا ضجيج، وبلا محاولة لمجاراة إيقاع لا يشبهه. والمفارقة أن هذا الحضور الهادئ المتزن كان سببًا فى انتشاره الواسع، ووصوله إلى أرقام مشاهدة غير مسبوقة، أعادت التأكيد على أن ما هو أصيل لا يفقد قدرته على الجذب، حتى فى أكثر الأزمنة قسوة على المعنى. أعادت «دولة التلاوة» الاعتبار لفكرة كادت أن تتآكل، وهى أن التلاوة ليست حسن صوت فقط، بل منظومة متكاملة من العلم واللغة والأخلاق. هنا لا يُقاس القارئ بعلو نبرته، بل بقدرته على ضبط مخارج الحروف، وفهم المقامات، واستحضار المعنى، والتعامل مع القرآن بوصفه نصًا مقدسًا يُؤدَّى بخشوع قبل أن يُتلى بإتقان. لذلك بدا المشهد مختلفًا؛ سكينة عامة، وأدب حاضر، وهيبة لا تُفرض بالقسوة، بل تُكتسب بالعلم. ما شدّ الانتباه فى التجربة لم يكن المتسابقين وحدهم، بل المناخ الكامل الذى أحاط بهم؛ لجنة تحكيم تتعامل مع التلاوة بوصفها علمًا ورسالة، لا ساحة تصفية حسابات أو استعراض سلطة، وحضور رسمى يُقدّم صورة مغايرة لما اعتاده الجمهور، حيث تعود العمامة رمزًا للمعرفة والطمأنينة، لا للخطاب المتشنج. بهذا المعنى، لم تُقدِّم «دولة التلاوة» برنامجًا ناجحًا فحسب، بل أعادت فتح باب قديم، باب السؤال عن قيمة الصوت الدينى، وعن موقعه فى حياة الناس اليوم. وأثبتت التجربة أن المشكلة لم تكن يومًا فى ابتعاد الجمهور، بل فى طريقة التقديم، وفى احترام عقل المستمع وروحه معًا. من هنا، تبدو «دولة التلاوة» أكثر من تجربة ناجحة؛ تبدو إعلانًا غير مباشر عن لحظة استعادة، وعن استعداد جماعى للإصغاء من جديد. وإذا كان هذا هو حال التلاوة، فإن السؤال الذى يفرض نفسه بهدوء هو: هل يكون هذا النجاح مدخلًا لعودة صوت دينى آخر، لا يقل عمقًا ولا تأثيرًا، هو صوت دولة الإنشاد؟ ومن هذا المعنى تحديدًا، يفتح النجاح اللافت لدولة التلاوة بابًا آخر للسؤال: إذا كان القرآن قد عاد إلى مركز المشهد بوصفه مدرسة للصوت والوجدان، فماذا عن الإنشاد الدينى، ذلك الفن الذى نشأ فى حضن التلاوة، وتغذّى على مقاماتها، وحمل عبر تاريخه مدائح وابتهالات شكّلت وجدان المصريين لعقود طويلة؟ هل نحن أمام لحظة مواتية لاستعادة «دولة الإنشاد» بوصفها الامتداد الطبيعى للصوت القرآنى، والوجه الآخر لروح واحدة، تتنوع أشكالها، لكن يظل جوهرها واحدًا: إصغاءً، وخشوعا، ومعنى يصل إلى القلب قبل الأذن؟ ◄ تراتيل مصرية خالدة عرف المصريون الإنشاد فى لحظات الصفاء قبيل أذان المغرب فى رمضان، وفى السحور، وفى ليالى المولد النبوى، حيث تختلط المدائح بالخشوع، وتصبح الكلمات جسورًا بين العبد والخالق. لم يكن الإنشاد مجرّد أداء سمعى، بل وسيلة للتقرّب وملء الروح بالسكينة. وكما أن دولة التلاوة قامت على أصوات بلغت اليوم آفاقًا واسعة من الانتشار، قامت دولة الإنشاد على رجال صاغوا للصوت مقامه الروحى، وحفظوا للتعبير الدينى هيبته، فجعلوا من المقام ذِكرًا، ومن النغمة دعاءً، ومن الأداء عبادة. دولة لا تُقاس بالأرقام، بل بما تتركه من أثر فى القلوب. فى هذه الدولة، لم يكن المنشد منفصلًا عن القارئ، بل امتدادًا له، ينهل من علم التجويد والتلاوة، ويحوّل الصوت إلى رسالة. ومن بين هذه السلالة، يطلّ اسم الشيخ على محمود، لا بوصفه منشدًا فقط، بل بوصفه إمام طريق، ومؤسس دولة، وضع قواعدها، ورسّخ هيبتها، وفتح أبوابها لمن جاء بعده. يُعدّ الشيخ على محمود (1887–1946) المؤسس الحقيقى لعلم الإنشاد الحديث فى مصر. ورغم مشواره الفنى الطويل، ضاعت معظم أعماله، ولم يتبقَّ منها سوى تسجيلات السنوات العشر الأخيرة من حياته. تتلمذ على محمود على يد عمالقة المشايخ، أمثال الشيخ إبراهيم المغربى وعبد الرحيم مسلوب، واشتهر بأذانه فى جامع الحسين، حيث كان يغيّر مقام الأذان كل عام، من مئذنة خضراء إلى أخرى، محافظًا على التجديد والابتكار. تتلمذ على يديه جيل من كبار المنشدين، مثل الشيخ طه الفشنى، ومحمد الفيومى، وكامل يوسف البهتيمى، كما تأثر به كبار الملحنين، أمثال محمد عبد الوهاب، ووصل تأثيره إلى سيدة الغناء العربى أم كلثوم وأسمهان. وقد شارك على محمود فى المؤتمر العربى لتوحيد المقامات الموسيقية عام 1930، بحضور ملك مصر فؤاد الأول، ليصبح بذلك علامة فارقة فى تاريخ الإنشاد المصرى. ◄ اقرأ أيضًا | ابني بخير.. والد القارئ الصغير محمد القلاجي يطمئن الجمهور على حالته الصحية ◄ الفشني.. صوت لا يُنسى وُلد الشيخ طه الفشني 1900 فى مركز الفشن بمحافظة بنى سويف، ويُعد من أبرز رواد الإنشاد فى مصر. كانت حلقاته تحظى باهتمام خاص من كبار الشخصيات، حتى أن الملك فاروق كان يداوم على حضورها. اشتهر الفشنى بأسلوبه الفريد فى التنقّل بين المقامات، وإبداعه فى تكرار كلمة «الكرام» ثلاث مرات بطريقة يصعب تقليدها، كما كان من أوائل من استخدموا «البطانة» فى الإنشاد الدينى. وتميّز صوته بقوة الإمكانات الصوتية، مما جعل من أدائه تجربة استثنائية للمستمعين. ◄ الفيومي.. لحن سينمائي وُلد الشيخ محمد الفيومي 1905 كفيفًا، لكنه امتلك حنجرة قوية وأذنًا موسيقية مميّزة. درس القرآن في الأزهر الشريف، وتتلمذ على يد الشيخ على محمود، فأتقن علم المقامات والإنشاد الدينى. وخلفًا لشيخه، عمل مؤذنًا لجامع الحسين، كما انفتح على الفن السمعى والسينما، فظهر فى فيلمى «عزيزة» و«رصيف نمرة خمسة»، معزّزًا حضوره بين الأوساط الدينية والفنية فى مصر. ◄ النقشبندي.. كروان الإنشاد يُعد رمز المدرسة الصوفية فى الإنشاد الدينى، وتميّز بأدائه العاطفى ونغماته التى تصل مباشرة إلى القلب. حظى بإعجاب أم كلثوم والرؤساء المصريين، ومن أشهر ابتهالاته: «مولاى إنى ببابك»، و"يا من بالوفا قد عوّدونى". ◄ طوبار.. يلامس القلوب رغم صعوبة تقليد صوته، ترك نصر الدين طوبار إرثًا غنيًا فى المشهد الدينى العربى. قدّم أكثر من 200 ابتهال وموشح، من أشهرها «أشرق الحق» ومدائح فى السيدة فاطمة الزهراء. وعُرف بأسلوبه الخاص الذى يلامس القلوب، رغم رفضه المتكرر للإذاعة فى بداياته. ◄ عمران.. سلطان التواشيح من أشهر ابتهالاته: «أسماء الله الحسنى»، و«أدركنا يا الله»، و«دعاء الصالحين». جمع بين التلاوة والإنشاد، وقدم أعمالًا مؤثرة فى البرامج والمسلسلات الدينية واحتفالات المولد النبوى، ويُعد من أشهر قراء ومرسلى الابتهالات فى العالم الإسلامى. ◄ الهلباوي.. هرم المبتهلين من أشهر ابتهالاته: «روضة المختار طه»، و«بذكر الله تنشرح الصدور»، و«يا من بالوفا قد عوّدونى». أنشأ فرقته الخاصة للإنشاد حفاظًا على التراث، وأضاف لمسات معاصرة مستخدمًا الآلات العربية التقليدية مثل العود والكمان، ليصبح رمزًا للإنشاد الدينى فى مصر والعالم العربى. ◄ التهامي.. صوت العصر الحديث من أشهر أعماله: «نور الإيمان»، و«مديح الرسول»، وموشحات متنوعة. يُمثّل حلقة الوصل بين الجيل القديم والجمهور المعاصر، محافظًا على روحانيات الإنشاد ومقومات الصوت والتجويد، ومقدّمًا أعمالًا تجمع بين الأصالة والمعاصرة في فن الإنشاد. ◄ المنشد محمد الجعفري: «الترند» لا يصنع منشِدًا في زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات، وتتحوّل فيه المنصات الرقمية إلى ساحة مفتوحة لكل الأصوات، يواجه فنّ الإنشاد الدينى تحديات غير مسبوقة، بين الانتشار السريع وخطر فقدان العمق الروحى. فى هذا الحوار، يقدّم المنشد محمد الجعفرى رؤية صريحة حول تأثير السوشيال ميديا، وأزمة «الترند»، وغياب القامات الكبرى، ودور المؤسسات فى حماية هذا الفن العريق. ويقول الجفرى إن منصات التواصل كسرت الاحتكار، فأصبح أى منشد قادرًا على الوصول إلى جمهور واسع دون المرور عبر الإذاعة أو المسرح، وألغت الوسيط الذى كان أحيانًا يحجب المواهب. ويضيف أن السوشيال ميديا كشفت عن أصوات صادقة ومدارس إنشاد محلية لم تكن تصل إلى الجمهور من قبل، لكنها فى الوقت نفسه صدّرت أصواتًا تعتمد على المؤثرات والجمل السريعة وتقليد النماذج الناجحة، ليصبح الصوت أسهل من الرسالة. وقال إن بعض المنشدين بات يقيس نجاحه بعدد المشاهدات وسرعة الانتشار، بينما «الترند» يكافئ الصدمة والغرابة، لا العمق والاستمرار. والإنشاد بطبيعته فنّ تراكمى يحتاج إلى وقت وتأمّل وسكون، لا إلى اللهاث. وأضاف أن هذه معركة أخلاقية قبل أن تكون فنية. البداية من وضوح النيّة: هل أقدّم ذكرًا أم محتوى؟ ثم احترام النص قبل الصوت، وعدم مطاردة «الترند»، وبناء جمهور بطيء لكنه ثابت، مع الفصل بين الانتشار والتنازل. وقال إن هناك دعماً موجوداً للإنشاد الدينى، لكنه محدود. وزارة الثقافة، عبر صندوق التنمية الثقافية، ترعى فعاليات ومدارس للإنشاد وتمنحه مساحة ثقافية، لكنه دعم غير شامل، ولا يصل إلى مستوى الاعتراف الأكاديمى الكامل، مشيرا إلى أن الأوقاف تركّز على الجانب الدعوى العام، وتُسهم بصورة غير مباشرة فى المناخ الدينى، لكن دون مبادرات واضحة تخص الإنشاد الفنى. أمّا الإعلام، فيعزّز حضور الصوت الدينى عبر برامج مثل مسابقات التلاوة، لكنه لا يملك استراتيجية واضحة ومستدامة لدعم الإنشاد كفن مستقل. وأضاف أن هناك نقصاً فى التوثيق الأكاديمى المؤسسى، وغياب برامج تعليمية معترف بها، مع اعتماد أكبر على جهود فردية، ما يُضعف الذاكرة الفنية لهذا الفن، مضيفاً أننا بحاجة إلى مهرجان دائم يمنح الإنشاد حضورًا رسميًا وجماهيريًا، وأكاديمية متخصصة تُسهم فى رفع المستوى الفنى، وحماية التراث، وربط الأجيال الجديدة بجذور هذا الفن. واختتم بأن هناك أصواتاً جديدة، وخامات جميلة تظهر باستمرار، لكن المشكلة فى الصقل. نسمع أصواتًا واسعة المساحة لكنها بلا تحكُّم، وإحساسًا حاضرًا دون تدريب كافٍ. ◄ زكريا سيف: «الرسالة قبل الصوت» فى حوارنا مع المنشد زكريا سيف نتعرف على رؤيته العميقة للإنشاد الدينى، وكيفية المحافظة على قدسية الفن وسط ضغط مواقع التواصل الاجتماعى والانتشار السريع، بالإضافة إلى دوره فى الحفاظ على التراث وإنشاد أجيال جديدة. ويقول زكريا: «من أول دخولى هذا المجال وكنت أعلم أننى أحمل رسالة عظيمة تصفى الأرواح وتعلو بالنفس»، مشيرا إلى أن التحدى الأكبر هو إيصال الإنشاد للناس فى ظل انتشار أنواع كثيرة من الفنون والأعمال، خاصة على منصات التواصل الاجتماعى. وقال إن ذوق الإنشاد تغيير كثيراً ومع ذلك، إذا تم تقديم عمل بشكل احترافى وجميل، فإن الناس ما زالت تنجذب إليه، لافتاً إلى أن السوشيال ميديا أثرت على معظم اختياراته. فبالإضافة إلى التفكير الفنى، يجب أن آخذ بالاعتبار قبول الجمهور من حيث الإيقاع ووقت الأنشودة وغيرها من الأمور التى تجذبهم. أضاف أن من أهم الحاجات هى التجديد الدائم ومواكبة العصر مع الحفاظ على الهوية المصرية، وقال: «أحاول الانعزال عن كل ما يدور حولى لكى أستطيع الوصول إلى قلوب الناس». تابع، من لا يملك قديمًا لا يملك جديدًا، فالتراث القديم بمثابة نهر نشرب منه جميعًا. وعن جذب الإنشاد الدينى للأجيال الجديدة، قال: «بالفعل جذب عدداً كبيراً من الجمهور، خاصة خلال السنوات العشر الأخيرة»، مضيفاً: «أريد أن أترك أثرا طيبا فى قلب كل إنسان يسمعنى». وقال إن الإنشاد امتداد طبيعى لدولة التلاوة، فهو جزء لا يتجزأ منها، حيث كان أغلب المبتهلين القدامى فى الأصل قراء، كما لفت إلى أن مدرسة التلاوة المصرية شكلت أذن المنشد فى كل شىء، ومن أهمها الاهتمام بالتشكيل والتجويد. وعن المقرئين الكبار الذين أثّروا فى أسلوبه اختار الشيخ محمد رفعت والشيخ مصطفى إسماعيل. وأضاف أن تراجع التلاوة أثر على مكانة الإنشاد الدينى، خاصة فيما يتعلق بالاهتمام بتوصيل المعنى والمحافظة عليه، مضيفاً أن المنشد لابد من أن يهتم بالدراسة أو على الأقل الاستماع الجيد لتراث مشايخنا. وقال إن مصر يمكنها أن تعيد قيادة المشهدين معًا: التلاوة والإنشاد بالاهتمام بالتراث مع التجديد. وعن الجمع بين قوة التلاوة وحرية الإنشاد، قال إن الأصل فى الجمع هو الإخلاص والصدق حتى يصل كل ما أريد إيصاله، منوهاً بأن تسليط الضوء على الإنشاد الدينى أصبح مقتصرا على المناسبات فقط. ◄ حسام صقر: المبتهلون الجدد يتعاملون مع الإنشاد ك«بيزنس» المنشد حسام صقر صوليست أول ومحفظ بفرقة الإنشاد الدينى بدار الأوبرا المصرية وعضو عامل بنقابة المهن الموسيقية شعبة الإنشاد الدينى، حاصل على ماجستير مهنى فى الفنون من جامعة الشيخ على محمود، مؤسس الإنشاد الحديث، ويُعدّ من أبرز الأصوات فى مصر والعالم الإسلامى، يقول إن الإنشاد الدينى رسالة روحية، فهو كلمات سامية فى حب الله، رسوله، آل البيت، والصحابة الصالحين، ويحمل كل ما يحض على الفضيلة ويحرم الرذيلة. لكنه أيضًا فن له قواعد وشروط، من حيث الكلمات التى لا تخرج عن الإطار الهادف وأوامر الدين، ومن حيث الأنماط التلحينية المختلفة حسب مصدر الكلمات، مثل التوافق مع طريقة المذهب الجماعى فى الحضرات أو مجالس الذكر. وأضاف أن المدرسة المصرية رصينة وذات مرجعية قوية، وأنماط الإنشاد متنوعة ومتعددة، مما يحافظ على الهوية حتى مع التجديد المشروع، مضيفا أن منصات التواصل الاجتماعى وفرت فرصة للجيل الجديد لإظهار مواهبه، وظهرت أصوات جديدة أصبحت قدوة لأجيال لاحقة. لكنها كشفت أيضًا غياب العمق عند بعض المنشدين الذين ظهروا فجأة دون موهبة حقيقية. الترند قد يحقق شهرة سريعة، لكن الإنشاد ذا القيمة يعيش ويظل حاضرًا، وأشار إلى أن بعض المنشدين الجدد يتعاملون مع الإنشاد ك«بيزنس» فبعضهم يضع التمويل والإدارة على حساب الرسالة، لكن يجب تبنى المواهب الحقيقية ومساندتها، لأن خير الناس أنفعهم للناس. ◄ المنشد أحمد البربري: تراثنا صامد أمام موجات التحديث والتجريب في مشهد الإنشاد الدينى، تبرز أصوات تحاول الحفاظ على التراث مع لمسة معاصرة. المنشد أحمد البربرى من هؤلاء الذين يوازنون بين الرسالة والابتكار، ويؤمن بأن الإنشاد ليس مجرد صوت جميل، بل وسيلة لتغيير النفوس وبناء أثر دائم فى المجتمع. ويقول البربرى إن الإنشاد الدينى فن عريق انتشر فى جميع أنحاء مصر بأشكال متعددة، سواء كان ابتهالًا فرديًا، توشيحًا جماعيًا، أغنية، أنشودة أو موشحا. لكل شكل طبيعته ومشاعره الخاصة، لكنه جميعًا يندرج تحت الإنشاد الدينى. موضوعاته لا تقتصر على ذكر الله ومدح الرسول فقط، بل تشمل أيضًا أغانى تعبّر عن الخير، حب الوطن، أو التأثير الإيجابى فى المجتمع. وأضاف أن لكل منشد وسائله وأهدافه. وقال: «بالنسبة لى، حلمى أن أترك أثرًا طيبًا وإرثًا يفتخر به أولادى وعائلتى، وأن أساهم فى تحسين حياة الآخرين. فالإنشاد رسالة هادفة، لكنه عمل أيضًا، فالمنشد بشر وله احتياجات». وعن عدم تكرار ظاهرة النقشبندى وطوبار، قال إنه رغم انتشار وسائل الإعلام ومواقع التواصل، يظل الرعيل الأول أصحاب التأثير هم من حافظ على شكل ومضمون المدرسة المصرية. النقشبندي وطوبار كانا يمثلان تجربة شخصية مستقلة، متوافقة مع إيقاع الحياة الهادئ فى زمنهم. اليوم، الحياة سريعة، والترندات تتغير باستمرار، لذلك يصعب تكرار نفس الظاهرة، وأى محاولة ستصبح مجرد نسخ. وقال إن هناك فرق واضح بين أنشودة قصيرة مدتها ثلاث دقائق وتوشيح قد يستمر 15 دقيقة. ولكل إنسان الحق فى تجربة خاصة، لا أن يعيش فى جلباب النقشبندى أو طوبار. كل شكل له قيمته، والفن الأصيل يصل إلى القلب مباشرة.