نظرة العقيدة إلى الإنسان تأتي في إطار شمولي، لا يُفكّ جزءٌ منه عن الآخر، ولا ينفصل مكنونٌ، أو مكوّنٌ عن غيره؛ لذا فقد راعت تعاليم الدين الطبيعة الإنسانية، وسعت عبر مقاصدها، ونصوصها، وتعاليمها إلى إحداث نوع من التوازن، والاعتدال، ودحرت كل فكرة تحض على المغالاة، أو التشدد، أو كل ما من شأنه أن يجعل المرء ينفر من ممارسة طيبة، أو فعل من أفعال الخير، والمثوبة، ومن هنا فقد جاءت التربية المتكاملة في منهجنا القويم، تستهدف الحفاظ على الصحة العامة بما تتضمنه من بدن، وعقل، وروح، وعبر توجيهات، وإرشادات، وممارسات، تحض عليها، تؤكد رعاية كل جانب من جوانب التكوين البشري، وهذا معيار أصيل في بناء إنسان، يحمل راية الإعمار، ويقود مسيرة الاستخلاف على المعمورة. جمال المنهج الرمضاني الشمولي، نقرأه من مواءمةٍ بين فطرةٍ خلقها الله -تعالى- فينا، وبين متطلبات، تحقق العبودية في إطارها القويم، وهنا نقف عند بوابة الموازنة؛ حيث لا يطغى جانب على آخر، ومن ثم نحكم على المنظومة بأنها متكاملة في تناول الأبعاد الجسدية، والروحية، والعقلية، والاجتماعية في آن واحد، وهذا ما نرصده في نتاجٍ، يتمثل في فلسفة الضبط بين البعد البيولوجي، وبعد سمو الروح، وبمعنى أوضح، وأدق ما نراه في صورة التربية البدنية، وضبط الغرائز بمختلف ألوانها؛ لذا فقد حثتنا توجيهات الشهر الكريم صراحة على تقويم سلوك الغذاء، من خلال الوسطية، والاعتدال، ونبذ الإسراف في تناول الأطعمة، بما يحقق الفوائد المرجوة منها، ويعزّز علاقة ذلك بكفاءة البدن، ومقدرته على القيام بمهامه المنوطة به. شمولية المنهج الرمضاني، نستنبطها من تسخير الطاقة الخفية فينا، من خلال تحفيز الهمم، تجاه الذكر، والشكر، والدعاء، والصلاة، والمناجاة، وتلاوة القرآن الكريم، آناء الليل، وأطراف النهار، فهذه ممارسات تخلّص الوجدان من أدران المادية، وتغلف سياجه بنور الإيمان؛ فتصبح الدروب شفّافة، لا تغشاها ضبابية، ومن ثم يستعيد المرء فطرته السليمة، ويحقق الغاية الكبرى؛ حيث اتصاله القويم برب السماوات والأرض، وهنا نصل إلى منهجية التدبر، التي تزيد الإنسان نضجًا، وفقهًا، ووعيًا؛ إذ يتخلص من سطوة الشهوة، ويتمسك بممارسات، تؤكد ماهية الاعتدال، وهذه غاية الاستخلاف على أرض، نستطيع أن نسخّر ما عليها، وما فيها بقوة العقل، ومقدرة التأمل، وسهم الإرادة. إبداع التكامل في منهجية الشهر الفضيل نتأمله في فلسفة عميقة، تستهدف في مكنونها إمعان الإنسان النظر في تركيبته، بما يجعله يتخلى عن أمراضٍ عضال؛ حيث التكبر، والتجبر، والأنانية، وحب الذات، والسعي خلف النزوات، دون رادع، ومن ثم تقف النفس أمام المرآة؛ لتكتشف حقائق، تؤكد جمال الرحمة، والشفقة، والاحتواء، وتزيد الرغبة في فعل الخيرات، وتقديم الصدقات، وهنا يصل المرء إلى بوابة البذل، والسخاء، فلا يتوقف عن إغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج، وتلك تشكل لبنات رئيسة نحو بناء مجتمع، يرغب في تحقيق التنمية في إطارها الشمولي، والمستدام على حد سواء. تربية الضمير الحي، وتعزيز مكنونات النفس، من خلال تعضيد الوازع الديني، والأخلاقي في وجدان المؤمن، واحدة من أسمى الرسائل التربوية، التي يتضمنها، وينطوي عليها المنهج الرمضاني في سياقه المتكامل؛ إذ إنه بمثابة مدرسة إيمانية عملية، يدرب الفرد على تفعيل آليات الرقابة الداخلية، والقدرة الفائقة على تقييم الذات، ومحاسبتها في كل حركة، وسكون، ومن ثم يمتنع الصائم طواعية، واختياراً، وبوازع نابع من عمق إيمانه، عن كل فعل، أو ممارسة سلبية، قد تضير بصومه، أو تقلل من قدسية عبادته، بل إنه يتجاوز ذلك في مراتب الورع، حين يتحرى تجنب المكروهات، والشبهات، وكل ما يشوب صفو روحه؛ بغية نيل المثوبة الجزيلة، واستحقاق الأجر العظيم من رب كريم جاد على عباده بالفضل، والإحسان. اعتياد الفرد على التوجيه الذاتي، يعد استثمار روحي طويل الأمد، يستدام أثره السلوكي والتربوي، ممتداً إلى ما بعد الشهر الفضيل، انطلاقاً من إدراكنا أن إصلاح النفس، وتهذيب نزعاتها، وتزكيتها تعد من أهم مقومات العبادة الخالصة لله- تعالى-، وفي خضم ذلك المسار الإيماني، نستطيع أن نقول بكل ثقة إن شهر المغفرة، والرحمة يزوّد المرء بطاقة إيمانية فريدة، قادرة على أن يصلح ما أفسده زخم أيام ضاغطة، لاهثة، أرهقت كاهل الروح، كونه يقوم على منهج رباني، حكيم، لا يهدف إلى المشقة، بل يستهدف النفع الإنساني الشامل، الروحي، والمادي على السواء. اللهم يا ربَّ رمضان، يا مُهذِّبَ النفوس، ومُزكِّيَ القلوب، أصلح لنا ديننا، ودنيانا، وائم بين أجسادنا، وأرواحنا، واغفر لنا وثبّتنا على الطاعة، وارحم أمواتنا، وارفَع درجاتهم، واجعل هذا الشهر ميلاد نورٍ، وهدايةٍ، ورحمةٍ، تعمُّنا أجمعين يا أرحم الراحمين. _____ أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر