في غمرة صخب الحياة المترامي، وتفاصيلها المتسارعة الزاخرة بالمتغيرات، والأحداث المتواترة، وتحت وطأة مجريات القدر، وتقلبات الأيام، تتأثر سلبًا طاقة الإنسان المعاصر، التي تنهك قواه التوترات، والضغوط اليومية، وتنال من عميق وجدانياته الهموم المتراكمة، وهنا يبرز التحدي الحقيقي، حين نتوقع أن تضعف العزيمة، وتفتر الإرادة الصلبة، حينئذٍ يشعر الفرد بأن مقدرته على الوصال الروحي، والاجتماعي تحتاج إلى زاد إيماني، يغور في نوازع الوجدان يسترد به التوازن المفقود؛ ومن ثم يأتي شهر الفضيلة كواحة ثرية؛ ليعيد الحيوية إلى المرء بعد أن يخلصه من ضجيج المادية، وصراعات النفس، عبر بوابة التعبد، والإخلاص في عمل صالح خالص، يلهم الروح بالتقوى، ويعيد صياغة إدراكها، ويسمو بها إلى مكانة عالية، تشعره بالرضا، والصفاء، والسكينة، التي لا تنقطع بانتهاء أيامه المباركة. زاد القلوب، وعتاد الروح الأسمى، نجده في آيات بينات، محكمات، تحمل معانٍ، وعبر عميقة، تمدنا بطاقات إيمانية متجددة، نستعيد بها قوتها المفقودة، وتتفتح أمامنا طرائق، ودروب مفعمة بالأمل، والتمني في رحاب الله-عزوجل- الواسعة؛ فما أجمل! من أن تدعو بنية خالصة صادقة، بعد سماع ذكر حكيم، ينساب في أعماق النفس، يحرك الوجدان، ويطرب الآذان، ويقرّ الأعين برؤية الحق، ويهدئ السريرة، ويورّث السكينة، ويعظم من الأجر، والمثوبة عند رب العالمين، وما أفضل! من أن نتفهم بوعي، وتدبر توجيهات نبوية سامية، نصل من خلالها إلى مراتب من الصبر الجميل، الذي لا شكوى فيه؛ حيث ربط الجأش، والمثابرة، من أجل بلوغ مكانة السعادة في الدارين؛ فتلك هي الجائزة الكبرى، التي يطمح إليها كل مؤمن؛ ليكون زاداً لمسيرته، ونوراً لبصيرته. زاد المسيرة في شهر الفضيلة، يكمن في إرساء توازن نفسي عميق، يعد بوصلة موجهة، ومرشداً هاديًا إلى سلوكيات، ينبغي أن ننتهجها بكل أمانة؛ عندئذٍ تصبح الكلمة الطيبة، الرقيقة، الصادقة أسلوب حياة يومي يتنفسه المؤمن، ويكون صدق التعامل دستوراً أخلاقياً، نفعله في بيتنا، ومع جيراننا وفي معترك ميادين العمل الشاقة، وهنا تصلح النيات، وتتطهر المقاصد، وتبدو العادات في ثياب نسيجه الرحمة، والتكافل، والمحبة الخالصة لوجه الله الكريم -جل في علاه-، فلا تجد للرياء مكانة في القلوب، ولا للنفاق منزلة، ومقدارًا في النفوس، بل ترقبًا متسارعاً، محموداً، ونشاطاً دؤوباً نحو فعل الخيرات، والنهي عن المنكرات، والعمل القائم على الإتقان، والجودة بما يعود بالنفع العميم، والخير المستدام على الذات، والمجتمعات، التي تسمو بقيم جاء بها الوحي، وهدي النبوة. محطة التزوّد في شهر الكرامات، والنفحات الإيمانية، تعد مورداً عذباً، تستلهم النفس منها الوقود الروحي، المتجدد في ظل فلسفة، تقوم على التدريب الجاد، والمستمر نحو تعديل المسار، وتحسين الممارسة الحياتية، وتعديل السلوك من الفضيل إلى الأفضل، ومن الجيد إلى الأجود رجاءً، وطلباً إلى تمام الإيمان؛ فالأمر لا يقف عند حد كبح الجماع، والشهوات الحسية فحسب، لكن يصل إلى مراتب الترفع عن كل ما قد يؤدي إلى اللغو في القول، والعمل؛ صيانةً لحرمة الأيام المعدودات، وذلك في ظل مثيرات مغرية، وتحديات واقعية، قد يؤدي التعلق بها إلى مخاطر إفساد مسيرة الإصلاح النفسي، والاجتماعي، وهنا ندرك أن زاد المسيرة الرمضانية برنامج تدريبي متكامل، ومكثف مفعم بأنشطة، تقوم بنية مهامها على فلسفة التدبر الواعي لآيات الله- عز وجل-، فما أفضل! من أن نتلقى الهداية؛ سمعاً بآذان صاغية، وقلوب واعية، ونترجمها فعلاً واقعاً، وسلوكاً مشاهداً في سائر شؤوننا. زاد مسيرتنا الإيمانية في رحاب شهر العفو، والمغفرة، والرحمة تفتح أبواب لذة القرب من رافع السماء، بلا عمد - سبحانه وتعالى-، وبذاك القرب الأسمى تشرق قلوبنا بالرضا، والطمأنينة، ويصبح توجهنا نحو الدنيا بعين الرشد، والبصيرة؛ حيث الإحسان يسود في كافة المعاملات، والودُّ يقارب بين النفوس المتباعدة، والحب يغفر الزلات، والهنّات، ويتجاوز عن الهفوات بقلب محب، ويكون غرس الخير سمة، تغدو في كل ما نقوم به من واجبات، وسنن، ومندوبات، شرعها لنا المولى- جل في سماه-؛ لتزكية أرواحنا، ومن ثم يصعب أن نواجه عثرات، تدمي نفوسنا، أو تنال من عزيمتنا الماضية؛ لأنها تحصّننا بزاد، لا ينفد، ونور لا ينطفئ، يضيء لنا دروب السعي في الدارين. اللهم اجعل أيام شهر المغفرة زاداً لمسيرتنا، ونوراً لبصيرتنا، ووفقنا فيه للعمل بكتابك، واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم في كل قول، وفعل، اللهم أنزل بفضلك، وبركات هذا الشهر سحائب رحمتك على أرواح من فارقونا إلى دار البقاء، فآنس وحشتهم، واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك، واجعل سعينا في شهر الرحمة مقبولاً، وذنبنا مغفوراً. _ أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر