القرآن يداوى القلوب كما يداوى الطب الأجساد فى مسيرته التى جمعت بين مشرط الطبيب ونبض الآيات، ظل اسم أحمد نعينع حاضرًا بوصفه واحدًا من أبرز أصوات مدرسة التلاوة المصرية ، ومع صدور قرار تعيينه شيخًا لعموم المقارئ، تتجدد المسئولية ويتسع الأفق ، فى هذا الحوار الخاص، يفتح لنا قلبه ليتحدث عن حياته مع القرآن، ورؤيته للمقارئ، ودوره البارز فى تحكيم برنامج دولة التلاوة. ■ بدايةً... ماذا يعنى لكم تعيينكم شيخًا لعموم المقارئ؟ - هذا التكليف شرفٌ عظيم ومسئولية أثقل من أى لقب، المقارئ ليست مجرد مجالس لتصحيح التلاوة، بل هى حصونٌ لحفظ الأداء المتقن، وسلاسل نورٍ متصلة بالسند المتصل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين طُلب منى تحمّل هذه الأمانة، شعرت أن العمر كله كان إعدادًا لهذه اللحظة؛ سنوات التعلم، والتلقى، والرحلات، كلها تصبّ فى خدمة كتاب الله ، رؤيتى أن نُفعّل دور المقارئ فى المحافظات، ونُكثّف الدورات التأهيلية، وأن نعيد للمقرأة مكانتها بوصفها مدرسة انضباط قبل أن تكون مجلس قراءة. ■ كطبيب وقارئ..كيف التقت المهنة بالرسالة؟ - الطب علّمنى الدقة والصبر، والقرآن علّمنى الرحمة والسكينة، فى غرفة العمليات تحتاج إلى تركيزٍ كامل، وفى محراب التلاوة تحتاج إلى حضورٍ كامل، كلاهما أمانة، لم أشعر يومًا بتعارض بين الطريقين،حين أرى مريضًا يتعافى أحمد الله، وحين أرى مستمعًا يتأثر بآية أحمد الله، أؤمن أن القرآن يداوى القلوب كما يداوى الطب الأجساد، وأن القارئ الحقّ ينبغى أن يحمل خلق الطبيب، هدوءًا، وتعاطفًا، وإخلاصًا. ■ ماذا عن حياتكم القرآنية الأولى وبدايات التكوين؟ - نشأت فى بيتٍ يعظّم القرآن، وكان والدى حريصًا على أن أبدأ الحفظ مبكرًا، حفظت صغيرًا، لكننى أدركت سريعًا أن الحفظ مرحلة أولى، وأن الإتقان علمٌ يُتلقّى، تتلمذت على أيدى مشايخ أجلاء، وحرصت على ضبط المخارج وأحكام التجويد، ثم جاء طور المقامات والتعبير عن المعنى، كنت أستمع لكبار القراء وأتعلم منهم كيف تُقرأ الآية بروحها قبل صوتها، القرآن لم يكن هواية، بل منهج حياة؛ يصحح مسارى كلما اعوجّ، ويجدد عزيمتى كلما فترت. ■ ما أولوياتكم فى تطوير المقارئ خلال المرحلة المقبلة؟ - الأولوية توحيد معايير الإتقان، بحيث يكون لدينا إطار واضح لتقييم الأداء فى المقارئ على مستوى الجمهورية، ثانيًا إعداد معلمين مؤهلين يجمعون بين العلم والحكمة، لأن المقرأة ليست مكانًا للتلقين فقط، بل للتربية على أدب القرآن، ثالثًا توظيف التقنيات الحديثة فى المتابعة والتدريب عن بُعد دون التفريط فى روح المشافهة، وأؤكد أن السند المتصل قيمة لا ينبغى التفريط فيها فهو صمّام الأمان الذى يحفظ لنا نقاء الأداء عبر الأجيال. ■ دوركم فى تحكيم برنامج «دولة التلاوة» كان لافتًا..كيف تنظرون إلى التجربة؟ - التحكيم فى دولة التلاوة تجربة مهمة لأنه برنامج يقدّم التلاوة بوصفها علمًا وفنًا معًا، كنت حريصًا على أن يكون التقييم منضبطًا، سلامة مخارج، إحكام تجويد، حضور معنى، واتزان فى استخدام المقامات، الهدف ليس إقصاء متسابق، بل تقويمه وتوجيهه، رأيت مواهب واعدة تحتاج فقط إلى صقل، وهذا يبعث على التفاؤل، مثل هذه المنصات تُعيد الاهتمام المجتمعى بالقرآن، وتُشجّع الشباب على الاجتهاد فى طريقٍ شريف. ■ كلمة أخيرة للشباب والقراء الجدد فى ضوء مسئوليتكم الجديدة؟ - أقول لهم: اجعلوا نيتكم خالصة، فالقرآن لا يقبل القسمة بين الرياء والإخلاص، تعلّموا على أيدى أهل العلم، ولا تتعجلوا الظهور قبل الإتقان، احفظوا ألسنتكم كما تحفظون أصواتكم، فالأخلاق هى صدى التلاوة الحقيقى، وتذكروا أن خدمة القرآن شرفٌ لا يُقاس بالتصفيق، بل بثمرةٍ فى القلب وسلوكٍ مستقيم، أسأل الله أن يعيننى على الأمانة، وأن يجعلنا جميعًا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته.