فقدت الساحة الثقافية منذ قليل واحدًا من أبرز أعلامها، برحيل الناقد الكبير الدكتور أحمد درويش، أستاذ البلاغة والنقد الأدبي، بعد مسيرة علمية وثقافية ثرية تركت أثرًا واضحًا في الدرس النقدي العربي. من الكتّاب إلى مدرجات الجامعة في إحدى تصريحاته التي بدت كأنها اعتراف، استعاد الدكتور أحمد درويش ملامح البدايات الأولى، حين خطا عام 1948 نحو الكتّاب، إذ كان التعليم آنذاك يبدأ بحفظ القرآن الكريم، في زمن كان الصبية والفتيات يتشاركون فيه مقاعد الحفظ قبل أن ينتقلوا صباحًا إلى المدرسة الابتدائية، ثم يعودوا إلى الكتّاب بعد انتهاء يومهم الدراسي. كان يرى أن إلغاء الكتاتيب لم يكن مجرد قرار تنظيمي، بل خسارة تربوية وثقافية كبيرة، إذ فقد التعليم في رأيه أحد أهم روافده الروحية واللغوية التي أسهمت في صقل اللسان العربي وتشكيل الوجدان المبكر للأجيال.
سبب اختياره لكلية دار العلوم وكشف الراحل عن سبب التحاقه بكلية دار العلوم، مؤكدًا أنها أعرق كلية جامعية في الشرق الأوسط، وهو اختيار لم يكن عابرًا، بل نابعًا من وعي مبكر بقيمة المؤسسة التي خرجت أعلامًا كبارًا في الفكر والأدب واللغة. داخل أروقة دار العلوم، بدأ مشروعه العلمي يتشكل، قبل أن ينفتح أفقه على التجربة الغربية، فيحصل على دكتوراه الآداب والعلوم الإنسانية في النقد الأدبي والأدب المقارن من جامعة السوربون عام 1982، جامعًا بين الأصالة العربية والدرس النقدي الحديث.
مسيرة أكاديمية عاد الدكتور أحمد درويش ليشغل منصب أستاذ البلاغة والنقد الأدبي المقارن بكلية دار العلوم عام 1993، ثم تولى مواقع أكاديمية مرموقة، فكان عميدًا لكلية الآداب في جامعة السلطان قابوس بين عامي 1996 و1999، كما شغل منصب مستشار رئاسة الجامعة للشئون الثقافية والإعلامية حتى عام 2001. وفي عام 2004، تولى منصب وكيل كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، مواصلًا حضوره الفاعل في إدارة الشأن الأكاديمي وصناعة أجيال جديدة من الباحثين والنقاد.
جوائز أحمد درويش حصد الراحل العديد من الجوائز والتكريمات، كان في مقدمتها جائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة عام 2008، إلى جانب درع جامعة الإمارات العربية المتحدة عام 1999، ودرع جامعة إشبيلية في إسبانيا، ودرع جامعة السلطان قابوس، ووسام مؤسسة البابطين الثقافية في الكويت عام 2001، فضلًا عن جائزة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر عام 1964، وجائزة النيل في الآداب لعام 2025. برحيله تطوى صفحة من صفحات النقد الأدبي العربي المعاصر، لكن أثره سيظل حاضرًا في كتبه وتلاميذه ومحاضراته.