منذ أعلنت الأكاديمية الأمريكية لعلوم وفنون السينما قوائم الترشيحات النهائية لأوسكار 98 الخميس الماضى، والجدل لم ينته حول اقتناص فيلم الرعب «Sinners» «الخطاة» لرايان كوجلر 16 ترشيحا تضم الفئات الأهم للجوائز، أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل سيناريو وأفضل ممثل، ليحطم بذلك الرقم القياسى الأخير وهو 14 ترشيحا وكان مسجلًا ل«تايتانيك» و «لا لا لاند» و«كل شىء عن إيفا»، وليصنع التاريخ، ليس فقط للرقم القياسى الذى حققه، ولا لأنه مخرج أسود، أو لأن الفيلم يتناول فصلا شديد الظلام فى تاريخ أمريكا (فترة قوانين جيم كرو العنصرية، التى كرست الفصل العنصرى بين البيض والسود فى مناحى الحياة كلها، قيدت كل حقوقهم الإنسانية والسياسية، واستمرت تلك الحقبة من 1874 وحتى 1965 انتهاء العمل بهذا القوانين وصدور قانون الحقوق المدنية ثم قانون حقوق التصويت)... ولكن لأنه فيلم رعب، والأوسكار على مدار تاريخها لا تحترم أفلام الرعب، ولا تقدرها، ولا تمنحها جوائز رئيسية إلا نادرا، فخلال 97 دورة لم يرشح لجائزة أفضل فيلم سوى 6 أفلام فقط، ولم يفز بها إلا فيلم واحد هو «صمت الحملان» 1975، فاز بخمس جوائز رئيسية هى أفضل فيلم ومخرج للرائع جوناثان ديمي، وسيناريو مقتبس لتيد تالي، وممثل للعظيم أنتونى هوبكنز، وممثلة للمخضرمة جودى فوستر، وكان الجدل وقتها حول تصنيف الفيلم، حيث اعتبرته الأكاديمية الأمريكية فيلم جريمة وإثارة نفسية، وليس رعبًا.. التصقت بالأكاديمية على مدار الزمن نظرتها الدونية لأفلام الرعب، فما الذى حدث لتضرب بتقاليدها وسياستها عرض الحائط، وينحاز مصوتو الجائزة السينمائية الأهم فى العالم لفيلم رعب عن مصاصى دماء! استقطاب الشباب السبب الأول والأهم هو رغبة الأكاديمية الأمريكية فى التطور ومسايرة الذوق الفنى للجمهور الآن، خاصة الشباب منهم، فأفلام الرعب لها جمهور عريض، لا معنى لتجاهله فى وقت تكافح فيه الأكاديمية لاستعادة بريق جوائز الأوسكار وحفلها السنوى الذى عانى خلال السنوات الماضية من تراجع نسب المشاهدة، وعدم اهتمام الشباب والمراهقين، ومنذ بضعة أعوام تحاول الأكاديمية استقطاب هذه الشرائح العمرية. فكر ثورى السبب الثانى أن «Sinners» رغم أنه يتبع النمط المعتاد لأفلام الرعب، فإنه غير تقليدى، فيلم جرىء يدمج أفكارًا ثورية فلسفية بعمق غير معتاد مع أفلام الرعب. تسير الأحداث حتى منتصف الفيلم فى إطار درامى عادى، حول شقيقين أسودين يعشقان الموسيقى، يكافحان لتحقيق حلمهما بامتلاك ناد ليلى فى ولاية مسيسبى فى بداية الثلاثينيات ومازالت قوانين جيم كرو تحكم الولاياتالأمريكية، يحققان الحلم لتصحبك موسيقى البلوز تأخذك فى عالم آخر، وتظل مع العالم الساحر حتى تنقلب الأمور رأسًا على عقب بظهور كائن غريب فجأة، ريميك، يطارده مجموعة رجال، فيهرب إلى بيت ريفى صغير، ليعض الزوجين المقيمين بالبيت، فيتحولان معه إلى مصاصى دماء، ويذهب الثلاثة إلى الحفل الصاخب الذى يقيمه الشقيقان فى الملهى الليلى، لتتحول الحفل لمذبحة دموية مرعبة! ينجح المخرج فى توظيف شخصية مصاص الدماء، لكشف عملية توجيه وقيادة العقل الجمعى والتأثير عليه، وكيف يحول بفكره الخبيث بشرًا عاديين مهما كان ماضيهم إلى شريرين مثله، ينجح فى سرقة حياتهم وغسيل أدمغتهم لينضموا إليه. هكذا تصل فكرة كلوجر كما قصد، وبمنتهى الوضوح، تتناغم وتمتزج الموسيقى الساحرة والأغانى الرائعة لتعضد من الفكرة، فالشقيقان يعزفان موسيقى البلوز، مؤكدين أنها للسود، لم تكن أبدا للبيض، لكن تم سرقة إبداعهم الحقيقى، وينجح المخرج فى رسم وتلوين عالم ساحر من من الموسيقى والرقص يمتزجان بين الإفريقى والهيب هوب، فى مشاهد مبهجة نابضة بالحياة رغم الدم والألم، فى حين يغنى ريميك وأتباعه من مصاصى الدماء أغانى من الفولكلور الإيرلندى، تمتزج برقصاتهم الدموية! فكر ثورى لم نكن نتخيله بهذا الوضوح فى فيلم من إنتاج أحد استوديوهات هوليوود الكبرى، وارنر بروس، لكن رايان كوجلر دائمًا ما ينجح فيما يريد، نجح سابقا فى إقناع «مارفل» بإنتاج «النمر الأسود» عن الاستعمار والتاريخ الأسود فى العنصرية والاستعباد، وكان مفاجأة حقيقية. العنف يسيطر على العالم وهنا نأتى للسبب الثالث لانحياز الأكاديمية لهذا الفيلم، فهى تتحصن الآن بفكر مستنير يعترف بالخطايا وبحقب سوداء فى تاريخ أمريكا ينبغى التكفير عنه ولو بالأفلام.. كما أن الرعب والدم يهيمنان على المشهد عالميا، حتى أصبحت مشاهد وأخبار العنف والقتل اعتيادية، والأكاديمية تضم الآن أكثر من عشرة آلاف عضو، من مختلف الأجيال والجنسيات والتوجهات الفكرية أيضًا، ورغم ارتباط الأوسكار بالسياسة، فإن للارتباط أشكال ومقاييس تختلف من وقت لآخر، وربما يكون ما يحدث فى العالم من حروب واضطرابات تلقى بظلالها على الوعى العام للأعضاء، سببا كافيا للتغيير والثورة، وهو ما كان أحد أسباب الانحياز أيضًا للفيلم الرائع «صوت هند رجب» لكوثر بن هنية، الذى يمثل تونس فى فئة أفضل فيلم دولى، وهو إدانة صريحة موثقة لجرائم حرب الإبادة فى غزة.. جوائز الأوسكار ال98 ستعلن فى 15 مارس بمسرح دولبى بمدينة لوس أنجلوس