Refresh

This website www.masress.com/akhbarelyomgate/74757775 is currently offline. Cloudflare\'s Always Online™ shows a snapshot of this web page from the Internet Archive\'s Wayback Machine. To check for the live version, click Refresh.

 
تأجيل محاكمة متهمي الهيكل الإداري للإخوان    تذبذبات ملحوظة فى أسعار النفط اليوم الأربعاء    «الأعلى للطاقة» يناقش مجريات توفير الطاقة اللازمة ورفع القدرة لعدد من المشروعات    بعد قرار تصنيف "الإخوان".. واشنطن تنحاز مجددا إلى أبوظبي في قرار يخصّ الصومال    تشيلسي ضد أرسنال.. الجانرز يتقدم بهدف فى الشوط الأول بذهاب نصف نهائى كأس كاراباو    الأردن يؤكد سعيه لتزويد لبنان بالكهرباء والغاز خلال العام الجاري    أمم إفريقيا - مؤتمر ماني: مصر أفضل فريق في إفريقيا على الإطلاق.. وسنواصل القتال للحلم    الشوط الأول| تعادل بين بايرن ميونخ وكولن في الدوري الألماني    وضع 60 اختبار نفسي و45 بحث دولي وإقليمي.. أبو الديار عميداً لآداب السويس    الداخلية تكشف حقيقة ادعاء شخص بتعرض حياته للخطر بالبحيرة    "هقل أدبي".. رسالة نارية من شقيق شيرين لنقيب الموسيقيين والممثلين    نجاة الحكومة الفرنسية من تصويتين بحجب الثقة    شيخ الأزهر: نحيي الشعب الأرجنتيني على موقفه الإنساني تجاه غزة    خالف تعليمات «مستقبل وطن».. أزمة داخل لجنة النقل بمجلس النواب بسبب ضيف الله    مسلسلات رمضان 2026، طرح البوسترات التشويقية لمسلسل "نون النسوة"    الجمعة.. أمسية شعرية عامية في مكتبة مصر الجديدة    أسامة الفرا: نثمّن الجهود المصرية في إنجاز التوافق الفلسطيني حول إدارة غزة    أسباب الإصابة بالانتفاخ المستمر بعد الوجبات، وطرق العلاج    مسئول بالآثار: مصر من أكثر الدول تنظيما للمعارض الأثرية المؤقتة.. ولدينا نمط فريد من المعروضات    وكيل صحة الفيوم تجري مرورا مفاجئا على مستشفى فيديمين المركزي لمتابعة انتظام العمل    محافظ الإسكندرية يؤكد استمرار تكثيف القوافل الطبية المجانية بالأحياء تنفيذا لتوجيهات الرئيس    الفائض التجاري الصيني يرتفع 20 % ليسجل 1.2 تريليون دولار رغم الرسوم الأمريكية    فرسان التحقيقات يترجلون    لعبة وقلبت بجد الحلقة 5.. عمر الشريف يثور على والده بسبب تحكماته وانشغاله عنه    الفريق أسامة ربيع: نجاح جهود الإنقاذ البحري لطاقم سفينة البضائع "FENER" بعد اتجاهها إلى الغرق    إحالة المتهمين بقتل سائق توك توك بكفر الدوار بالبحيرة لفضيلة المفتي    وفدان من منظمة الغذاء العالمي وألمانيا يشيدان بمشروعات تطوير الزراعة بقرية في الأقصر    مرموش ينهي مشوار قائد السنغال في كأس أمم أفريقيا    الشيخ خالد الجندي: الإسراء والمعراج تكريم إلهي خاص لرسول الله وليس معجزة بالمعنى الاصطلاحي    الهلال يوضح تفاصيل إصابة سالم الدوسري.. ومدة غيابه    استقرار الأحوال الجوية| الأرصاد تكشف حالة الطقس حتى منتصف الأسبوع المقبل    بطاقة تشغيلية 6 أسِرّة، افتتاح قسم الإرواء بمستشفى الفشن المركزي ببني سويف    ضبط مالك أستوديو تصوير غير مرخص بمدينة العبور    الداخلية تقوم بتصفية 4 مواطنين بأسيوط ومصرع نيجيري سقط من الطابق ال 11 بمدينة نصر    ارتفاع حصيلة ضحايا انقلاب قطار في تايلاند إلى 32 قتيلا    سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تتوغل في ريف القنيطرة الجنوبي    رئيس صناعة النواب: نعمل وفق خطة متكاملة ولن نكون لجنة رد فعل    وزير الصحة يبحث مع سفير كازاخستان التعاون بالمجال الصحي وتكنولوجيا التصنيع الدوائي    تحصين 35 كلبا بالحي الأول بمدينة بني سويف الجديدة ضد مرض السعار    خالد الجندى يشرح معنى سبحان فى بداية سورة الإسراء    41 عرضا في القائمة الطويلة للدورة العاشرة من مهرجان مسرح الجنوب    إعادة مباراة بتروجيت والزمالك في دوري السلة.. ماذا حدث؟    وزير «البترول» يبحث التعاون مع المجلس الدولي للتعدين والمعادن ICMM    الصحة: غلق مصحات ومراكز غير مرخصة لعلاج الإدمان بالجيزة والشرقية والبحيرة    بيراميدز يتابع تفاصيل إجراء محمد حمدي عملية الرباط الصليبي بألمانيا    نظر دعوى إلغاء تصاريح سفر فئات نسائية للسعودية 17 يناير    محافظة الجيزة تخصص 32 مركزًا للوقاية من السعار للحالات الناتجة عن عقر الكلاب الضالة    بالصور.. انطلاق منافسات اليوم الثاني لبطولة مصر الدولية البارالمبية للريشة الطائرة    منصور عامر: ثلث ثروتي وقف خيري.. وفتح حساب للآخرة أولى من انتظار الذكر بعد الوفاة    مواقيت الصلاه اليوم الأربعاء 14يناير 2026 فى محافظه المنيا    برلمانيون: قرار واشنطن إدراج «الإخوان» ككيان إرهابي خطوة فارقة    عاجل- الرئيس السيسي يتلقى تحيات ترامب ويؤكد قوة التعاون الاستراتيجي بين مصر وأمريكا    مجلس كنائس الشرق الأوسط يهنئ مطران الكنيسة الإنجيلية اللوثرية الجديد في الأردن    وزير الطيران يتفقد المجمع الصناعي والمدرسة الألمانية الدولية بالقاهرة    طارق مصطفى: "لم يتواصل معي مجلس إدارة الزمالك بشأن تدريب الفريق"    تعيين محمد الشريف أمينا عاما لحزب الحركة الوطنية بالبحيرة    موعد ليلة الإسراء والمعراج 2026 الخميس أم الجمعة؟ وحكم صيامها وأفضل الأعمال    وزير الري يتابع إجراءات تحسين منظومة إدارة وتوزيع المياه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فاروق حسنى.. حضور لا يعترف بالغياب
يوميات الأخبار
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 14 - 01 - 2026

«غادر المنصب لكنه لم يغادر الحضور، ولم يتخفف من مسئوليته، بل بدا أكثر تصالحًا مع فكرة العطاء الحر، من خلال مؤسسته الثقافية، ومبادراته المستمرة»
الحضور فعل إرادة، والغياب قرار شخصى مهما تعددت الذرائع. الغياب ليس مؤامرة خارجية، بل انسحاب داخلي. فالإنسان وحده من يملك قرار أن يكون حاضرًا، أو أن ينسحب ويُقصى ذاته، فيختار الصمت بدل الحضور، والظل بدل الضوء. تلك الحقيقة لم أدرك عمقها إلا بعد تجربة شخصية مرهقة عشتها بكل ثقلها منذ سنوات بعيدة.
وجدت نفسى - وقتها- فى حالة ارتباك إنسانى قاسٍ، بدا فيها الانسحاب شكلًا مخادعًا من أشكال النجاة. وفى لحظة لم أكن أتوقعها، جاءنى صوت الوزير الصديق فاروق حسنى عبر الهاتف. لم يكن حديثًا مطولًا، ولا خطابًا إنشائيًا، فقط جملة بسيطة فى ظاهرها، فاصلة فى معناها، قالها بهدوء كمن يُلقى حجرًا فى ماء راكد:»لا أحد يمكن أن يغيّب إنسانًا، الإنسان وحده هو الذى يُغيّب نفسه». أغلقت الهاتف، لكن العبارة بقيت داخلى درسًا لن أنساه يومًا، ولم أفقد أثره مع الزمن.
واليوم، وأنا أراقب مسيرة الفنان فاروق حسنى بعيدًا عن كرسى الوزارة، أرى فلسفته التى علّمنى إياها تتجسد أمامى بوضوح، الرجل الذى غادر المنصب لم يغادر الحضور، ولم يتخفف من مسئوليته بل ظل موجودًا ومؤثرًا، يقدم للوطن ولشبابه ما هو أبعد من السلطة، بدا أكثر تصالحًا مع فكرة العطاء الحر، من خلال مؤسسته الثقافية، ومبادراته المستمرة، وها هو اليوم يضيف إلى سجل إنجازاته متحفًا فنيًا بديعًا، يضم أعمالًا وإبداعات فنية رفيعة، يهديها للدولة، تأكيدًا على أن بعض الشخصيات لا ينتهى دورها بانتهاء المنصب، لأن حضورها نابع من إرادة، لا من موقع.
قدرة متجددة على العطاء
من هنا يمكن فهم تجربة الفنان فاروق حسنى، الذى غادر كرسى وزارة الثقافة، لكنه لم يغادر المشهد الثقافى ولا الوعى العام، ولم يتراجع عن مشروعه. حضوره لم يكن يومًا مرهونًا بالمنصب، بل متجذرًا فى مشروع ثقافى واضح، وبصمات ممتدة، وقدرة متجددة على العطاء، سواء عبر ما أنجزه خلال توليه حقيبة الثقافة من مشروعات ما زالت شاهدة، أو من خلال استمراره فى دعم الثقافة والفن والشباب وهو خارج السلطة. ليؤكد أن القيمة الحقيقية للمسئول تُقاس بما يظل حاضرًا بعد المنصب، لا بما ينتهى معه. تجربة تقول إن بعض الشخصيات لا تحتاج إلى موقع رسمى لتكون فاعلة؛ لأنها ببساطة لم تكن يومًا عابرة فى موقعها.
فالغياب ليس قرارًا إداريًا، بل حالة داخلية يختارها المسئول حين يتخلى عن دوره، أو يتصالح مع التوارى. قد تُغلَق الأبواب، وقد تُسحَب الفرص، وقد تتغير المواقع، لكن كل ذلك لا يصنع غيابًا حقيقيًا. الغياب الحقيقى يبدأ من الداخل، حين يتخلى الإنسان عن رغبته فى أن يكون، أو عن شجاعته فى أن يُعبّر، أو عن إيمانه بأن وجوده فارق.
البيت لوحة وسجادة
تعلّمت من فاروق حسنى درسًا آخر، لا علاقة له بالمناصب ولا بالسياسة، بل بالجمال بوصفه موقفًا من الحياة. درسًا لم يُلقَ فى قاعة رسمية، بل هَمس به بيته. كان ذلك يوم أجريتُ معه حوارًا داخل منزله الجديد على نيل الجيزة، برفقة زميلى المصور الصحفى فاروق إبراهيم. فى ذلك التوقيت، كان الكاتب الكبير أنيس منصور قد زاره فى منزله وكتب فى عموده بجريدة «الأهرام» عن روعة البيت وثرائه وقيمته، فاشتعلت التعليقات والهمسات، وتحول «بيت الوزير» إلى قضية عامة، وكأن الجمال ذاته صار موضع اتهام.
دخلتُ المنزل وأنا أحمل فى ذهنى كل ما كُتب وقيل، لكننى لم أجد اختلافًا حقيقيًا عمّا رأيته فى منزله القديم بالمعادى، يوم عاد من إيطاليا ليحمل حقيبة الثقافة. لم أجد بذخًا مستحدثًا، ولا استعراضًا طارئًا. نفس البساطة، نفس الانضباط الجمالى، والذوق الرفيع ذاته، نفس اللوحات التى لا تتباهى، والأثاث الذى لا يستعرض. الشىء الوحيد الذى تغيّر هو الجدران التى تحتوى هذا العالم، لا العالم ذاته.
يومها قال لى جملة بدت وكأنها خارج سياق الجدل كله: «البيت لوحة وسجادة»، لم يكن تعريفًا للبيت، بل تلخيصًا لفلسفة فنان يرى الجمال نظامًا داخليًا لا استعراضًا خارجيًا، وينظر إلى العالم بعين اللون قبل عين السلطة. لم يتحدث عن أثاث، بل عن روح. عن بيت يُبنى بالعين قبل أن يُبنى بالحجر، ويُسكن بالذائقة لا بالمساحة. أدركت وقتها أن ما كان يميز كل البيوت التى تنقل بينها، ليس العنوان ولا الموقع، بل الثبات الداخلى فى اختياراته الجمالية. فهمت أن الجمال، فى تصوره، ليس ترفًا ولا زينة، بل اختيار أخلاقى، وامتداد طبيعى لشخص خاض معارك ضارية دفاعًا عن الثقافة، ودفع أثمانًا باهظة لأنه آمن بأن الذوق العام قضية لا تقل أهمية عن أى معركة سياسية.
تذكّرت تلك الواقعة حين تحدث مؤخرًا عن اعتزازه بامتلاك سجادة نادرة تعود إلى عام 1820، عثر عليها بالصدفة فى باريس، معتبرًا أن السجادة ليست مجرد قطعة أثاث، بل عمل فنى متكامل يعكس ذائقة صاحب المنزل وشخصيته. هكذا علمنى هذا الحوار أن البيوت، لا تُقاس بقيمتها المادية، بل بما تحتفظ به من ذائقة صاحبها، وأن الفنان الحقيقى لا يترك فلسفته عند باب المنصب، بل يحملها معه من البيت، إلى المتحف، إلى الذاكرة العامة.
فاروق حسنى لم يكن وزيرًا عابرًا، بل فنانًا أُلقى به فى قلب صراع قاسٍ بين التنوير والوصاية، بين الثقافة بوصفها فعل حياة، ومحاولات اختزالها فى شعارات. مبدعًا خاض معارك ضارية دفاعًا عن حرية التعبير، وحق الجمال فى الوجود، ودفع أثمانًا باهظة لأنه آمن بأن الثقافة ليست ترفًا، بل خط دفاع أول عن الوعى. وربما لهذا ظل بيته - أىّ بيت سكنه- مثل فنه، خاليًا من الادعاء، صامدًا أمام الضجيج، منحازًا للهدوء بوصفه شكلًا من أشكال المقاومة.
رحلة بين الحلم واليقظة
لم يكن متحف فاروق حسنى إعلانًا عن إنجاز، بقدر ما كان تأكيدًا على حضور لا يعترف بالغياب. هنا لا يقف الزائر أمام أعمال فنية معلّقة على الجدران، بل أمام سيرة حياة قررت أن تظل مرئية. المتحف، فى جوهره، فعل مقاومة للنسيان، ومساحة يتجسد فيها المعنى الأعمق للفن: أن يكون أثرًا، لا حدثًا عابرًا.
فى هذا الفضاء، تتجاور اللوحات لا بوصفها أرشيفًا، بل كعلامات على رحلة طويلة من البحث والتجريب، رحلة فنان تجاوز حدود المكان، وتفاعل مع مدارس واتجاهات عالمية، دون أن يذوب فيها. بصمته اللونية حاضرة، ثابتة، كأنها توقيع لا يمكن إنكاره، وهوية بصرية راسخة فى الوعى التشكيلى. اللافت أن المتحف لا يُنصّب صاحبه مركزًا للكون، بل يفتح حوارًا واسعًا بين التجارب؛ أعماله تتحاور مع مقتنياته من روائع فنانى مصر والعالم، فى مشهد بصرى يقول الكثير عن فنان لم يرَ فى الفن سباقًا، بل مساحة مشتركة للتأمل والاختلاف.
هنا لا يُطلب من الزائر أن يرى فقط، بل أن يُنصت؛ أن يدخل فى حوار داخلى مع اللون، يقترب من سر الشكل، ويستعيد براءة الرؤية التى نفقدها كلما ضجّ العالم من حولنا. حتى التفاصيل غير المرئية - الكتب، الموسيقى، الصورة، الفيلم - تبدو جزءًا من هذا الحضور، لا تُكمّل المكان بقدر ما تكشف عن فلسفة ترى الثقافة كيانًا واحدًا، لا جزرًا معزولة.
وهكذا، يتحول متحف فاروق حسنى إلى إجابة عملية عن سؤال الحضور بعد المنصب. فبينما يختار كثيرون الصمت أو التوارى، يختار هو أن يظل حاضرًا بالفعل، بالجمال، بالذاكرة، وبمشروع ثقافى لا يسأل عن سلطة، بل عن أثر. حضور يؤكد أن ما يبقى فى النهاية، ليس الكرسى الذى شُغل، بل ما تُرك خلفه من معنى.
أنهيت جولتى وغادرت المتحف الذى امتلأ عن بكرة أبيه بمحبيه، وأصدقائه، لكن الرحلة ظلت ترافقنى فى الحلم واليقظة، وكلما أصغيت إليها بصدق، لامست أعماقى؛ وأفاضت بحكمتها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.