وقف الجيش المصرى فى موقعه التاريخى الطبيعى: جيش المصريين، وحائط الصدّ الأخير فى مواجهة التفكيك الشامل، كانت المعركة مع الإرهاب دفاعًا عن وحدة المجتمع، وعن حق المصريين فى وطن آمن يقدس تعايشه ويتمسك بجذوره الضاربة فى أرض مصر. اليوم، تقف دولة المحبة فى محيط إقليمى مضطرب، يُعاد فيه رسم الخرائط بمنطق الهوية الضيقة والانقسام الحاد. وبينما سقطت دول تحت وطأة الصراعات المذهبية، وتمزقت مجتمعات بفعل خطاب الكراهية، تقاوم مصر بوحدة شعبها وتماسكه، وبإيمانها بأن أى خلاف يُحل داخل البيت المصرى الجامع. فى مذكراته الشهيرة Modern Egypt، سجَّل اللورد كرومر، المندوب السامى البريطانى، ملاحظة كاشفة عن طبيعة العلاقة بين المسلمين والمسيحيين فى مصر، قال نصًّا: «لقد حاولتُ طويلًا أن أفرِّق بين المسلم والمسيحى فى مصر، فلم أجد فارقًا حقيقيًا بينهما، سوى أن الأول يذهب إلى المسجد، والثانى يذهب إلى الكنيسة». هذه العبارة، على بساطتها الظاهرية، تحمل دلالات عميقة. أولها أنها صدرت عن عقل استعمارى كان يبحث عن أدوات التفكيك والسيطرة، لا عن شاعر يحتفى بالوحدة ولا عن مفكر يكتب فى فضائل التعايش. وثانيها أنها تكشف فشل محاولات الاختراق الطائفى داخل المجتمع المصرى، وتفضح وهم التفريق الذى لازم التفكير الاستعمارى عبر العصور، وسعى دومًا إلى كسر سبيكة المجتمع المصرى المتماسكة، القائمة على المحبة، والتداخل، والعيش المشترك. وحين انتقل هذا التفكير من غرف الإدارة الاستعمارية إلى أرض الواقع، جاءت ثورة 1919 لتقدم الرد العملى. فى تلك اللحظة المفصلية، تعانق الهلال والصليب فى مواجهة الاحتلال البريطانى، بعدما التقطت الجماعة الوطنية المصرية مبكرًا مخطط التفريق بين أبناء الأمة الواحدة. لم يكن التعانق رمزًا عاطفيًا، بل كان فعلًا سياسيًا واعيًا، يعلن أن الإسلام والمسيحية يقفان معًا تحت علم مصر، فى مواجهة مشروع أراد أن يجعل من التنوع مدخلًا للانقسام. ومنذ ذلك التاريخ، ظلّت الوحدة الوطنية هى أكثر ما يُربك خصوم مصر ويُخيف مشاريع الهيمنة. ولذلك لم يكن غريبًا أن يسعى الاستعمار إلى تغذية التشدد والتطرف، كبديل عن الصدام المباشر. فظهرت جماعة الإخوان بدعم مباشر من الاحتلال الإنجليزى، الذى وجّه أول تبرع لها من إيرادات قناة السويس. فى كنف هذا الدعم، نشأ التطرف، وتغذّى على خطاب الإقصاء، وعاث فى الوعى المصرى فسادًا، حتى بلغ بنا الحال إلى التشكيك فى بديهيات الحياة المشتركة: هل نُهنّئ شركاء الوطن بأعيادهم أم لا؟ هذا السؤال، الذى كان يومًا خارج دائرة الجدل، بات يُستدعى سنويًا بفعل عبث مقصود. تلتقطه تيارات متشددة على جانب، وتضخّمه منصات مأجورة على جانب آخر، فيتحول إلى مشهد انقسام مصطنع، يقف الناس أمامه بدهشة، بينما تلفظه أرض مصر التى لفظت أمثاله عبر آلاف السنين، لأنها تعرف أن ما يُراد له أن يكون شرخًا ليس إلا دخانًا بلا نار. وصناعة الطائفية فى مصر لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمى الأوسع. فما تشهده المنطقة حاليًا من تفكيك للدول على أسس طائفية وعرقية لم يكن صدفة تاريخية، بل نتاج أفكار وخطط جرى تسويقها بوصفها تحليلًا أكاديميًا، بينما كانت فى جوهرها مشروعًا سياسيًا. هنا تبرز أطروحات المستشرق البريطانى برنارد لويس عن الشرق الأوسط، القائمة على تفكيك الدولة الوطنية، وإدارة الفوضى، وتصوير الإقليم باعتباره جغرافيا هشة، ودولًا وُلدت على موائد التسويات الاستعمارية، ومجتمعات قابلة للانقسام متى أُعيد استدعاء الهويات الضيقة من تحت ركام التاريخ. ولذلك فإن التذكير بأفكار لويس ليس نبشًا فى كتب قديمة، ولا استدعاءً لمعركة فكرية منتهية، بل قراءة فى منطق لا يزال يعمل حتى اليوم. منطق يرى فى انهيار الدولة الوطنية فرصة، وفى الصراع الأهلى أداة، وفى إضعاف المركز ضمانًا لتفوّق قوى أخرى، على حساب استقرار الشعوب وحقها فى الحياة الآمنة. تذكيرنا بخطط التقسيم ليست تلاعبًا بنظريات المؤامرة، ولا فزّاعة نلوّح بها هروبًا من النقد أو إنكارًا لأخطاء قد تقع بحق شركاء الوطن والمصير، لكنها قراءة واقعية لخطر حقيقى، يفرض علينا التبصّر واليقظة، لأن الانتباه هو الخطوة الأولى فى مقاومة ما يُحاك، وما نراه يتجسد بوضوح فى دول قريبة منا، سقطت حين غاب الوعى أو تأخر. ولم تكن مصر يومًا خارج دائرة هذا الاستهداف، وإن اختلفت الأدوات وتبدّلت الأساليب. فالدولة المصرية، بحكم تاريخها العميق وتركيبتها الصلبة، لم تكن قابلة للتقسيم الجغرافى المباشر، فكان الرهان دائمًا على العبث بالنسيج الداخلى عبر شائعات مسمومة، وخطابات كراهية مُعلّبة، وتضخيم أحداث فردية تُنتزع من سياقها الطبيعى لتُقدَّم بوصفها صراعًا وجوديًا، لا حادثًا عابرًا فى مجتمع حى. استُدعيت اللغة الطائفية من هوامش التاريخ، وحاولت منصات مشبوهة بثّ سمومها فى الوعى العام عبر صناعة استقطاب زائف بين أبناء الوطن الواحد. لكنها تصطدم، فى كل مرة، بصخرة وحدة المصريين. فحين تُستدعى الفتنة، تستدعى مصر خبرتها الطويلة فى إجهاضها، وتعيد التذكير بحقيقة راسخة: أن هذا الوطن، الذى عبر قرونًا من العواصف، لا يُفكّك من داخله، لأن وحدته ليست شعارًا، بل قدر تاريخى متجدد. فالهوية المصرية لم تُبنَ يومًا على أساس العقيدة وحدها، بل على الانتماء للأرض، والارتباط بفكرة الدولة، والإيمان بأن الوطن سابق على الجميع وباقٍ بعد الجميع، هذا المعنى العميق للوحدة الوطنية لم تصنعه بيانات رسمية ولا شعارات إعلامية، بل تراكم عبر قرون، وتجسّد فى مواقف وطنية خالدة للكنيسة المصرية والأزهر الشريف. وجاء العام المظلم لحكم الجماعة الإرهابية ليشكّل أقسى اختبار لهذه الوحدة. ساد التشدد، ومورس العنف ضد المسيحيين المصريين، فى محاولة مكشوفة لفرض مشروع تقسيم طائفى على مصر. وقفت البلاد آنذاك على شفا حرب أهلية لأول مرة فى تاريخها الحديث، حتى جاءت ثورة 30 يونيو لتقطع الطريق على هذا المشروع، بوصفها لحظة وعى وطنى شامل، عبّر فيها المصريون عن رفضهم للتلاعب بتماسكهم والمحبة بين الأشقاء فى وطن واحد. وفى تلك اللحظة الفاصلة، وقف الجيش المصرى فى موقعه التاريخى الطبيعى: جيش المصريين، وحائط الصدّ الأخير فى مواجهة التفكيك الشامل، كانت المعركة مع الإرهاب دفاعًا عن وحدة المجتمع، وعن حق المصريين فى وطن آمن يقدس تعايشه ويتمسك بجذوره الضاربة فى أرض مصر. وفى قلب هذا المسار، برز الدور الجامع للرئيس عبد الفتاح السيسى، الذى أعاد الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية الجامعة، ورسّخ خطابًا يقوم على المواطنة الكاملة والشراكة الصادقة. وقدم ردًا عمليًا على الجدل المفتعل حول تهنئة الأقباط، حين ذهب بنفسه إلى الكاتدرائية، وسجّل التاريخ أنه أول حاكم لمصر يشارك الأقباط عيد ميلاد السيد المسيح، وتكررت الزيارة أكثر من إحدى عشرة مرة منذ عام 2015 وحتى عام 2026. وكانت وحدة المصريين هى العبارة الأكثر حضورًا فى خطابه، باعتبارها مفتاح حماية الدولة وحل كل ازماتها. وفى السياق ذاته، لعب البابا تواضروس الثانى دورًا وطنيًا بالغ الأهمية فى إجهاض محاولات الفتنة. جاءت مقولته الخالدة «وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن» تعبيرًا صريحًا عن فلسفة ترى فى الدولة الإطار الحامى للجميع، وترفض المتاجرة بالدين أو توظيف الألم لتحقيق مكاسب سياسية، فى امتداد طبيعى لتاريخ طويل من الحكمة الكنسية المنحازة للاستقرار لا للفوضى. اليوم، تقف دولة المحبة فى محيط إقليمى مضطرب، يُعاد فيه رسم الخرائط بمنطق الهوية الضيقة والانقسام الحاد. وبينما سقطت دول تحت وطأة الصراعات المذهبية، وتمزقت مجتمعات بفعل خطاب الكراهية، تقاوم مصر بوحدة شعبها وتماسكه، وبإيمانها بأن أى خلاف يُحل داخل البيت المصرى الجامع. ودولة المحبة، فى النهاية، ليست شعارًا عاطفيًا ولا خطابًا إنشائيًا، بل تجربة وطنية صلبة، صمدت أمام الاستعمار، وتجاوزت الفتن، وواجهت الإرهاب، لأنها قامت على إدراك واعٍ بأن قوة مصر فى وحدتها، وأن حماية الدين تكون بالدولة لا بهدمها، وأن المحبة ليست ضعفًا.. بل أرقى صور القوة.