تصاعدت المواجهة الاقتصادية بين الولاياتالمتحدةوالصين إلى مستويات غير مسبوقة خلال عام 2025، مع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وإطلاقه موجة عاصفة من الرسوم الجمركية استهدفت القوة الاقتصادية الثانية في العالم، إذ وصلت نسب الرسوم إلى مستويات قياسية تجاوزت 145% على الجانب الأمريكي مقابل 125% من الجانب الصيني، في مواجهة تجاوزت حدود التجارة لتصبح صراعاً استراتيجياً على النفوذ العالمي والتفوق التكنولوجي، مهددة باستقرار الاقتصاد العالمي بأكمله. موجات متتالية من الرسوم الجمركية تشعل المواجهة بدأت جولة التصعيد الجديدة في فبراير 2025 عندما وقع ترامب أمراً تنفيذياً أعلن فيه حالة طوارئ وطنية بسبب تهريب المخدرات من الصين، مستغلاً قانون الصلاحيات الاقتصادية الدولية الطارئة ليفرض رسوماً جمركية إضافية بنسبة 10% على جميع الواردات الصينية. لم تكن هذه سوى البداية، إذ رفع ترامب النسبة في مارس إلى 20% تراكمياً. التصعيد الأكبر جاء في أبريل عندما أطلق ترامب ما أسماه "يوم التحرير"، وهي حزمة شاملة من الرسوم الجمركية المتبادلة استهدفت عشرات الدول حول العالم، لكن الصين كانت في القلب من هذه العاصفة التجارية. في الثاني من أبريل، فرض ترامب رسوماً إضافية بنسبة 34% على السلع الصينية، زاعماً أن الصين تفرض حواجز تجارية تصل إلى 67% على المنتجات الأمريكية. وبحلول منتصف الشهر، ارتفعت الرسوم الأمريكية الفعلية إلى مستوى قياسي بلغ 145% على البضائع الصينية، في أكبر حرب تجارية شهدها العالم بين أكبر اقتصادين على وجه الأرض. الصين ترد بقوة لم تقف بكين مكتوفة الأيدي أمام الهجمة الأمريكية، إذ أعلنت الحكومة الصينية في الرابع من مارس، فرض رسوم انتقامية بنسبة 15% على الفحم والغاز الطبيعي المسال، و10% على النفط والآلات الزراعية الأمريكية. وفي الرد الأشمل، فرضت بكين رسوماً شملت منتجات زراعية أساسية للاقتصاد الأمريكي مثل الدجاج والقمح والذرة والقطن والصويا ولحم الخنزير والبقر والمنتجات المائية والفواكه والخضروات ومنتجات الألبان، بنسب تراوحت بين 10% و15%. لكن السلاح الأقوى الذي استخدمته الصين كان تشديد القيود على تصدير المعادن النادرة الحيوية، إذ فرضت بكين في أبريل، ضوابط صارمة على تصدير سبعة عناصر من المعادن النادرة، وفي أكتوبر توسعت هذه القيود لتشمل المغناطيسات الدائمة المصنوعة من هذه المعادن، مستخدمة لأول مرة قاعدة "المنتج الأجنبي المباشر" التي طالما استخدمتها واشنطن ضدها في قطاع أشباه الموصلات. الصين تسيطر على أكثر من 90% من الإمدادات العالمية من المعادن النادرة الضرورية لصناعة البطاريات والإلكترونيات المتقدمة والصواريخ والسيارات الكهربائية، مما منحها ورقة ضغط استراتيجية قوية. إلى جانب ذلك، أطلقت السلطات الصينية تحقيقات في مكافحة الاحتكار استهدفت شركات أمريكية كبرى، وأدرجت العديد من الشركات الأمريكية على قوائمها السوداء للكيانات غير الموثوقة، ووضعت قيوداً على الاستثمارات الصينية في الولاياتالمتحدة، في رسالة واضحة بأنها لن تستسلم للضغوط الأمريكية. تداعيات كارثية على الأسواق والاقتصاد العالمي أحدثت هذه الحرب التجارية هزات عنيفة في الأسواق المالية العالمية، إذ انه في التاسع من أبريل، عندما أعلن ترامب تعليق بعض الرسوم المتبادلة مؤقتاً، قفز مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 9.52% في أكبر ارتفاع ليوم واحد منذ عام 2008، مما يعكس مدى الضغط الذي كانت تعاني منه الأسواق. لكن التذبذب المستمر بين التصعيد والتراجع خلق حالة من عدم اليقين زادت من معاناة الشركات والمستهلكين على حد سواء. التأثير الأكبر وقع على الأسر الأمريكية، إذ قدرت مؤسسة الضرائب أن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب تساوي زيادة ضريبية بمعدل 1,200 دولار سنوياً لكل أسرة أمريكية في 2025. وحذر رؤساء كبرى متاجر التجزئة الأمريكية في أبريل من أن الحرب التجارية مع الصين ستؤدي إلى ارتفاعات واضحة في الأسعار ونقص في المنتجات خلال أسبوعين فقط. أما الصين، فرغم نموها الاقتصادي بنسبة 5.2% في الربع الثاني من 2025 بفضل دعم الحكومة والشحنات المسبقة التي أجرتها المصانع قبل فرض الرسوم، إلا أن صادراتها إلى أمريكا انخفضت بنسبة 33% في أغسطس. ولمواجهة الأزمة، عززت بكين الإنفاق على البنية التحتية وخفضت أسعار الفائدة، بينما توقفت الشركات الصينية عن شراء فول الصويا الأمريكي تماماً وتحولت إلى الأرجنتين وأوروغواي والبرازيل كبدائل. هدنات مؤقتة وتفاوض شاق في محاولة لوقف النزيف الاقتصادي، التقى المسؤولون الأمريكيون والصينيون عدة مرات خلال العام. في مايو، توصل الجانبان في مدينة جنيف إلى اتفاق لخفض الرسوم المفروضة في أبريل من 125% إلى 10% على كل طرف لمدة 90 يوماً، مع الإبقاء على الرسوم الأخرى السابقة، وفي أغسطس، تم تمديد هذه الهدنة حتى العاشر من نوفمبر. اللحظة الحاسمة جاءت في نهاية أكتوبر عندما التقى ترامب والرئيس الصيني شي جين بينج على هامش قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ في كوريا الجنوبية. الاتفاق الذي أعلن في الأول من نوفمبر تضمن تنازلات من الطرفين، وهو ان واشنطن خفضت رسومها بمقدار 10 نقاط مئوية ووافقت على تعليق الرسوم المرتفعة لمدة عام، بينما وافقت بكين على إلغاء تراخيص تصدير المعادن النادرة وإصدار تراخيص عامة لتصدير العناصر الحيوية مثل الجاليوم والجرمانيوم والأنتيمون والجرافيت. كما التزمت الصين بشراء 12 مليون طن متري من فول الصويا الأمريكي في نوفمبر وديسمبر 2025، و25 مليون طن سنوياً في الأعوام 2026 و2027 و2028، في محاولة لإعادة التوازن التجاري. كذلك وافقت على إزالة 31 شركة أمريكية من قوائمها السوداء للرقابة على الصادرات، واستئناف التعاون لمكافحة تهريب الفنتانيل. لكن رغم هذه التفاهمات، تظل الأوضاع هشة، إذ تشير تقارير حديثة إلى أن الصين لا تزال تقيد وصول الشركات الأمريكية إلى المواد الخام اللازمة لإنتاج المغناطيسات، رغم زيادة شحنات المنتجات النهائية. خبراء السوق يعبرون عن قلقهم من أن الهدنة قد تنهار في أي لحظة، خاصة أن الاتفاقات السابقة في لندنوجنيفوكوريا الجنوبية لم تصمد طويلاً أمام تجدد التوترات.