فى اللحظات التى تتبدّل فيها الأنظمة، لا يكون الخطر الأكبر هو الفراغ السياسى وحده، بل الفراغ الذى يبتلع تعريف الدولة نفسها: مَن يملك العنف؟ مَن يملك القانون؟ ومَن يملك حق إعلان أن «المرحلة الانتقالية» انتهت؟ سوريا اليوم لا تعيش فقط انتقالًا فى رأس السلطة، بل انتقالًا فى فكرة السلطة، ولهذا تبدو الأسئلة السورية، والسؤال العربى معها أكثر حدّة من أى لحظة سابقة: ما مصير الجيش؟ ما معنى الأمن؟ ما شكل الدولة؟ وهل هناك أفق نهاية للفترة الانتقالية ومتى؟ وعندما نصل لهذه المحطة، هل ستتراجع المساحة والخريطة، بمعنى أدق ماذا سيتبقى من سوريا الشقيقة؟! السؤال عن الجيش فى سوريا هو سؤال «شرعية» دولةٌ لا تحتكر السلاح احتكارًا شرعيًا، هى دولة تعيش على وقف إطلاق نار طويل، لا على نظامٍ عام، لكن احتكار السلاح لا يتحقق بالشعار، بل بالقرار الصعب الذى لا يحبّه أحد: دمجٌ منضبط، وتفكيكٌ محسوب، وإعادة تعريف لعقيدة القوة بحيث تصبح حماية الحدود والمواطن هى الوظيفة الوحيدة، لا حماية جماعة ولا تصفية حساب، ولهذا تصبح محاولات توحيد الفصائل ضمن مؤسسات الدفاع والداخلية، كما أُعلن عن جهود دمج عشرات الفصائل فى مطلع 2025، مجرد بداية لطريقٍ شديد الوعورة لا نهايته؛ لأن الدمج الحقيقى لا يُقاس بعدد التوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على ضبط السلاح، وتوحيد القرار، ومنع ظهور «جيوشٍ صغيرة» داخل الجيش الكبير. ومثلما أن الجيش سؤال شرعية، فإن الأمن سؤال عدالة لا معنى لاستقرارٍ يعيد إنتاج الخوف، ولا معنى لمرحلةٍ جديدة تملأ السجون بالمنطق نفسه، وإن تغيّرت الرايات، أخطر ما يواجه أى إدارة انتقالية هو إغراء «الأمن السريع»: الاعتقال كبديل عن التحقيق، والقوة كبديل عن القانون، والردع كبديل عن الثقة. تقارير حديثة تتكلم عن عودة الاكتظاظ والاحتجاز بلا اتهام واضح، وعن انتهاكات داخل مراكز احتجاز، وهو إن صحّ واستمرّ لا يهدد صورة السلطة فقط، بل يضرب جوهر الانتقال؛ لأن الدولة التى تريد شرعية جديدة لا تستطيع أن تستخدم أدوات الشرعية القديمة، ثم تنتظر من المجتمع أن يصدق أن شيئًا تبدّل، الإصلاح الأمنى هنا ليس رفاهية حقوقية، بل شرط استقرار عملى؛ لأن الأمن الذى لا يخضع للمساءلة ينتج خصومًا أكثر مما ينتج أمانًا. ثم تأتى العقدة التى لا يحب السياسيون الاعتراف بها: المرحلة الانتقالية لا تنتهى بالنيات، بل بقواعد مكتوبة تُقيّد السلطة قبل أن تمنحها، والعالم يعرف خريطة عامة منذ سنوات عبر القرار (2254) وما يرتبط به من منطق «انتقال سياسى» سورىّ الملكية والقيادة، لكن المشكلة أن العناوين الكبيرة لا تعطى وحدها جدولًا زمنيًا، ولا ضمانات تنفيذ؛ ولذلك يصبح سؤال السورى اليوم واقعيًا: مَن يضع سقفًا زمنيًا واضحًا؟ وما الذي يمنع «الانتقال» من التحوّل إلى إقامة طويلة بلا تفويض؟. الأممالمتحدة تحدثت مبكرًا عن ضرورة انتقال شامل وضمن إطارٍ سورىّ، لكن تحويل هذا الكلام إلى بنية داخلية يتطلب إعلانًا دستوريًا انتقاليًا يحدد الصلاحيات وآليات الرقابة، ومسارًا سياسيًا لا يُدار بوصفه تقاسم نفوذ، بل بوصفه إعادة تأسيس لتمثيلٍ وطنى يضمن المساواة بين المكونات الدينية والعرقية والسياسية، بحيث لا يشعر أى طرف بأنه يعيش فى دولة «المنتصر»، بل فى دولة «المواطن». القرارات الشائكة لا تقف عند الداخل، لأن سوريا ليست ملفًا محليًا، والعلاقة مع دول الجوار لا تُدار بالعاطفة ولا بالشعارات، بل بمنطق أمن الحدود واللاجئين والمياه والتجارة والميليشيات العابرة، هنا تُصبح «التنازلات» كلمة مُضللة: ليست القضية أن تتنازل أو لا تتنازل، بل أن تعرف الفرق بين المرونة التكتيكية وبين المساس بالسيادة. الانفتاح على الإقليم قد يكون ضرورة لإنعاش الاقتصاد، وفتح طرق الإمداد وتخفيف الضغط الاجتماعى، خصوصًا مع عودة مئات الآلاف إلى سوريا بعد 2024 وفق تقديرات أممية، لكن أى ترتيبات أمنية أو اقتصادية مع الجوار يجب أن تُصاغ بحيث لا تتحول إلى وصاية جديدة باسم الدعم، ولا إلى اعترافٍ ضمنى بمناطق نفوذ دائمة تُفتّت فكرة الدولة. ومن زاوية القانون الدولى، تبدو سوريا فى قلب معضلة أوسع: العالم يتحدث عن السيادة ووحدة الأراضى، ثم يعيش على استثناءاتٍ دائمة حين تتعارض القاعدة مع المصالح، المبدأ العام فى ميثاق الأممالمتحدة يقيّد استخدام القوة ضد سلامة أراضى الدول، والقرار (2254) يؤطر مسار تسوية سياسية، لكن الواقع السورى ظل سنوات ساحة لتداخل قوات وذرائع وأطر قانونية متنازعة، هنا ينبغى أن يُفهم القانون الدولى لا كديكور خطابى تستدعيه السلطة عند الحاجة، بل كأداة تفاوض تحمى الدولة: تثبيت وحدة الأرض كخط أحمر، وربط أى تعاون أمنى أو عسكرى أو اقتصادى بسقفٍ واضح يرفض تحويل الضرورات المؤقتة إلى وقائع دائمة، وإعادة تعريف «الشرعية الخارجية» بوصفها اعترافًا بمؤسسات وطنية لا بتوازنات سلاح. الفرصة الكبرى والخطر الأكبر يلتقيان عند الاقتصاد، رفع أو تخفيف العقوبات الواسعة يفتح بابًا لإعادة الإعمار والاستثمار واستعادة الدورة المالية، لكنه فى الوقت نفسه يضع الإدارة الانتقالية أمام اختبار شديد القسوة: هل تتحول الموارد الجديدة إلى تحسين شروط الحياة والكرامة والخدمات، أم تتحول إلى ريعٍ سياسى يُستخدم لتثبيت مراكز قوة؟ الخبرة القريبة تقول إن الشرعية الاجتماعية لا تُشترى بخطاب، بل تُبنى حين يرى المواطن «الدولة» فى الماء والكهرباء والمدرسة والمستشفى، لا فقط فى الحواجز والبيانات، وفى سياقٍ دولى يربط الانفتاح الاقتصادى بملفات مثل حقوق الأقليات ومكافحة الإرهاب، تصبح إدارة هذا الملف ليست مسألة اقتصاد فقط، بل مسألة سيادة أيضًا: كيف تستفيد من الانفتاح دون أن تسمح بتحويله إلى سلاسل شروط تُكتب من الخارج ثم تُفرض على الداخل؟ لهذا كله، ما يريده السورى وما يهم العربى لمصلحته المباشرة ليس خطاب طمأنة، بل «منطق دولة» واضح: قرارات أمنية تُنتج أمانًا لا خوفًا، وبناء قوة موحدة لا يخلق دولة داخل الدولة، وخريطة انتقال تُغلق زمن التعليق بدل أن تمدده، وعلاقات إقليمية تُدار بوصفها حماية للسيادة لا تجارة بها، وقانون دولى يُستخدم لحماية وحدة الأرض لا لتبرير استثناءاتها، الامتحان الحقيقى للإدارة المؤقتة ليس أن تُظهر أنها قادرة على الحكم، بل أن تُثبت أنها قادرة على تأسيس قواعد تمنع أى سلطة لاحقة من العبث بالمواطنة والمساواة، وأن تجعل «الدولة» أكبر من أى جماعة، وأبقى من أى مرحلة.