كشفت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية أن الهند ردّت عمليًا على سياسة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستراتيجية تصدير مبتكرة تستهدف 50 سوقًا عالميًا. وأفاد التقرير أن هذه الخطوة تعكس تحركًا هنديًا متوازنًا بين الحفاظ على المصالح الاقتصادية الوطنية ومواجهة الضغوط الأمريكية، مع محاولة فتح مسارات بديلة للتجارة الدولية بعيدًا عن الاعتماد المفرط على السوق الأمريكية. وأضافت المجلة الأمريكية، أن استراتيجية نيودلهي الجديدة لا تقوم فقط على الرمزية السياسية، وإنما ترتكز على خطوات عملية تشمل خفض الضرائب المحلية، وتحفيز المستهلكين على شراء المنتجات الهندية، وتوسيع شبكة التصدير عالميًا، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الهندي تحديات تتعلق بالنفط الروسي، وتسليح الجيش، والبطالة بين الشباب. اقرأ أيضًا| أزمة الرسوم تصل ذروتها.. هل تنقذ المحكمة العليا سياسات ترامب التجارية؟ ردود دولية متباينة على رسوم ترامب أفاد التقرير أن رسوم ترامب الجمركية أثارت ردود فعل متباينة حول العالم؛ حيث تراجع الاتحاد الأوروبي في معظمه، بينما لجأت الصين إلى استخدام مخزونها الضخم من المعادن الأرضية النادرة كورقة ضغط، وتمسكت البرازيل بموقفها الثابت، أما الهند، فقد لجأت بداية إلى الرمزية في ردها، لكنها انتقلت سريعًا إلى خطوات أكثر جوهرية، بما يعكس إدراكها لضرورة حماية مصالحها الاقتصادية. وأوضح التقرير، أن الهند فرضت رسومًا جمركية بنسبة 50% دخلت حيز التنفيذ في 27 أغسطس. ورغم أن نصف هذه الرسوم الجمركية، بدا وكأنه عقاب على تعامل نيودلهي مع روسيا، فإنها في الواقع كانت تحمل رسالة سياسية أعمق، خاصة بعدما فشل دونالد ترامب في الحصول على دعم الهند لترشيحه لجائزة نوبل للسلام. وبعد أربعة أيام فقط، قام رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بزيارة إلى الصين هي الأولى منذ سبع سنوات، التقط خلالها صورًا ودية مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين والرئيس الصيني، شي جين بينج، وقضى 45 دقيقة مع بوتين في سيارته، حيث أكدت هذه الخطوات أن نيودلهي قد لا تملك المعادن النادرة مثل بكين، لكنها تمتلك شبكة من الحلفاء لا يُستهان بها. خطة اقتصادية داخلية وخارجية كشف التقرير أن الحكومة الهندية تعمل على تشجيع المستهلكين على شراء المنتجات المحلية عبر خفض ضرائب السلع والخدمات، خصوصًا مع اقتراب موسم ديوالي في أكتوبر، كما وضعت خطة طموحة لتوسيع الصادرات إلى 50 دولة جديدة، وهو ما أشادت به الصحف المحلية الكبرى مثل صحيفة "هندو" التي وصفت التحرك بأنه يعكس "نضجًا وواقعية" في التعامل مع الأزمة. وأفادت المجلة، أن الهند تبنت في السنوات الأخيرة سياسة براغماتية في شراء النفط الروسي رغم العقوبات الغربية، إذ أعلن وزير الخارجية الهندي، س. جايشانكار عام 2022 أن "من واجبه الأخلاقي" تأمين أفضل صفقة ممكنة لبلاده، وفي ذلك الوقت، كان خام روسيا أرخص من برنت ب20 إلى 35 دولارًا، لكن الفارق تقلص الآن إلى 3 أو 4 دولارات فقط، ما جعل تكلفة الاعتماد على النفط الروسي محل تساؤل جديد بعد الرسوم الجمركية الأمريكية. تكلفة الابتعاد عن روسيا أشار التقرير، إلى أن فاتورة استيراد النفط الهندي قد ترتفع بين 9 و12 مليار دولار سنويًا إذا تخلت نيودلهي عن الخام الروسي. كما أن الأسلحة الروسية التي زودت الهند ب36% من وارداتها بين 2019 و2023 تُعد الأرخص، لكن مشكلات توريد قطع الغيار والذخائر دفعت الهند أصلًا إلى البحث عن بدائل، ووفق تقديرات الميزانية الدفاعية، فإن التحول عن السلاح الروسي قد يكلف ما يصل إلى 1.6 مليار دولار إضافية سنويًا، ما يعني أن إجمالي الخسائر من التخلي عن موسكو تتراوح بين 0.2% و0.3% من الناتج المحلي الإجمالي. كلفة تجاهل ترامب بلغت صادرات الهند إلى الولاياتالمتحدة 86.5 مليار دولار عام 2024، منها 48.5 مليار معرضة ل الرسوم الجمركية، وتُقدّر الخسارة المحتملة في الناتج المحلي الإجمالي بين 0.3% و0.6%، أي أن الابتعاد عن روسيا يكلف أقل بكثير من تجاهل دونالد ترامب، وإذا خفضت الرسوم الأمريكية من 50% إلى 25% بفضل مرونة هندية، فإن نيودلهي ستتجنب خسائر كبيرة وتقلل نصف الأضرار تقريبًا. وأفادت المجلة، أن الصناعات المتضررة من الرسوم الجمركية، مثل المنسوجات والأحجار الكريمة والمجوهرات والسلع الهندسية، هي صناعات كثيفة العمالة. ومع بلوغ معدل بطالة الشباب بالهند بين 20 و24 عامًا نحو 44.9% وقت الانتخابات الأخيرة، لا تستطيع نيودلهي تحمل المزيد من فقدان الوظائف، ولذلك، فإن التحالف القوي مع الولاياتالمتحدة يُعد ضروريًا لضمان استثمارات وفرص عمل جديدة، خصوصًا في ظل غياب بدائل صناعية قوية. اقرأ أيضًا| من واشنطن إلى آسيا| تداعيات الرسوم الأمريكية على الاستثمار العالمي أهمية الولاياتالمتحدة للنمو الهندي أوضح التقرير أن الولاياتالمتحدة تظل الشريك الأهم للهند في مجالي التكنولوجيا والاستثمار، إذ توفر فرصًا هائلة في قطاعي التصنيع والخدمات عالية القيمة، إلى جانب إمكانية نقل التكنولوجيا ودعم التحول الرقمي، وأكدت المجلة أن روسياوالصين والاتحاد الأوروبي لا يقدمون بدائل حقيقية بهذا الحجم أو التأثير. وأشار التقرير أيضًا، إلى أن الأزمة دفعت المصدرين الهنود إلى البحث عن أسواق بديلة، لكن تعويض السوق الأمريكية التي تمثل 20% من صادرات الهند أمر شبه مستحيل على المدى القريب، كما أن إيجاد مستهلكين بديلين يحتاج إلى وقت طويل، ما يجعل التنويع خطوة مساندة لا بديلًا كاملًا. خيط التوازن بين واشنطنوموسكو كشفت «فورين بوليسي»، عن أن نيودلهي قد تعتمد على استراتيجية انتقال تدريجي بعيدًا عن النفط الروسي عبر تقليص الواردات شهرًا بعد آخر، مع ربط أي خطوة عملية بتخفيف الرسوم الجمركية الأمريكية، واعتبر أن هذا التوازن يسمح لمودي بالحفاظ على صورته داخليًا، مع إرسال رسائل مختلفة إلى كل من دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، بين: دعم أمريكي في ملف السلام من جهة، واستمرار الشراكة غير الاستراتيجية مع روسيا من جهة أخرى. كما أن فتح قنوات تواصل مع الصين قد يمنح الهند مكاسب اقتصادية إضافية، فبحسب تقديرات، كان بإمكان نيودلهي أن تحقق 60 مليار دولار سنويًا لو انضمت عام 2020 إلى الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة التي تقودها بكين، ورغم رفضها حينها، فإن الخلاف مع واشنطن قد يفتح الباب أمام استعادة بعض هذه المكاسب إذا حسّنت علاقاتها مع الصين. أكد وزير الخارجية الهندي، جايشانكار في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2023 أن كل دولة تسعى وراء مصالحها الوطنية، ورأت المجلة الأمريكية ذاتها، أن أزمة الرسوم الجمركية الأمريكية قد تشكل فرصة لمودي للتوفيق بين المصلحة الوطنية والمصلحة العالمية، من خلال استجابة عملية تُظهر أن الهند قادرة على المناورة بذكاء بين القوى الكبرى لتحقيق أهدافها. اقرأ أيضًا| سياسة ترامب الاقتصادية أكثر تطرفًا مما تبدو.. لماذا لا يثير ذلك قلقًا أكبر؟