تمنحنا رحلة أفلام المخرج السينمائي عباس كياروستامي، رائد الموجة الإيرانية الجديدة، فرصة للغوص في سينما غالبًا ما تبدو بسيطة على السطح، لكنها تخفي تأملات عميقة عن الحياة، الموت، الهوية، الروحانية، الانفصال، العزلة، الطلاق والقبول.. بل واستكشاف لجوهر وجودنا بالسينما. لطالما صنع أفلامًا مستوحاة من دروس الحياة، كانت الإنسانية هي أولويته القصوى، بموضوعها وأسلوبها الإخراجي، والتكوين البصري، واللغة السينمائية، ووصولا إلى البعد الفلسفي للصورة والحوار. وقد غيّرت هذه الاكتشافات حياة أجيال من الفنانين الشباب الذين استلهموا من أعماله الإلهام، ورغم حصده العديد من الجوائز المرموقة، بما في ذلك «السعفة الذهبية»، إلا أن أعظم إنجازاته بلا شك هو روائعه الفنية المتعددة. قال كياروستامي ذات مرة: «لكل فيلم هوية أو شهادة ميلاد خاصة به، الفيلم يدور حول البشر، حول الإنسانية، جميع شعوب العالم على الرغم من اختلاف مظهرها ودينها ولغتها وأسلوب حياتها تشترك في شيء واحد، وهو ما يكمن في داخلنا جميعًا، لو فحصنا دواخل مختلف البشر بالأشعة السينية، لما استطعنا من خلالها تحديد لغة الشخص أو خلفيته أو عرقه». في الذكرى الخامسة والثمانين لميلاده، نلقي نظرة على أهم أفلامه والتي يأتي في مقدمتها «طعم الكرز»، النقطة المحورية في الفيلم هي الانتحار، ومع ذلك، يثير الفيلم تساؤلات حول قيمة الحياة.. إنها قصة غامضة عن رجل مُحبط يتجول بسيارته باحثًا عن شخص مستعد لدفنه بعد انتحاره. يتناول الفيلم جوانب متعددة من الحياة، أهمها الحياة والموت، ورغم أنه يبدو في الظاهر كفيلم عن الانتحار، إلا أنه يتجاوز ذلك بكثير، فهو لا يدعو الناس إلى الانتحار، بل يُظهره كوسيلة للخروج من الحياة، ويُشير المخرج إلى أن الحياة ليست مفروضة علينا، بل يجب أن يكون لدينا خيار الاستسلام عندما تُصبح عبئًا، وليس من الحكمة أن نحمل أعباءً عاطفية عميقة كل يوم، وهو لا يؤيد الانتحار ولا يشجع عليه، بل يُظهره فقط كباب للخروج من الغرفة التي لم تعد أكثر ملاءمة للبقاء، ولا يمكن إتباع هذا الطريق إلا في الظروف القصوى، وطريق الجنة ليس جحيمًا، بل سماوي. والشخص التعيس لا ينشر سوى التعاسة التي تؤثر على كل من حوله، وإنه يُزعزع الهدف الأساسي من الحياة في هذا العالم، ولا يُظهر فيلم «طعم الكرز»، ما إذا كان بطل قصته «بديع» قد انتحر أم لا، وليس من الضروري أن يُجسد جوهر الفيلم. على الرغم من أن الفيلم يركز بشكل كبير على الانتحار، إلا أن جمال الطبيعة الخضراء اليانعة لقمة التل يمثل انتقالًا رائعًا إلى الحياة، ليتجاوز موضوعًا متشائمًا كالانتحار، فهو يدور حول قيمة الحياة. كشف كياروستامي عند شهادته على العمل: «في إحدى الليالي، بينما كنتُ أتخيل النهاية، ظننتُ أنها ستكون مفاجأة كبيرة، ولم أكن مرتاحًا لها تمامًا، وطوال الليل، وعندما استيقظتُ في الصباح، ظننتُ أنها مخاطرة كبيرة، لكنها كانت مخاطرة تستحق العناء، وحتى عندما يتجادل الناس حول نهاية الفيلم المفتوحة أحبها لأنها تعني أن الفيلم لم ينتهِ بعد». يُعد فيلم «كلوز - أب» إنتاج 1990، أشهر أعمال كياروستامي وأكثرها تأثيرًا، وقد أحدث ثورة في عالم الخيال الوثائقي، ويختبر الفيلم بإستمرار حواجز الخيال والواقع، ويعيد تمثيل أحداث حقيقية في إطار بحثه الرائد في هوس السينما. يحكي الفيلم قصة محاكمة حقيقية لرجل ينتحل شخصية المخرج السينمائي محسن مخملباف، مما جعل الأسرة التي زارها تصدق أنها ستمثل في فيلمه الجديد، ويضم الفيلم أشخاصًا معنيين يتصرفون بتلقائية، ويتميز بأنه فيلم يمثل الهوية البشرية، مما ساعد في زيادة الاعتراف بكياروستامي في الغرب. هذا الفيلم يُعدّ من أعظم أفلام كياروستمي، بل ومن أبرز الأفلام الوثائقية الهجينة، ويتميز بدمج بين الواقع والخيال، ويطرح أسئلة حول الهوية، الفن والتمثيل. وأوضح المخرج: «في هذا النوع من السينما، سواءً كنت تعمل مع ممثلين أو غيرهم، مهما كانت طريقة إخراجك لهم، فإنك إذا سمحت لهم بتوجيهك، ستكون النتيجة النهائية أكثر إرضاءً، ويُتاح التعبير عن نقاط القوة الحقيقية والفردية للممثلين، وهو أمر يؤثر في الجمهور بعمق كبير». يُعد فيلم «أين منزل الصديق؟» عام 1987 من أروع لحظات مسيرة كياروستامي السينمائية، إنها قصة بسيطة خادعة، تدور حول صبي بريء ينطلق في مهمة شاقة لإعادة دفتر ملاحظات صديقه، الذى اخذه بالخطأ متحديًا كل الصعاب، قليلٌ من الأفلام نجح في تجسيد جوهر الطفولة والبراءة والولاء والصداقة، كما فعلت هذه التحفة الفنية. هذا الفيلم هو أول جزء من «ثلاثية كوكر»، ويُجسّد نظرة كياروستمي الطفولية للعالم، حيث تُبنى دراما مؤثرة على أبسط الأحداث، الفيلم يُظهر البراءة، المسئولية والصدق في مواجهة العالم البيروقراطي. قال كياروستامي عن «ثلاثية كوكر»: «كلّ فيلم من هذه الأفلام الثلاثة وُلِد من الآخر.. صنعتُ أولًا فيلم (أين منزل الصديق؟)، ثم عندما وقع زلزال عام 1990 عدتُ إلى منطقة رودبار لأرى ما يمكنني فعله للمساعدة، ومن خلال هذه الرحلة، وُلدت فكرة صنع فيلم ثانٍ هو (الحياة لا أكثر)، الذي يصف رحلة البحث عن (أحمد) الصبي الصغير في الفيلم الأول». الفيلم يحمل طابعًا إنسانيًا عميقًا في قلب الكارثة، ويتأمل في إستمرارية الحياة رغم الألم، ويعيد بناء الواقع من خلال السينما. فى فيلمه «الريح ستحملنا «يركز كيارستمي على تحوّل منظور مهندس متغطرس من المدينة يصل إلى قرية صغيرة، وينتهي به الأمر بتكوين معتقدات منقّحة تمامًا عن العالم. أنها حقا دراما شعرية تصاحب صحفي ينتقل إلى قرية نائية بإنتظار موت امرأة عجوز، لكنه يواجه حياة القرية اليومية ببطئها وتفاصيلها. عنوان الفيلم مأخوذ من قصيدة للشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد.. الفيلم صامت في أماكن كثيرة، ويمثّل ذروة النضج الفني لكياروستمي. وعلى الرغم من أن فيلم «الريح ستحملنا» نال استحسانًا ممن شهدوا رؤيته المهيبة في المهرجانات السينمائية الدولية، إلا أن الفيلم لم يُعاد اكتشافه من قِبل جمهور أوسع إلا في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. يتذكر كيارستمي: «أثناء تصوير فيلم (الريح ستحملنا) كنت أدرك كم قد يكون مملًا رؤية الرجل نفسه يتسلق التل مرارًا وتكرارًا، ولكن ما وجدته تحديًا هو معرفة كيفية التعبير عن رغبتي في هذا الملل، ورغبتي في إزعاجكم». «شخصيات الفيلم تشعر بالملل أيضًا.. لا شيء يحدث، مجرد بعض الأنشطة الرتيبة وبعض المشاهد، وحتى الشخصية الرئيسية في الفيلم كل ما تفعله هو انتظار حدوث شيء ما، ومجرد عدم حدوث أي شيء يخلق نوعًا من التوقع.» «الحياة، ولا شيء أكثر..»، هو الجزء الثاني الشهير من «ثلاثية كوكر» التي تُغلف إنسانيتها بغطاء من الخيال الوثائقي، ويتتبع الفيلم رحلة مخرج سينمائي وابنه في بحثهما عن نجوم فيلم «أين منزل الصديق؟»، وهي منطقة دمرها زلزال عام 1990. وأضاف المخرج: «بالتأكيد متأثر جدًا بالمدرسة الواقعية الجديدة الإيطالية، وهذا ما يدفع الناس أحيانًا إلى الخلط بين أفلامي والوثائقيات، وعندما عدتُ إلى منطقة رودبار بعد زلزال عام 1990، لم أكن أحمل معي حتى كاميرا، ومع ذلك، بعد أن صنعتُ فيلم (الحياة، ولا شيء أكثر)، كان الناس يسألونني دائمًا عن مدى واقعية الفيلم، ولم يصدقوني عندما قلتُ إن كل ديكور تم تنفيذه من الصفر.» وهنا لابد من ذكر فيلم «عبر أشجار الزيتون»، وهو يُتابع قصة خلف الكواليس أثناء تصوير فيلم في منطقة متضررة من الزلزال، وهو الجزء الثالث من «ثلاثية كوكر»، ويُمزج فيه بين الفن والواقع، ويُظهر جمال العلاقات الإنسانية وسط الفوضى، ويتميز بأسلوب كياروستمي المتمهل والواقعي. في فيلمه الوثائقي «أفريقيا من الألف إلى الياء»، يأخذنا كياروستامى في رحلة إلى أوغندا لتوثيق معاناة الأطفال الأيتام بسبب الإيدز والحروب. ورغم موضوعه المأساوي، يعرض الفيلم جوانب من الحياة والفرح، ويظهر قدرة كياروستمي على التأمل الإنساني في سياقات عالمية مختلفة. يجيئ فيلمه «10» لممثل تجربة مختلفة شبه وثائقية، كاميرا مثبتة داخل سيارة تسجّل حوارات بين سائقة وركّابها، تشمل ابنها، صديقة، امرأة مطلقة ومومس. أنه بحق تجربة سينمائية أصيلة استخدم فيها كياروستمي كاميرات رقمية صغيرة، ويناقش قضايا المرأة، الدين والحرية في المجتمع الإيراني، عبر حوارات حقيقية. بينما في فيلمه «شيرين» نجد تجربة سينمائية خالصة، فالفيلم كله يتكوّن من لقطات لوجوه 100 امرأة يشاهدن عرضًا مسرحيًا أسطوريًا عن شيرين وفرهاد، دون عرض المسرحية نفسها، أنه فيلم تأملي فريد يُركّز على التلقي والمشاعر.. تجربة سينمائية في أقصى درجات التجريد. ونتذكر دائما الدراما الفلسفية بفيلم «نسخة طبق الأصل»، لقاء بين رجل وامرأة في إيطاليا يتحوّل تدريجيًا إلى علاقة معقدة، تشكّل لغزًا بين ما هو «حقيقي» وما هو «مزيف».. وهو أول فيلم له خارج إيران، ومن بطولة النجمة الفرنسية جولييت بينوشه، وقد حازت على جائزة أفضل ممثلة من مهرجان «كان» السينمائي، وعموما الفيلم يناقش فكرة الأصل والنسخة، الفن والحياة، ويواصل فلسفة كياروستمي حول التمثيل والواقع، في ملخص رحلة المخرج الكبير كياروستمي، يرى أن الأسئلة أهم من الأجوبة، لذا كثير من أفلامه تنتهي بنهايات مفتوحة. «الطبيعة، الصمت، التأمل والأطفال»، عناصر متكررة في أفلامه، التي لا توجه للجمهور العريض فقط، بل للمُتأمل الباحث عن سينما تتحدث بلغة النفس. اقرأ أيضا: في ذكرى رحيلها.. نبيلة السيد كوميديانة صنعت البهجة ورحلت مبكرًا