انطلاقًا من المقولة المتداولة أن «البراندات» حيلة اخترعها الأذكياء لأخذ أموال الأثرياء فصدقها الفقراء، خرج مؤخراً مجموعة من الشباب الصيني في إطار الحرب الإعلامية بين الصينوأمريكا وكشفوا خدعة الماركات العالمية وأن الكثير من السلع التي تباع بآلاف الدولارات هي في الحقيقة صُنعت بتكاليف بسيطة في مصانع داخل الصين، وأن هذه البراندات التى تمثل هوسًا لاقتنائها عند بعض الناس وتنتشر فى جميع دول العالم ما هى إلا خدعة كبرى، فهل من الممكن أن يمتنع المستهلكون عن شراء البراندات الفاخرة بسبب السعر مقابل قيمة المنتج وهوس اقتنائه؟ ◄ يفضلها البعض من أجل جودة المنتج ويرى الشباب أنها مظهر اجتماعي ◄ خبير اجتماعي: الإعلانات ساعدت على انتشارها وإجبار المستهلك على شرائها يحرص الكثير من الأشخاص لا سيما الفتيات على اقتناء السلع التي تحمل أسماء «البراندات العالمية «، من دون الاكتراث بالمبالغ الباهظة التي ينفقونها للحصول عليها ولكن الأهم الماركة التى تضع على الحقيبة أو الساعة أو التليفون المحمول إلى أن جاءت الفيديوهات المصورة من داخل مصانع فى الصين لتوضح حقيقة هذه الماركات ومدى تفاوت الأسعار بين سعر التكلفة والبيع، حيث انتشرت فيديوهات الصين على تطبيق «تيك توك» وغيره من مواقع السوشيال ميديا من داخل مدينة «كوانزو» أشهر المدن الصناعية فى الصين، لتوضح أن أغلب الماركات العالمية التى يقبل عليها الناس من مختلف دول العالم مجرد خدعة نظراً لسعر تكلفة صناعتها الزهيد فى حين أنه يتم بيعها للجمهور بأرقام باهظة، فعلى سبيل المثال الحقيبة التى تباع ب2000 دولار تكلفتها فى المصنع لا تتعدى 50 دولارًا. انتشار هذه الفيديوهات تسبب فى إثارة حالة من الجدل، فالبعض يرى أنه لا ضرورة للجوء إلى البراندات العالمية وتكبد أموال طائلة خاصة إذا كان هناك منتج محلى يؤدى نفس الغرض، والبعض الآخر يرى أنها وجاهه اجتماعية وضرورة حتى بعد انتشار الفيديوهات الصينية. ◄ هوس البراندات تقول نرمين محمد (27 عامًا)، إنها نشأت وسط عائلتها فى أحد المجتمعات العربية، وكان الاهتمام بالماركات أمرا لا بد منه حيث الاهتمام بالمظهر خاصة فى أوساط الفتيات بالجامعات وأماكن العمل، ومع الوقت أصبحت غير قادرة عن الاستغناء عنها إلا أن ذلك ليس السبب الوحيد، حيث تقول: أنا مقتنعة أن المنتجات التي تحمل ماركة تجارية معروفة تتميز بالجودة خاصة المنتجات التى تتعلق بالجلود فى الحقائب والأحذية، وكذلك منتجات العناية بالبشرة والشعر، وفرق التكلفة بين سعر التصنيع والبيع لن يغير من قناعتى فى شىء، فالمهم بالنسبة لى هو الحصول على منتج جيد يتناسب مع ذوقى ويلبى احتياجاتى. أما سمر أحمد (مدرسة) فترى أن الماركات وهم يعيش فيه بعض الناس فى حين أن هناك منتجات محلية أكثر جودة، وأقصد هنا المنتج المحلى المعروف وليس المنتجات التى تخرج من مصانع «بير السلم» لتجنب الأذى من هذه المنتجات، مشيرة إلى أنها أحياناً تتجه إلى البراندات لكن فى بعض التصاميم الفريدة فى الملابس أو الحقائب، وخلاف ذلك لا تجد فيه أهمية. أما عمرو إبراهيم (محاسب)، فدائماً ما يشعر بالاضطراب المالى نتيجة إصراره على اقتناء أغلب أغراضه من ماركات معروفة لأنه يرى أنها مقياس للمستوى الاجتماعى عند الكثير من الناس خاصة الشباب، لكنه يحاول تدبير احتياجاته بشراء المهم فقط منها. ◄ اقرأ أيضًا | الضرب تحت الحزام ..الصين تُوجِّه ضربة قاتلة ل «البراندات» الأمريكية وتلجأ لكارت المعادن ◄ الماركة والبراند ترى الدكتورة هدى الملاح الخبيرة الاقتصادية، أن «البراندات» العالمية خدعة كبيرة يتهافت عليها الناس ويصرفون عليها آلاف الجنيهات، وقد يقترضون أو يدخلون الجمعيات ويعدون العدة لشراء ملابس أو ساعات وغيرها، تاركين الاحتياجات الأساسية وراءهم، مؤكدة أنه فى ظل الأزمات الاقتصادية التي تلاحق العالم كله الآن مؤخراً يجب تحجيم التعامل مع توكيلات البراندات. وتوضح أن ذلك لا يؤثر على الدول النامية لأن سوق البراند بها محدود ومتمثل فى بعض التوكيلات العالمية فقط، لافتة إلى ضرورة الانتباه والتفرقة بين «الماركة» و«البراند»، فالماركة هى الرمز أو علامة تجارية تمثل شركة ومنتجاتها عن منتجات الشركات الأخرى، أما «البراند» فهو مفهوم أوسع يتضمن كل ما له علاقة بالماركة وسمات المنتج عمومًا، بالتالى فهى منتجات ملموسة ومعروفة فقط عرفت بأسماء ماركات معينة، فليس جميع الماركات «براندات عالمية». ◄ الثقافة الاستهلاكية ومن الناحية الاجتماعية والتمسك باقتناء البراندات، تقول الدكتورة سامية قدري أستاذة علم الاجتماع بكلية البنات جامعة عين شمس: إننا نعيش فى ظل ثقافة سائدة فى جميع المجتمعات يطلق عليها «الثقافة الاستهلاكيه»، منتجات عالمية يتم إنتاجها فى مختلف الدول أصبحت «براند» وهو اتجاه عالمى ظهر مع العولمة، وبدأت الثقافة الاستهلاكية فى الانتشار عن طريق وسائل التواصل الاجتماعى ووسائل الإعلان الحديثة فهى «عولمة اقتصادية» هدفها تسويق السلع والمنتجات عالمياً، ومجتمعات الرأسمالية هى ذاتها التى عززت من وسائل التواصل الاجتماعى للترويج والإعلان عن منتجاتها وأخذ العائد الاقتصادى المرجو من ذلك من خلال إنتاج السلع ونشر ثقافة الاستهلاك، موضحة أن الإعلانات قديمًا كانت تقتصر على إعلانات الطرق لكن حالياً أصبحت الإعلانات فى كل مكان وتسيطر على الأفراد، ومن خلال التطبيقات ومواقع السوشيال ميديا تعرض السلع على الأفراد أثناء استخدامهم اليومي. وأشارت إلى رأى عالم الاجتماع الأمريكى «بنجامين بربر» فى كتابه «عالم ماك»، والمقصود به الولاياتالمتحدة بثقافتها الاستهلاكيه ونشرها فى جميع أنحاء العالم، فالأشخاص يكونون مجبرين على الاختيار والشراء حتى إن كان السعر يفوق إمكانياتهم المادية من خلال الإبداع فى تسويق المنتجات، ومنها أسلوب العروض، كأن يشترى المستهلك قطعة ويأخذ الثانية مجاناً، وفكرة «الترند» وترويج السلع على أنها الأكثر مبيعاً واستهلاكاً، فيرغب الجميع فى شرائها، أو من خلال التطوير المستمر للسلع وتحديثها طوال الوقت فيترك المستهلك القديم ويرغب فى شراء المنتج الجديد، كذلك استخدام نجوم السينما والممثلين فى عمل الدعايه لترغيب المستهلكين فى الشراء. وأضافت: الصين تعمل على تقليد البراندات وتصنفها ما بين «الكوبى»، و«الفيرست كوبي»، لجذب عدد كبير من المستهلكين الذين يسيطر عليهم اقتناء البراندات ويعتقدون أنها أحد أسباب القبول الاجتماعى، فهى إحدى طرق استقطاب عشاق البراندات، لافتة إلى أن الهوس بالبراندات يعتبر أمرًا طبيعيًا فى ظل العولمة، والسيطرة على المستهلكين فى ظل ذلك صعب خاصة الجيل الجديد من الشباب، لكن يمكن معالجة هذه الظاهرة حتى إن كانت النتائج ستأتى ببطء، حيث يجب أن تعلم الأسرة أبناءها الرضا والقناعة ونعيد من جديد التمسك بالقيم وتعليم الأطفال والشباب أن كل أسرة وكل شخص له مقدرة مالية مختلفة، وتعليمهم قبول مستواهم المعيشى وأن المجتمع مقسم إلى طبقات وكل شخص قادر على الاجتهاد لتحسين وضعه المعيشى لكن الاهتمام أولاً بالاحتياجات الأساسية. ◄ السوق العالمي فيما يرى الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادى رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، أن البراندات واقع موجود بالفعل من خلال منتجات حفرت أسماءها فى السوق العالمى ولها قبول لدى الأشخاص وتمثل قوة شرائية، موضحاً أن الحرب التجارية بين أمريكاوالصين تتمثل فى أن هذه البراندات فتحت سوقا لها فى الصين لأنها دولة صناعية وتعتبر سوقا للمستهلك ويتم تصنيعها بأسعار أقل مما تصنع به فى أمريكا وبنفس الجودة ما يحقق مكاسب مضاعفه، فحاول قرار دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية كبيرة على الصين أن يحجم من ذلك، فردت الصين بطريقتها ووضعت تأشيرة خاصة للشراء من داخلها دون فرض جمارك ويصبح السوق الصينى مفتوحا ويضع السوق الأمريكى فى موقف حرج لتخرج أمريكا من جديد وتتراجع عن بعض القرارات وهو مشهد لحرب اقتصادية يمكن قراءته بهذه الطريقة. ويضيف: أما البراندات العالمية فلها تواجد فى جميع دول العالم والفرق بين سعر التكلفة والبيع يأتى طبقا لعقود مبرمة للحصول على الأرباح وتسديد الضرائب، وأوضح أن البراندات صناعة تغزو العالم وسباق تجار يمكننا اللحاق به من خلال تصدير المنتجات كاملة الصناعة ببراندات مصرية بدلًا من تصدير المنتجات كمادة خام وهو أمر ليس بصعب فقط نحتاج إلى رؤية واستراتيجية واضحة من أجل تحقيق تكامل صناعى واقتصادى فمصر رائدة فى صناعة الأقطان والمنسوجات التى يتم تصنيعها بالمحلة الكبرى وغيرها من الصناعات من أجل غزو الأسواق العالمية.