بالأمس مر شهران بالتمام والكمال علي ثورتنا المباركة، بدأت الثلاثاء 52 يناير واستمرت 81 يوما حتي نجحت في خلع مبارك يوم 11 فبراير، وأجمل أيام عمري كله عشتها في ميدان التحرير وكان الاعتصام هناك قد بدأ يوم السبت 92 يناير بعد يوم الجمعة الدامي، وظل قائما في سقوط النظام السابق، وخلال هذه الفقرة نسيت أنني كاتب وصحفي وعضو بمجلس نقابة الصحفيين، وتجاهلت كل شيء في الدنيا.. فقط البقاء في التحرير ضمن آلاف المعتصمين.. وحرصت علي الابتعاد عن الميكروفونات وصدارة المشهد.. رفضت أن أكون زعيما لأنني رأيت ان الجندية أفضل! وخلال هذه الفقرة تعرفت علي بلادي الحقيقية الجميلة من خلال أخلاقيات ميدان التحرير، وأول ما لفت النظر أن مصر كلها كانت هناك، عاشت جنبا إلي جنب في وئام. شاهدت المسلم إلي جانب المسيحي، والمتدين وبجواره العلماني، وأولاد الذوات إلي جانب الفقراء. ورغم أن ثورتنا مدنية 001٪ ولم تكن فيها أي شعارات دينية إلا أن التدين كان الصفة الغالبة علي المعتصمين، فإذا جاءت أوقات الصلاة توقف كل شيء في الميدان، وسكتت الهتافات، وشاهدت الآلاف يركعون ويسجدون، وحتي الذين لا يصلون ينظرون إلي المشهد كله باحترام. والصفة الثالثة التي رأيتها في مصر الجميلة كانت الوحدة الوطنية، ولأول مرة يقيم الأقباط صلواتهم في الهواء الطلق، وذلك يوم الأحد.. أقاموا قداسا رائعا وهم يحملون صلبانهم في حراسة المسلمين. وياسلام علي قوة التحمل التي رأيتها.. كان الجميع يعيشون في ظروف صعبة للغاية.. فأنت لا تأكل إلا الفتات وتنام علي الأرض والرصيف يحتضنك وتواجه أقسي أنواع الاتهامات من الاعلام الحكومي وأنصار مبارك، بأن حال البلد متوقف نتيجة هذا الاعتصام، و»مصر حتروح في داهية بسببكم«!! والرئيس مبارك قدم تنازلات لم تكن تخطر لكم ببال، فلم هذا العناد والاصرار علي البقاء، بل أن أهالي المعتصمين أنفسهم لم يكونوا سعداء، وأبناؤهم أو أزواجهم في الميدان بعيدا عن بيوتهم، واذا كنت قادرا علي مواجهة الشدائد فأنت بالتأكيد شجاع وهذا من أخلاقيات ميدان التحرير التي تجلت بوضوح فيما يسمي بموقعة الجمل، أو الأربعاء الدامي، عندما فوجئنا بهجوم البلطجية وأنصار الرئيس السابق علي ميدان التحرير، والدولة كلها تقف وراءهم بغرض احتلال المكان وطرد المعتصمين! وفوجيء المهاجمون الذين ظنوا ان المعركة ستكون سهلة ولن تستغرق وقتا طويلا بصلابة الدفاع، ولم نكن نملك سوي الطوب والحجارة في مواجهة الأسلحة البيضاء واستغرق صدهم ما يزيد علي نصف يوم أو أكثر من 21 ساعة، ودخل هذا المشهد تاريخ مصر من أوسع أبوابه.. وأقول لمن لم يحضره فاتك نصف عمرك!!