فى السادس من مايو سنة 2018، غيّب الموت عالم النفس الأشهر والمفكر القومى الموضوعى د قدرى حفني، الذى ينتمى بحق لجيل العظماء الذين أثروا حياتنا العلمية والثقافية ، ونهل من علمه الغزير نخبة من علماء النفس فى مصر والعالم العربي. وقُدر للراحل العظيم أن يسهم بشكل واضح فى حياتنا السياسية وقضايانا القومية. ولم يكن قدرى حفنى مجرد أستاذ من أساتذة علم النفس الذين أتقنوا مهنة البحث والتدريس فى الجامعات المصرية، بقدر ما تجاوز ذلك إلى ما هو أبعد بكثير، ليترك بصمة حقيقية فى كل من عرفوه، زاملوه أو تتلمذوا على يديه حتى أصبحت مدرسة علمية جادة عميقة أكاديمياً وعملياً. كان الراحل العظيم عالماً بما تحمله الكلمة من معنى وجلال وتواضع ودماثة خلق، وأباً عطوفاً حنوناً، يدعم رأيه بالحجة والمنطق ويتراجع عن هذا الرأى إذا توافرت لديه معلومات أكثر وضوحاً. اقتربت منه على مدى ثلاثين عاماً، كان عفيف اللسان طيب القلب بعيداً عن الصراعات، فاستحق أن يحظى بحب واحترام وتقدير كل من عرفوه. ولم يبدد وقته، بل سار واثق الخُطى مُحدد الهدف، فاتسع عقله وفكره لكل رأى آخر، وجعل من الحوار الهادئ وسيلة مهمة لإقناع الآخرين والنفاذ إليهم، بصبر وأناة، فلم يفقد صبره أو سعة صدره يوماً من الأيام، وحينما انقسم الناس من حوله كان عادلاً فى الحكم بينهم، ولم يستطع أحد أن يورطه فى خصومة أوتناحر، فأحبه من اختلف معه مثلما أحبه من اتفق معه. بحث فى الشخصية الإسرائيلية على نحو لم يكن معروفاً من قبل، أيماناً منه بأهمية فهم هذه الشخصية وأثر ذلك على قضية العرب المحورية. واهتم بدراسات الطفولة والبيئة. واتسعت همته لقضايا أمته وأمنها القومى برؤية أكثر اتساعاً تتجاوز مصر إلى أشقائها فى العروبة، فلم يكن غريباً أن يحتفظ بعلاقات حميمة مع مفكرين من مختلف الدول العربية، مؤمناً بأن العلم والثقافة يمكنهما أن يعوضا التراجع السياسى. كان موسوعياً مع ثراء عطائة لتخصصه الدقيق، فترك رصيداً كبيراً من الإنتاج العلمى المتنوع، وفى مشوار حياته محطات كثيرة غاية فى الأهمية والإبداع فكراً ومنهجاً. كذلك خلف الدكتور قدرى حفنى أجيالاً من المفكرين والعلماء، سيذكرونه دوماً بل ويتوارثون ذكراه العطرة جيلاً بعد جيل، وسيظل باقياً فى وجداننا بإنسانيته مثلما هو باق فى عقولنا بعلمه وفكره وعطائه المتميز، فارساً من فرسان الزمن الجميل . سلام عليك ودعاء- لن ينقطع - بالرحمة والثواب العظيم على ما قدمته لتلاميذك ولوطنك. لمزيد من مقالات د . أحمد مصطفى العتيق